الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 328الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء، الحيوان الذى فينا

Share

كان عند ما لقيته قد عاد توا من جبهة القتال ، ليستقر فى القاهرة بعض حين ، وكان الحفل الذى اجتمعنا فيه بجمع بين الأشتات من الناس ، رجالا ونساء ، أكثرهم لم يعرف الحرب إلا سماعا ، قد غلبت عليهم وعليههن دعة المدنية وهدوء السلام ، وغلب عليهم أدب المدنية أيضا ، فالكلام همس ، والنظرات ابتسام إذا طلب أحدهم شيئا قدم له بصنوف الاستئذان ، وباعطاء الفضل مقدما ، فإذا أجيب إلى ما طلب ، أردف ذلك بالشكر فى جمال ورقة . وإذا داس أحدهم على طرف عفوا ، او غمز بكوعه كوعا ، أو مس بذراعه صدرا أو ظهرا ، اندفع يعتذر عن فعلته الشنيعة بالكلم العليظ المؤكد ، يؤكد به أن الفعلة الجارحة إنما صدرت عن وعى غافل .

فإلى هذا الحفل عاد صاحبى من جبهة القتال ، فمس من بعد حين غير قصير ذلك الجانب الألين من جوانب الناس ، وباشر من بعد عهد طويل لطف النساء ، حديثا ووجها

وحسن معاملة . وكان الرجل الذى تعود لقاء الناس فى غير أزمة نفس ، وطرق أبواب النوادى طرق غشاء لها من غير استئذان ، ولكنه أحس فى هذا الحفل بالحرج يساوره ، وأحس بنفسه لا تجرى علي سجيتها ، خشى أن يكون قد حمل معه إلى هذا الجمع المؤنت السالم غشومة ذلك الميدان من طبع ذكر وفك غليظ . وحسيت أن به بعض انزعاج ، فسألته فى ذلك ، وكان الصديق القديم . فأفضى إلى بسريرته . وانتحى بى ناحية وأخذ يحدثنى عما رأى فى أمسه القريب فى ميدان القتال ، وعما أتى هو أيضا فيه . قال : كان الرجل منا يقتل الرجل ، فما والله ما تبقى فى نفسه بقية من أسف كالتى تبقى فيها إذا هو ذبح فرخا فى أكناف أيام السلام . وقال فى ختام حديث طويل : إن النفس الانسانية لابد أنها كانت نفس حيوان ثم تطورت أو لعلها نفس حيوان تقمصمت نفس انسان ؛ فأنك لانكاد تشق هذا القميص حتى تظهر من تحته الفروة والمغلب والناب . وهذا القميص منشق حتما على قصف المدافع من حولك ، وانفجار الأرض من تحتك ، ورؤيتك الأشلاء تتناثر على بصرك وقد كانت منذ برهة جسما صحيحا يتحدث ، له لسان وله قلب وله آمال . وفى تلك المواقف تكون الحياة إما لك أو لهذا الذى أمامك ، فتجرح كما يجرح الطير . وتعض كما يعض الوحش . وتبقر كما تبقر السباع . وسيل الدم تألفه فيكون صبيبه

كصيب الماء . ثم نظر إلى صاحبى وسألتى : أكنت فى حرب أبدا ؟ قلت : لا . قال : فإنك لا تفهمنى كل الفهم . إن أساس التفاهم التجارب المشتركة . قلت : بل أفعل . إنما أراك كما أرى الخيال فى الماء . قال : والماء مضطرب .

ثم استطرد يقول : وعندئذ تتبدل النوازع غير النوازع ، والدوافع غير الدوافع . ويسود قانون هو قانون الغابة . تنقلب فيه الأوضاع . وتختلط الأمور . فإذا أنت خرجت عن الحرب ، وميدان الحرب ، ولو بعض حين ، وعدت إلى حياة الناس ، وحياة السلام والوئام ، عدت إليها والشك بملا قلبك . والتذبذب بين الحالين ينهك قواك ، فلا تدرى أين السواد وأين البياض . ولا أين الثقل واين الخفة ، ولا أين تكون الحلاوة وتكون المرارة . وتعود تسترد على الجهد مقاييس غير تلك المقاييس التى حلا بها المر ، وخف الثقيل ، واختفى من الأسود سواده فى حلوكة الساعة .

وفرغ صاحبى من اعترافه الطويل ، فكأنما حط عن ظهره ثقل السنين . وقمت وقام إلى الناس ، فكان خطوه بينهم من بعد ذلك أثبت ، وحركته ألين ، ولسانه بالكلام أرطب . ولقى فتاة فتلطف لها تلطفا مدنيا شديدا ، عرفت عنده أن صاحبى قد برىء ، ولو إلى حين ، من أعراض جاء بها من ميادين القتال .

وخرجت أفكر فيما ذكر صاحبى من النفس الانسانية التى انطوت على نفس حيوانية فى تلك الظروف التى قال إنها تحلى المر وتخف بالثقيل وتسيغ غير السائغ . وذكرت بهذا شيئا قرأته عن قبيل من الناس بقيت فيه آثار تلك الحيوانية ظاهرة ، عارية ، فهو ينصاع لها انصياعه للطعام والشراب وسائر مطالب العيش هو القتل عنده شىء مألوف ، بل هو

مطلوب أيضا ، يأتيه بين أعمال النهار كبعض عمل النهار . كان الرحالة الذى أحكى عنه يصف قبيلا من الأقزام يسكن ناحية من الجزيرة الكبيرة الواقعة على طرف المحيط الهادى بين أستراليا والهند الصينية . وتسمى غنيا الجديدة .

بلغ الرحالة تلك الناحية يوما، وقصد إلى مركز الحاكم، فوجد صفا من الأقزام قد جىء به لجريمة أتاها . وكانت الجريمة جريمة القتل . ولما تليت عليهم الجريمة لم يفقهوا ما الذى فيها ، ودهشوا أن يكون كل هذا الصخب واللجب من أجل قتلة .

ونظر السائح فوجد قوما عراة، إلا من ورق التين يسترون به مالابد من ستره . ووجدهم قد تمنطقوا فضيقوا المناطق حتى برزت لحومهم من خلف . وكان منهم من يحمل الصليب فى عنقه ، فعلم من ذلك أن المبشرين بلغوهم ، ومع هذا لم يستطيعوا أن يبلغوهم أن القتل حرام .

وسأل أحدهم عن حاله ، بواسطة ترجمان طبعا ، فكان جواب الرجل : ما الذى يراد بنا ؟ إننا لم نفعل شيئا .

وحقا هو لم يفعل شيئا إن قتل حقا ، وهو يعترف بذلك ، ولكنه لا يجد فى ذلك شيئا إنه شىء يجيزه العرف فى القبيل ، إنه يقطع الشجر ويصيد الطير ويقتل الحيوان . ومن الحيوان إلى الإنسان قيد خطوة .

إن نظرة هذا الرجل البدائى إلى الحياة والموت تختلف اختلافا كبيرا عن نظرة الرجل المدنى ، وقد تسأله : ما دعاك القتل هذا أو ذاك ؟ فيجيبك بصراحة الطفل ؛ لأنه لانفع فيه . وحدث مرة أن قتل رجلا ، فلما سئل فى ذلك قال : إنه كثير الكلام نقال للأقوال .

وقد عرف عن رجال هذا القبيل من الناس أنهم يقتلون أحيانا من أجل الأدب ، كان نفر منهم يسير فى الطريق يسوقون أحمالا ، ولم تكن الدواب تحتمل أكثر مما حملت ، فمروا برجل شيخ سألهم أن يحملوه

معهم . فنظروا ، فلما تعذر حمله ، وجدوا أنهم لابد رافضون والرفض سوء أدب . فلم يجدوا سبيلا للخلاص من ورطتهم إلا بقتله .

وحققت الحكومة فى أمرهم ، وأتت برجال القبيل والخبراء ، فكان قرارهم أنه لاملامة فيما حدث ، ولا تثريب على أحد . إن الملامة فى أنهم قتلوا الرجل فى الطريق العام وهو طريق الحكومة ، والحكومة لا تحب القتل . فهذا فساد فى الذوق ما كان يجب ان يكون ، فالذوق يقضى فى هذه الحالة أن يحروا الشيخ إلى أحد الأدغال ، وهناك يقتلونه .

والعجيب أن هذه الحكومة المتدينة لم تجد بدا من قبول هذا الرأى . وهى لا تؤاخذ أحدا بالقتل ، على أنه جريمة . ولكن فقط على أنه " فساد ذوق " .

والحكومة تستخدم معنى فساد الذوق " هذا فى تخذيل هؤلاء الناس عن إتيان الجرائم . وهى تنجح بهذا أكثر من نجاحها بالعقوبات الرادعة . حتى أكل اللحوم البشرية خذلت عنه هؤلاء الأقوام بالإشاعة فيهم أن هذا " قلة ذوق " . فأصبح اليوم لا يجد الرائى هذا الشواء الإنسانى على مائدة كبير فيهم أبدا .

ومع هذا لا تعفيهم الحكومة من عقوبة إذا هم قتلوا . وعقوبة ذلك فيهم اليوم الحبس ، فقد وجدوا أن الحبس يؤلمهم إيلاما شديدا . وفى الحبس يقصون شعورهم ، وهذه كبرى الكبائر . إنها سبة يفضلون عليها الموت . وتدرك هذا ، إذا أنت عرفت أن شعورهم يرسلونها على رؤوسهم قائمة تطلب السماء ، فتظهر فوقها كأنها التيجان .

سمع صاحبنا الرحالة كل هذا أمام بيت الحاكم فى تلك الناحية من الجزيرة ، وقد اصطف أمامه هذا الصف من الرجال . وما لبث أن لاحظ أن هؤلاء الرجال جميعا يحملون فى أعناقهم منقار طير فسأل الحاكم فى ذلك ، فتقدم الحاكم

إلى أحد الرجال وانتزع من عنقه منقاره ، فاضطرب الرجل غضبا ، واهتز جسمه ارتعادا ، ولكنه خشى العاقبة فظل فى مكانه لا يفعل شيئا . وشرح الحاكم أمر هذا المنقار ، فقال : إنه لا يطوق به إلا كل شجاع فى الحى مقدام ، وإن دليل الشجاعة عندهم القتل .

واتخذ الرحالة من هذه المناقير موضوعا لدرسه ، فعلم أنها قلائد لا يجرؤ أن يتقلدها أحد فى هذا القبيل زورا أبدا ، وزاد درسا فعلم أن هؤلاء الناس ، فى عهد غير بعيد كانوا يعيشون فى حرب دائمة كانوا يعيشون فى القرى ، وكانت القرية تسطو على القرية ، فكان لابد من دفاع ، وكان لابد من دفاع دائم . من أجل هذا كان القتال ، ومن أجل هذا كان رخص الحياة فى سبيل الحياة .

وكان المنقار شارة البطولة فى القرية ، تعطى للحاصدين بمقدار ما يحصدون من الجماجم ، والمرأة إذا تزوجت طلبت من عروسها إذا لم يكن من أصحاب المناقير أن يأتى برأس عدو فيضعه عند قدمها . فالرأى عندهم أنه لا زواج لرجل لا يستطيع أن يدفع عن حريمه ، فعلى الرجل الدفاع ، وعلى المرأة إقامة البيت وتموينه .

وتجد المرأة تمشى مع الرجل ، فتحمل هى الأحمال ، وهو يمشى فارغ اليدين والظهر والمناكب . وليس هذا من تحقير المرأة ، ولكنه الدفاع عنها قضى على الرجل أن يكون فارغ اليد على أهبة دائما للنضال .

وتغير الزمن وذهب مهد النضال الأول ، ولكن بقيت المناقير يطلبها الطالبون مطلبا للبطولة حيث لا بطولة . فطلبوها بالرؤوس يقتطفونها من قوم مسالمين ضعفاء ، كما يقتطف الرجل الأزهار والثمار . وعما قريب هى لابد صائرة إلى ما صارت إليه السيوف فينا يتقلدها قوم لا يعرفون كيف تسل السيوف ولا كيف تجرح .

اشترك في نشرتنا البريدية