الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 348الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء، تضحك والأحزان ملء جلدها

Share

في ضاحية من ضواحي لندن قام عشرون بيتا معا ، كلها من الآجر الأحمر ، تؤلف شارعا منفردا أسموه " البستان " تظرفا وتمنيا . وتشاكلت هذه البيوت وتشابهت حتى ما تعرف ان تميز شيئا منها إلا باختلاف اسماء رقموها على أبوابها تؤكد للقارئ معاني الريف ، وبعض معاني الترفع أيضا . فقد أسموا بعضها " زهرة السوسن " واسموا بعضها " ظلال الصفصاف " ، وبعضها الاخر " مربط الجياد " . ولم يكن بها سوسن يزهر او صفصاف يظل ، ولا حتى جياد تربط ، ولكنها الأخيلة الطامحة رات ان تربط هذه البيوت المتواضعة بكل معني حبيب وأمل غير قريب .

وسكن هذه البيوت قوم عاديون من سواد الناس ، فيهم سكون وفيهم احترام ، يعيشون عيشة راتبة كرتابة الليل والنهار ، خالية من كل لون إلا  لون السواد والبياض . وكانوا قوما تجري فيهم احداث الزمان هادئة ، فلا الدم

فيهم بمهدر ، ولا متاع بمسروق . حتى الحب يجري بينهم في طريقه المشروع المألوف . إلا حادثة واحدة عكرت من صفو هذا الحي - البستان . ذلك بأن رجلا من رجاله عاد ذات ليلة ثملا ، فزأط وصرخ وايقظ النيام . فكان حادثا فريدا في حياة " البستان " . واصبح الرجال والنساء يمرون على هذا البيت ، مصدر هذا الحادث ، فينظرون إليه شزرا في عجب واستنكار

وفي أوسط هذا الصف من البيوت قام بيت هو بيت القصيد في قصتنا .

وفي هذا البيت عاش رجل وامرأة - عاش زوج وزوجة ، ولم يكن لهما خلف .

أما الزوج فكان رجلا فات الأربعين ، يعمل عملا مما يعمله ألوف الخلق في مدينة الأعمال والأشغال ، مدينة لندن . وأما الزوجة فكانت في نحو الأربعين ، ليس فيها جمال ظاهر أو شيء بارز يلفت الانظار . وكان الزوجان سعيدين في حياتهما ، سعيدين بالرضا بما هم فيه ، وبأنه ليس لهما آمال تقض المضاجع .

ولكن الزمن لا يسكت دائما حتى عمن عنه يسكتون ،

ولا يترك حتى اولئك الذين بالقناعة تركوه  وارتضوه وارتضوا قسمتهم فيه

ففي صبحية يوم اسود كشفت المرأة عن حقيقة مرة : ان بثديها طلوعا غريبا ، ذهبت به، إلى الطبيب فأخبرها انه ورم خبيث . انه باختصار سرطان وقام الجراح عليه توا فاستأصله .

ولكن الجراح لم يستطع باستئصال هذا الورم الخبيث من جسمها ان يستأصل شبحه من خيالها ، فتر كها قلقة مرتاعة ، لا تدري متي تعود هذه الغمامة السوداء فتظلها بظلال هي بعض ظلال الموت . وكان زوجها أشد قلقا وأشد ارتياعا ، لأنه كان ذا حس ارهف . وزاد حسهما بالمصيبة التي نزلت ، وبأعقابها التى لا تفتأ تتهددهما ، انهما عاشا منطويين على نفسيهما ، ففي صلتهما الواحدة تركزت لذة الحياة ، وبين حيطان بيتهما الصغير اجتمعت مفارح العيش ، فلم يكن لهما خارج هذه الحيطان صلات وثيقة ولم يكن لهما أصحاب وثاق

وألح الهم على الزوج فأخذ يفزع مما تنذره به الأيام . ولم ينجه من الهم الملح إلا مكتبه في المدينة الكبيرة ، فقد كان العمل ينسيه . كذلك كان ينسيه لقاء زوجته ، فقد كانت في صحة جسم وامتلاء  وجه لا يأتلف مع تلك النذر المفزعة وكانت شر ساعاته تلك التي كان يقضيها في القطار صباحا وهو ذاهب إلى عمله ، ومساء وهو راجع إلي بيته ، ثم تلك التي كان يقضيها في فراشه ساهرا وظلام الليل ضارب .

ومضي الزمن وطال ، فأخذت حواشي تلك السحابة السوداء ترق ، وأخذت تمحي . وظن الكل أن العلة استؤصلت لغير رجعة وعاد إلى القلوب هدوءها القديم او كاد .

ولكن لم تلبث المرأة المنكوبة أن بدأت تحس في ثديها شيئا جديدا يتحرك ، شيئا جديدا ينمو حيث

لا يطلب النمو ، وتراءت يوما فيوما عقد مخيفة بشعة ظلت علي الأيام تزداد بشاعة . نعم نعم ، إنه ذاك الشئ المروع قد عاد . ولم تجسر على إخبار زوجها بهذا الضيف الثقيل وقد حل من جديد ، وكيف تجسر على إخباره وقد عاد إليه بشره وعاد إليه سرور الحياة . واسرت بلواها إشفاقا عليه . واخذ السرطان يا كل في جذور حياتها ، وفي اصول وجودها ، وهي لا تلقي زوجها حتي تبتسم وتحت جلدها احزان الدنيا .

واحتفظت بسرها طويلا حتي أثقل عليها الداء ، فأخذ وجهها يصفر ، وجسمها ينحل ، وقوتها تقل ، وهي تغالب كل هذا . وأخذت تضحك وتمزح كعهدها القديم ، ولكن زوجها لم يلبث أن أدرك أن شيئا ما قد اختل . وخطر بباله أن البلوي قد عادت ، فأشار على زوجته أن تري الطبيب فضحكت الزوجة من تلك المشورة . قالت : وما حاجة امرأة صحيحة سليمة مثلى ان تري الطبيب . وزادت مخاوف الزوج فأصر على أن تري طبيبا

وذهبت إلي الجراح . فلم يكد يرى  ثديها حتى عرف الذي به. فهل يقول لها ؟ ! إنه الموت المحتوم ، فما فائدة القول ؟ إنما يسود أيامها الباقية ، وأيام زوجها معها . وأخيرا نظر إليها وقال لها : يا سيدتي ، ليس بك من شئ ، فاذهبي واهدائي وانعمى بالحياة .

وذهبت عنه ، وذهب الزوج ، وعاد إليهما اطمئنانهما وأسفت الزوجة في قليل من الشك على أنها كانت سببا في إثارة كل تلك المخاوف الكاذبة .

وتمضي الأيام فتأخذ صحة المرأة المنكودة في الهبوط ورأي زوجها منها ذلك فعجب لهذه الحال . إن الطبيب يقول ليس بها شئ . وهي تقول ليس بها شيء ، واعتزما أخيرا أن يريا جراحا آخر ، فلعل له رأيا آخر .

وتقضي المجاملة الطبية الا يذهبا إلي هذا الآخر إلا عن

طريق جراحهما الأول . ففعلا ، وما رأي الجراح الجديد العظيم ثدي المرأة حتي عرف الذي به وفض كتاب الجراح الأول فعرف رأيه وعرف ما كان . ووقف ساعة واجما لا يدري ماذا يفعل . أيقول أم لا يقول ؟ فلما رأت المرأة وجومه رجته في حرارة أن يقول لها الحق كائنا ما كان ، قالت : إني لا اخاف الموت ، فان كان لا بد من الموت فعلمي بذلك انفع من جهلى ، لأن لي عندئذ أمورا لا بد من ترتيبها وإنهائها . عندئذ جمع الجراح قوته وأخبرها . قال لها : إنه السرطان . قالت : اليس له من علاج ؟ قال : لا . قالت : امتد بي الأجل ستة اشهر ؟ قال : لا . فشكرته وانصرفت .

ولم يكن زوجها معها . فقد كان آثر وآثرت معه ، ان لا يذهب معها . وكان اليوم السبت ، وصادف أنه عيد ميلاده فلم يذهب إلى عمله بدعوي انه عيد ميلاده . والواقع انه لم يذهب لشدة قلقه . وودع زوجته عند القطار وهي ذاهبة إلي المدن لتري الجراح . وقضي وقته بعد ذلك يمشي في شوارع تلك الضاحية وطرقاتها لغير غاية . وعرف موعد القطار الذي  به تعود ، ولكنه ورد ان لا يلقاها عند القطار ، فقد يكون الخير سيئا فلا يتمالك نفسه . وعدا هذا فذاك قطار المساء وكله معارف قادمون .

واعتزم على أن يلقاها عند رأس الشارع - عند رأس " البستان " فذاك مكان هاديء لا تراه  العيون واخذ يشير " البستان ، ذهابا وجيئة ، ويعد القضبان على بعض السياج ، وهو يمنى نفسه إن كان عددها زوجيا ان لاخطر على زوجه ، وإن كان فرديا فالخطر عليها كل الخطر . ويطلع العدد زوجيا فيطمئن . ثم يخرج قطعة فضية من جيبه ، ويطلقها في الفضاء ، ثم يلقطها ، وهو يقول : إن طلع رأس الملك ففي ذلك الخير . وإن طلع الآخر فهو الشر كل الشر فيطلع له الوجه الآخر فينزعج .

وفي إحدى جولاته في هذا الشارع ضل الطريق عند

الطرف الأبعد . ثم حسب أن الوقت أزف ، وانه لن يبلغ الطرف الآخر حتى تكون زوجته قد فاتت ويجري لبلوغ ذلك الطرف ، فيبلغه ، ثم ينظر الساعة ، فإذا القطار لا يأتي قبل ربع ساعة .

وتمضي الدقائق كأنها الأيام وأخيرا تظهر له زوجته من بعيد فيلمح على وجهها ابتسامة ، وتقترب منه فتقول له : الحال طيب ، ورأي هذا الجراح كرأي سابقه فيضمها في الشارع وينسي أين هو فيرقص

وتدخل الزوجة إلي بيتها فتقترح على زوجها ان تدعو الجيران والاحباب القلال إلي بعض الطعام وبعض الشراب احتفالا بعيد ميلاده ، فيقول لها بل احتفالا بهناءتنا ويحضر الجيران ، فيكون طعام ويكون شراب ويكون ضحك وتكون نكات ويضحك الزوج ويزأط ملء . قلبه ، ويقوم فيشرب النخب لصحة زوجته ، وتشرب الزوجة والأصحاب نخب زوجها

ويصبح الصباح فتخبره الخبر اللعين

لقد عز عليها ان تحزنه في اخر عيد الميلاد يجمعهما .

اشترك في نشرتنا البريدية