المجمع اللغوى المصرى مجمع ابتنوه اثناء لضبط اللغة العربية . وقد علم الناس كيف جرى المجمع ويجرى فى ضبطها .
واللغة العربية لغة قديمة تحاول العيش فى دهر حديث . والمجمع اللغوى المصرى يريد لها مع هذا أن تظل تستعد الحياة من جذور لها ضربت فى ماض بعيد عتيق - ماض كريم عظيم - وأن تستعد من هذه الجذور وحدها الحياة .
ولقد قرأت بالأمس لكاتب انجليزى كبير يصف كيف تجرى اللغة الانجليزية ، وهى أكثر لغات الحاضر ألسنة ناطقة ، فى سبيل تطورها من جيل إلى جيل . والانجليز يرسلون لغتهم من غير مجمع ضابط ، كما يرسلون قوانينهم من غير تشريع زائد . فهم فى التشريع يعتمدون فى الأكثر على منطق الفضاة ، وهم فى اللغة يعتمدون على حكمة الشعب وعلى سليقته . فالشعب هو مجمع لغتهم ، وضابط كلامهم .
قال الكاتب الكبير : إن اللغة الإنجليزية فى حاجة قائمة دائمة إلى
التجديد - فى حاجة إلى كلمات جديدة الأشياء جديدة ومعان جديدة وأهل اللغة المنقعرون ( من الانجليز طبعا ) يريدون دائما أن يحملونا علي قعرهم ، فيشتقون من اللاتينية والإغريقية ، ليثأروا منا كما ثأرت هذه اللغات منهم ، ولكن الشعب يأبى لهم انصياعا ، ويأبى لهذه الرغبة الجامحة فيهم إشباعا .
إن الشعب يصر على البساطة ، فهو يرفض كل معقد مركب يقف فى الحلوق كما تقف الأحجار ، وإن فرضوا عليه شيئا من ذلك قام هو على تهذيبه وتشذيبه . وقطع الثانى منه حتى يخرج مصقولا سائغا
ومن أمثلة ذلك أن العربة كانت تقودها الجياد . فلما اخترعت العربة التى يقودها محرك بتحرك بالزيت ، أرادنا المتقعرون على تسميتها بالأوتوموبيل automobile ، فرفض الشعب هذا الاسم الطويل ، فلا تسمعه اليوم ينطق فى انجلترا ، إلا إذا ذكر اسم النادى الذى يجمع أصحاب هذه العربات ، فهم يسمونه نادى الأوتوموبيلات automobile clup أما العربة ذاتها فقد أسموها عربية الموتور motor.
ثم وجدوا هذا الاسم على قصره طويلا ، فأسموها عربية فحسب car
وهذا يذكرنا نحن المصريين بما أصابت هذه الكلمة بيننا من نجاح أو إخفاق . وهو إخفاق محقق ، فأنت لا تكاد تراها على الورق ، وأنت لا تكاد تسمعها على الألسن . أما لسان الفلاحين ، لسان الشعب ، فقد حور منها ودور حتى تتفق مع منطلقه ، فقال الأطرمبيل ؛ وقال الطير مبيل ، وقال الطير بيل ، وقال الطنبيل . فاللسان المصرى ، كاللسان الانجليزى ، يكره التعقيد ويميل إلى البساطة . ورحم الله من رحم منطقنا من أول الأمر ، فاخترع لفظة سيارة ، فكانت على قصور معناها ، أسبق إلى ألسنتنا لسهولة معناها . وفى هذا عظة لأهل اللغة عظيمة .
واخترع المخترعون آلة تليقى بالصور علي ستار أبيض ، فأسماها مخترعها تعظيما لها وتفخيما كينما توجراف Kinematograph فوقفت هذه الكلمة فى حلوق الشعب ، فما أسرع ما اختصرها اختصارا ، ثم قلب الكاف سينا تخفيفا وتلبينا ، فقال سينما Cinema
وكذلك فعل المصرى فقال سينما . وزاد المصرى الفلاح ، وهو أصدق طبيعة ، فقال سيما . والمتعالمون المتعجرفون إذا سمعوا " السيما " ابتسموا من عل رحمة بجهل قائلها ، وما هى إلا
الطبيعة تنطق ، والحبلة الصادقة تقول
واخترعوا المزيد بديلا ، من شحوم وزيوت وأسموه مرجررين Margarine وهى لفظة إغريقية معناها اللؤلؤ . ذلك أن هذا الزيد الصناعى ، فى دور من ادوار صناعته ، يخرج قطعا صغيرة مستديرة بيضاء كاللؤلؤ. فبدأ الشعب الانجليزى باستثقال الجيم المصرية فيها ، فعطشها فصارت مرجرين . ثم هو من بعد ذلك استطالها ، فقصرها ، قصارت مرجا
وأسمى أنصار الأغريقية كتابا نرسله بالكهرباءة على الأسلاك تلغرافا ، بل تلجراما فاستثقلها الشعب البريطانى ، فإذا به يستعيض عنها كلمة سلك Wire، فيقول أرسل له سلكا ، أي كتابا على السلك بالكهرباء
والتلقون Telephone أيضا قد استثقله اللسان الانجليزى العام فاختزله فصار فونا PHONE واشتقوا منه فعلا Phone لو أنك ترجمته إلى العربية لكان فان يفون فونا . فتقول فاننى وفنته وسأفونك وتفوننى . وهي كلمة سهلة حتى على اللسان العربى . وقد كنت اقترحتها قديما على أحد أولئك المؤمنين فامتدت شفتاء ، وعلا وانحط ذقنه إيذانا بالرفض .. فذكرت له أن أصحاب هذه الكلمة من الانجليز هكذا يسمون هذه الآلة ، وهكذا يشتقون ، فأخذت شفتاء تتقاصران ، وذقنه يثبت فى المستوى الذى أراده الله ، وكاد الرفض أن يكون قبولا ، لولا
خشية أن يكون المنقلب سريعا . فعلمنى هذا ، أن هذا الرجل المتزمت فى طيبته ، وقد طال ما استعبده القديم الفاخر ، لا زال فيه بقية إستعبدها الحديث الباهر
والسيارة بعد شيوعها صارت إلى الإيجار ، يستأجرها فى الشارع من يشاء فأسماها الانجليز ، أول ما أسموا ، Taximeter motor - cab أعنى عربية موتورية تكيمترية . والتكسيمتر معناها مقياس الأجر أو مقياس الجعل . فما أسرع ما اختصرها اللسان الانجليزى ، لسان العامة الذى يجرى طبعا ، فصارت Taxicab، أى عربية الأجر ، فذهب عنها أخص ما فيها ، وهو المقياس . ثم زادها لسان العامة اختصارا فصارت تكسى Taxi ، أي الجمل ، فذهب عنها كل خصيص أصيل فيها إلا هذا الذى تدفعه لركوبك فيها - ذهب عنها معنى العربية ! ! وهنا يقوم ويقعد التمنطقون المتفهقون من أحبابنا لو أن لهم في هذا رأيا ، أو كان لهم فى هذا سلطان : كيف نجرد الشجرة هكذا من أوراقها وأغصانها ، وحتى من جذعها وجذورها ، ثم لا يبقى فيها إلا قطعة من لحائها تطلق على مفهوم الشجرة كلها وكيف يكتفى " بالتكسى " للدلالة على مفهوم هذه العربة بما فيها من عجلات ومقاعد ومحرك ، ثم من أجر نقيسه آلة ؟ ! والجواب : أنه هكذا شاء منطق
الألسنة ، منطق مجامع اللغات ، مجامع الشعوب
وجسرى اللسان المصرى مجرى اللسان الانجليزى ، فأسمى هذه العربية " تكسى " ، ينادى بها أعضاء المجمع اللغوى وهم خارج حيطانه . فما ضرهم لو أنهم أخذوا هذه الكلمة الشاردة فى شوارع القاهرة أخذ الشريد الطريد ، فأستضافوها يوما أو يومين فى حجرة من حجرات المجمع الدافئة ، فكسوها وجلوها ، حتى تخرج إلى الشارع من جديد في طراز من الأطرزة التى ترضاها اللغة ، وتلوكها فى يسر ألسن الأحياء كأن تكون تكسية مثلا
إن الأمثلة فى الانجليزية كثيرة عديدة ، وهى كلها تؤكد سلطان الشعوب الحية على لغاتها الحية ، تباشره فى غير خصومة أو جلبة ، كما تباشر سلطانها السياسى فى مجالسها النيابية فى غير خصام أو مشاكسة . بل قل معى إن هذا التحرر اللغوى ، كان نتيجة لهذا التحرر السياسى
ففى القرن الثامن عشر كانت الدولة الانجليزية دولة ارستقراطية وكذلك كانت لغتها . وكان الشعب الانجليزى تغلب فيه الأمية فكان الكاتب إذا كتب ، كتب للنفر القليل من الرجال وكان التعليم أكثر مدده من الإغريقية واللاتينية . فكان إذا كتب الكاتب أو خطب الخاطب ،
فختم عليه أن يقتبس من هذه ومن تلك اقتباسة تزين خطابه أو كتابه ، وترفع من قدره إلي أقدار العلماء والفقهاء
حتى علماء الطبيعيات والمخترعون كان عليهم ان يصطنعوا ما يصطنعون من كلمات ، من الإغريقية أو اللاتينية حتي لا يدمغهم بالجهل دامغ ، ولا يرميهم أحد بأنهم لم يحظوا من التعليم الأرستقراطى ، تعليم المدارس الراقية والجامعة ، بالحظ الوافر
وتغير كل هذا يتغير الأوضاع السياسية ، وبانتشار الديمقراطية ، ويتقلص اللاتينية والإغريقية ومالت اللغة الانجليزية من بعد ذلك إلى القصير من الألفاظ ، والبسيط من التعابير . ومن أجل هذا صارت أشيع اللغات .
والفرق شاسع بين التبسط والتبذل ، وبين التقصير والبتر ، وبين التعليم
الذي ينعش ويعطى الحياة ، والقطع الذى يقطع أحبل الحياة وهو هكذا فى اللغة أيضا . فعلى جنوح الزمن إلى البساطة فى لغتهم ، قام المزاج الانجليزى القرن فى السياسة وفى الوطنية . فلم يزن الأمور فى أمر اللغة حتى لا يميل وعاؤها فيندلق ما فيه .
ونحن هنا فى الشرق نحب أن نكسب للغة العربية من البساطة ما كسبه الانجليز للغتهم الانجليزية . فمع نمسكنا بالكلمات العربية الحلوة ، والأساليب العربية الجميلة ، تحب أن نترك منها كل لفظ إفريقى فى ثقله ، لا تبنى فى مجمعته ، لا يتفق مع ألسنة عرب القرن العشرين . وإذا نحن أولدنا الكلمات فى علم ، أو فى أدب ، أو فى اقتصاد ، أو في قانون ، وجب علينا إبلادها سائغة فى حقوق قوم أحياء ، فتتجافى من كلمات لا تجوز الحلوق إلا بكوب من ماء

