الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 314الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء، الجنتلمان ، أودرس فى الترجمة

Share

الأمر وما فيه ، أننا اختلفنا ، أنا وبعض الأصحاب ، على ترجمة اللفظة الإنجليزية الشهيرة ، جنتلمان Gentleman وهى لفظة لا أحسب أحدا من قرائنا فاته سماعها

والذى يريد من أهل اللغة ، والمعنون بالترجمة ، أن يتعلم درسا فى قصور الترجمة وقصر باعها ، فليدرس هذه الفظة ، وليدرس تاريخ حياتها ، فإن لها تاريخ حياة كحياة الرجال . وهى قد استقرت أخيرا على معنى ، ولكنه احتوى شيئا من كل دور من أدوار هذه الحياة الطويلة المدينة فترجمها لن تكون بكلمة ، ولكنها تكون بكتاب .

وقد يترجمها الكتاب بالرجل الشريف ، وقد يترجمها آخرون بالرجل الرقيق ، وآخرون بالرجل الوديع ، وآخرون بالسيد . وإذا أردت أن تعرف نصب هذه التراجم من الصحة فاستمع لوصف أول رجل نمته السجلات الإنجليزية القديمة بأنه جنتلمان .

ذكرت السجلات ، أول ما ذكرت ، اسم " روبرت أردسويك - جنتلمان " . ثم كشفت عن شىء من تاريخ حياته فقالت إن المحكمة العليا اتهمته بالتلصص فى أحد المنازل ، وبأنه قتل فى أثناء ذلك رجلا ، بأن جرحه عمدا ، ثم قطع أعضاءه بالسيف عضوا عضوا ، والرجل جاث على ركبتيه يطلب الرحمة والحياة دون جدوى فهذا هو الجنتلمان الأول . ثم تأتى السجلات الإنجليزية على إسم رجل ثان ، نعتته بالجنتلمان ، برز على الجنتلمان الأول فى شرفه وكرمه ووداعته .

كان هذا فى القرن الخامس عشر .

ثم يأتى القرن السابع عشر . فيحكى عن جيمس الثانى ، ملك امجلترا ، أن امرأة كتبت له ترجوه أن بجعل من ابنها جنتلمانا . فيكتب الملك يقول : يا سيدتى ،

إنى أستطيع أن أجعل منه شريفا - استطيع أن أضفى عليه مرتبة من مراتب الشرف ، ولكنى لن استطيع ، وليس الله بمستطيع ، أن يجعله جنتلمانا .

وتفسير هذا وذاك أن الجنتلمان فى تلك القرون القديمة الماضية كان معناها الرجل الذى يخرج من بيت نابه ، كانت هذه النباهة ما كانت . أى الذى يخرج من بيت أصيل . فلفظة " جنتل " gentle ، اشتقت قديما من اللفظة اللاتينية gens ، ومعناها الجنس أو الأصل ، ولم يكن بين هذه وبين الرقة والوداعة وما إلى ذلك صلة إلا أن تأتى هذه الصفات تبعا . ومن أجل هذا قال الملك جيمس للسيدة ، إن الله نفسه لا يستطيع ان يجعل ولدها جنتلمانا . وقد صدق . فسكيف يستطيع الله من بعد خلقه هذا الولد ، من تلك النطفة ، وهى ليست في البيوتات أصيلة ، أن يجعله جنتلمانا . إلا أن يعيد خلقه .

وانتقل هذا المعنى من اللفظ إلى المجتمع ، ما بين القرن الخامس عشر إلى السابع عشر ، فصار الجنتلمان علما على طبقة من الطبقات الرفيعة تتميز بحمل شارة هى شعار البيت الذى يولد فيه .

ثم جاء على انجلترا عهد الفتح والغلبة والمجد من بعد ذلك . فتطور معنى اللفظ ، وتطورت معه هذه الطبقة من المجتمع . ولست أجد شيئا أبرع فى وصفها من هذا الذي كتبه البروفسور لسكي Laski فى كتاب نشره فى لندن منذ سنوات قليلة . قال :

إن انجلترا تفخر بأن هذا المعنى ، معنى الجنتلمان ، من المعانى التى اختص بها شعبها دون سائر الشموب . وإنى لأحسب أن لهذا الفخر دعامة قوية يستند إليها والجنتلمان ، بحسبانه مثلا يحتذى ، معنى من المعانى التى امتازت بالبساطة المفرطة .

إن الجنتلمان يكون هكذا بالذى هو كائنه اكثر منه بالذى هو فاعله . فهو يستقبل الدنيا ويستقبل الحياة والعيش فى غير اكثراث . وهو يقبل منها ما تعطى ، ولا يسأل وهو لايهتم بشيء اهتمام محترف . وهو قد يؤذن

له فى تعلم الهوايات وأن يخرج عن المألوف إلى كل ضرب من ضروب الشذوذ ، ولكن لا يؤذن له فى ممارسة مهنة يكون منها ارتزاق أبدا . فالرزق ومرارة تحصيله لبسا من شئون الجنتلمان فى شىء . وعليه أن يثبت فوق ذلك فى سبيل تأهله للقب ، أن أحدا من أجداده ، على الأقل إلى الجد الثانى أو الثالث ، لم يكن يعمل للرزق أو أنه احترف حرفة يوما ما .

والجنتلمان يستحب فيه أن يكون قد تعلم فى مدرسة من مدارس خاصة ، معروفة ، محدودة العدد ، من أخصها إيتن Eton  وهرو Harrow وهى مدارس ثانوية . ثم هو يكاد يشترط فيه من بعد ذلك أن يكون دخل إحدى جامعتين ، إما أكسفورد وإما كمبردج . وعليه أن يتعلم ركوب الخيل وصيد الطير والحيوان . ويحب أن يكون له فى الجيش والأسطول أقارب ، ثم قريب واحد على الاقل فى السلك الدبلوماسى . ولا بد له أن يكون عضوا فى ناد من النوادى ؛ وعضوا فى حزب المحافظين ؟ ومن المرغوب فيه أن تتفق آراؤه وما تبديه جريدة المرنتج بوست Morning Post من آراء . ومن مؤهلانه أن يكون فى إمكانه أن يحتمل زيارة الرفيرا فى الشتاء . فإن هو استطاع إلى جانب ذلك أن يدور على البيونات الريفية الإنجليزية ما بين شهر اغسطس إلى نوفمبر ، زاد هذا فى تأهيله ، ولو أن هذا الدوران ليس بالشرط الذى لا بد من وفائه .

فهذا هو القدر الأقل من صفات الجنتلمان - هى الدعائم الأولى التى يرتكز عليها هيكل الجنتلمان ، وهو هيكل لعمر ربى عظيم هائل .

وهناك صفات أخرى تتصل بعقل المرء ، وبعاطفته ، لا يجب إغفالها . فالجنتلمان لابد أن يظهر إعجابه بالكتاب والشعراء من أمثال كيلنج Kipling - وسرتبس Surtees ويجب أن يذكر بالسوء كل هذا القصص الحديث ، وأن يحقر ما فيه من مرونة فى الأخلاق . ويجب أن يدرك ما فى موسيقى جلبرت وسوليفان من رقة واتزان . أما موسيقى بتهوفن وموزارت فيجب أن لا يدخل فيها إدخالا ويجب عليه أن يتعلم كيف يحضر إلى الأوبرا متأخرا .

وإذا هو حضر التمثيل وجب أن لا يكون له من ذلك غرض غير التسلى . وله أن يزور باريس ، ولكن عليه أن يخرج عنها بإحساس بقارب ما أمكن إحساس المرء بالخطيئة . وهو إذا تكلم الفرنسية أو الألمانية يجب أن يتكلمها غير مفهومة . وعليه أن يلعب الألعاب ، ويلميها مقتنعا بأنها سر عظمة بلاده . ولكن يجب أن لا يخرج في إحسانه فيها عن إحسان أهل طبقته ، إلى إحسان المحترفين ، ففى الاحتراف مضيعة الألعاب ومفشلة الرياضة . والشراب لا بد أن يتعاطاه ، فلا يكف إلا بأمر طبيب .

وللجنتلمان صفات أخرى هامة . فيجب أن يجهل ما علم الاقتصاد ، ولا أن يعلم كيف تحكم الأمم غير أمته . ويجب أن يسوى بين البلشفة وخطيئة الإنسان الأول . وحرية الفكر وحرية العقيدة يجب أن يتحاماهما ، ولكن مع هذا يجب ألا يتعصب للدين تعصبا شديدا ، ويحب أن يحس إحساسا كاملا بفضل الإمبراطورية ومزاياها . وأن يؤمر بأن اليد القوية هى وحدها التى تستطيع أن تكتسب احترام الشرق .

وإذا هو تغدى خارج منزله فله إما ألا يتحدث أبدا ، أو إذا هو تحدث وقف عند أحاديث الأخبار وما يجرى عند الناس ، وإياه ثم إياه أن يخرج عن هذا فيظهر تبحرا مرذولا فى موضوع من المواضيع .

ويجب أن يؤمن بالذى عم أمريكا من مادية بالغة ، ولكنه إذا شاء أن يقترن بإحدى بناتها ، فعليه أن لا يقترن إلا باللاتى حباهن الله الشىء الكثير من نعمته ، ممن قد استقبلتهن بيوتات لندن ، أو من هن قمينات باستقبالها .

وهو قد يتعلم فن البستان ويحسنه . وهو قد يكون مدير شركة على شرط ألا يسعى إلى الإلمام بكل أعمالها . وعليه ألا يكون طلق اللسان عند الحديث ، أما إذا هو طلب الفصاحة فى الخطاب ، أو هو حاول الخطاب ، وجب أن يتعقد لسانه فلا يخرج من فيه كلمة . ويجب عليه أن يحس بجمال الشكل إحساسا كبيرا . فيجب أن يتعلم مثلا أن رباط الرقبة الأسود ، يلبسه المرء مع المعطف ذى الذيل الطويل ، سبة تدل على ضعة فى الأصل . إلا أن يكون

صاحب المعطف والرباط رئيس الجرسونات فى مطعم .

وللجنتلمان صفات أخرى خطيرة ليس من الحكمة تناسيها . فهو يؤمن كل الإيمان بالعدل فى أهل طبقته . وله فى الأمر أسلوب غاية فى اللطف . وهو متسامح مع كل إنسان . إلا أن يكون هنديا ، أو اشتراكيا ، أو سارق صيد ، وهو شجاع دائما ، يختص باحترامه ومروءته النساء ، نساء طبقته . وهو يكره الظهور برذائله ، وكذلك يمقت التباهى بفضائله . وقد ينسي أن يدفع أجر طرزيه ، ولكنه لا ينسى أبدا أن يدفع دينه لغريمه إذا هو خسره على مائدة اللعب . والأسرة المالكة يحترمها كل احترام . وهم ناس كالناس ، ولهم بعض الزلات ، كما للناس ، ولكنه لا يتيح للسانه أن يذكر من ذلك شيئا . وهو يحترم الأساقفة ، ويحترم من وزراء التاج أولئك الذين ينتمون لحزبه . وهو إذا ادعى دعوى فلا يلح فيها فوق ما يجب . وهو متواضع فى عقله ، فلا يحب أن ينظر إلى المستقبل البعيد .. وهو قد يشكو ، ولكنه يعرف كيف يضحك . وهو يضحك من نفسه كثيرا ، وقد يخرجه الضحك على هذا النحو من مآزق قائلة . وهو يحب السلطة . وبما انه لا يعرف كيف يصطنع المال ، فهو قلما يرى متلبسا برشوة أو بائعا ضميره بمال .

والجنتلمان هو الذى حكم انجلترا إلى عهد غير بعيد . والرجل الانجليزى العادى لا يزال فى قلبه احترام الرجل الذى لا يضطره العيش إلى العمل - أى احترام الجنتلمان - حتى العامل الإنجليزى لم ينقض عن نفسه احترام هذا الرجل الذى جرت التقاليد بتقديمه . وما أسرع ما أدرك الجنتلمان بنشأة الصناعة أن قوته فى المستقبل لابد أن تعتمد على رجال الصناعة ، ثم ما أسرع ما احتضن هؤلاء الرجال ، فخالطهم وزاوجهم وعاهدهم . وهم بدورهم أقروا له بحسن القيادة ، وبالحكم الصالح ، فانضووا تحت لوائه راضين مختارين .

وعلم الحكم الجنتلمان متى يشد اللجام ومتى يرخيه " وعلمه أن الأمر الذى لا ينفذ كله لا بأس من المساومة فيه . وهو على قدر خصومته لطبقات المجتمع الإنجليزى الأخرى ، لم يأذن لخصومته إياها أن تبلغ حد القاهرة بمكانه

الممتاز بين هذه الطبقات . ومن أجل هذا استقر حيث هو من قيادة الأمة ، والتحكم فى مقدراتها قرنين من الزمان .

وتعدى تأثير الجنتلمان حدود انجلترا ، إلى أوربا ، وإلى العالم . فهو الذى حبب الدنيا في الفتبول ، والجولف ، والتنس ، وهو الذى اخترع " آخر الأسبوع " يقضيه الناس فى الريف بعيدين عن المدن . وهو الذى فتح أعين الأمريكان فأبصرت بها الفنون . وهو الذى سمع بالمثل الذى يقول بأن العلم القليل شر خطير ، فاخترع له الرأى القائل بأن العلم الكثير غير جميل ، وهو على كل حال يدفع صاحبه إلى الجنون .

وللجنتلمان فلسفة سيطرت على الفكر الانجليزى زمانا . ومن مقتضياتها رفضه أن يرتبط بمبادئ كائنة ما كانت ؟ فهو يأبى فى يومه أن يتقيد بشىء لغده . فاذا جاء الغد ، حل مسائله وفق ما تقتضيه حاجات هذا الغد . وهو يرى أن يأخذ دائما وجهته التى يرضاها ، فارضا أن الدنيا سوف لا تتخذ وجهة سواها وهو دائما يجب أن يستشعر الثقة بأن الأسلوب الذى يسننه هو للعمل ليس أسلوبه هو وحده ، فهو الأسلوب الذى لا شك ستراه الدنيا أنه أسلوبها ، وهو دائما يجب أن يستشعر انه بمشيئة الله سيد الشعوب . وهو فى سبيل ذلك لا يظهر رغبة شديدة فى بلوغ غرض مهما تحرق قلبه لبلوغه ، وذلك كى لا يظهر بالخيبة فى عين الأجنبى إذا هو قصر عن بلوغه . وهو على كل حال لا يكاد يتحرق لشىء أيضا فهو ينظر للحياة الدنيا كلعب يسىء إلى روح اللعب فيه الجد الزائد وهو لا يرضى أبدا أن يركبه غرض كما يركب الحمار . فهو لابد أن يكون سيد غرضه ، كما يكون سيد حماره . وفى هذا من الحكمة الإنسانية النادرة مالا بد لكل أحد أن يعجب بها .

فهذا هو الجنتلمان أيها القارئ . أفبعد هذا تترجم هذا اللفظ بالشريف أو بالوديع او بالرجل الطيب أو بالسيد ؟ أم أنت معى ترى أنه لابد لترجمته من مقال أو كتاب.

اشترك في نشرتنا البريدية