الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 327الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء، صفة دكتاتور

Share

لا أدري لماذا تشوق السياسة دائما ، وهي إن كانت تشوق بأحداثها العامة ، مما يجري في حجرات الدواوين وقيعان البرلمانات ، فهي اشوق بأحداثها الخاصة ، مما يجري بين الفرد والفرد في صالون البيت ، وقاعات الطعام ، عندما تتعري القلوب ، وتنكشف االعواطف والنزعات ، وتتصارح النفوس وتتصارع ، كتصارحها وتصارعها عند أحقر الخلق في أتفه أمور الحياة

ولكل سياسي يوم هو يومه ، بل عام وأعوام هو عامه وأعوامه . وعجلة الزمان الهائلة التي ترتفع بالناس ، وترتفع ارتفاعا هائلا ، لابد مكملة دورتها ، وعندها تنخفض بهم إلى الأرض حيث سائر الخلق وعندئذ تنطلق فيهم ألسنة كان يعقدها الخوف ، او القانون ، أو حتى اللياقة ، أو حتى الصالح العام ؛ كان يعقدها فلا تبوح بما تعلم ، فإذا هي انطلقت ، كشفت عن صور غير تلك الصور ، وعن عقائد غير تلك العقائد ؟ وعن بعض صار اليوم حبا ، أو عن حب صار اليوم بغضا ، وعن إعجاب قد ينقلب إلي تحقير ، أو تحقير قد انقلب إلي اعجاب . أو حتى عن تصور للأحداث والناس كان خاطئا فتعدل دون أن تصيب اقدار الناس فيه رفعة او انحطاط

وأكثر ما يحدث هذا ، وامتع ما يحدث هذا ، وأكبر ما يكون هذا مقارقة بين الماضي الباسم والحاضر العابس ، أو بين الأمس الصارخ المستعر واليوم الخافت الخامد ، يكون في الدكتاتوريات عندما تسقط ، ولدي الدكتاتوريين عندما تغرب شمسهم أو يسقط تجمهم .

ومن أكبر من موسوليني دكتاتورا ؟ ومن أكثر ومن أكثر

منه على مجلة الزمان علوا ، ومن افدح منه على مجلة الزمان خفضا ؟ !

لقد سقط الدكتاتور العظيم ، وعند السقوط تنكشف العورات ،

وقد انكشفت عورة موسوليني . كشفها الكونت جراندي وزيره في الحكم وزميله في الحرب وخصيمه أيضا ، كشفها فإذا بها عورة كعورات الناس ، وإذا هذا الرجل الضخم ينفقع ويذهب انتفاخه ، ويعود إلي حجوم الرجال ، وإلي طبائعهم ، ونوازعهم ، من طيب وخسيس ، وما لا لون له من الأقوال والأعمال .

سئل جراندي عن موسوليني بعد ان التقي به لأول مرة عام ١٩٢١ ، ولم يكن اغتصب الحكم في ايطاليا : ماذا ترى فيه ؟ فقال : إنه عبقري ، وإنه ساحر ، وإنه لمجنون ، فإذا نحن استغللنا عبقريته ، وصمدنا لسحره ، وكتفنا جنونه فقد يتهيأ لنا فيه زعيم من خير الزعماء

كان في موسوليني غرور الزعماء ، يعتد برأيه دون سائر الآراء . كان يقول : انا دائما موفق ما استمعت لغرائز الحيوان الذي في ، وانا على الأكثر مخفق ما استمعت لآراء الرجال

كان موسوليني لا يحتمل المعارضة من أحد ، ولا يركن بالثقة إلي أحد ، إلا أولئك الذين داهنوه ، ومالقوه ، وضحوا بشخصيتهم على مذبح شخصيته

وكان يري الرأي فيثبت عليه ، ولا يتحول عنه ولو كان خاطئا ، إلا أن يكون التحول بحيث لايراه احد ، ولا يحس به إنسان

وكان لا يعترف بخطأ أبدا ، وكان يسبق الأمور فيتنبأ بها ، ويرحم بالغيب في خطبه الكثيرة . أما الذي يصدق من نبوءاته ، فيعيده ثم يعيده . أما الذي يكذب منها فله منه صمت القبور .

وكانت قاعدة أن يطلع على الناس كل يوم بالذي يذهلهم ويغشي ابصارهم . كان كمن يود ان يفور بنجاح في انتخاب كل يوم ؛ وكان غيورا ، حقودا ، متقلب الأهواء

وكان أكثر عبقريته في لمة الجماهير حوله ، ثم اقتيادهم من بعد ذلك . وكان يقودهم بفرقعة اللسان لا بالمنطق . فهو لم يكن ممن يحسنون النقاش ، ودفع الحجة بالحجة . لهذا كان يستعين على المجالس واللجان التي يحضرها بمقعده ينحيه عن ساير المقاعد ، او يرفعه عنها .

وإذا افتتح المجلس أعماله ، تكلم الزعيم ، فإذا المجلس قاعة من قاعات الخطابات لاحجرة من حجر المداولات . وإذا في الحجرة من الألسنة الناطقة لسان ، وسائر الحاضرين آذان

وبدأ موسوليني حياته السياسية بشخصية قوية ، عادت بالخير الكثير على إبطاليا فربطت اجزاءها ، وجمعت المنشقين من رجالها . ولكنها عادت بالوبال على إيطاليا لما اصبيت تلك الشخصية القوية بداء العظمة . والعظمة داء أعيا الأطباء دواؤه .

ولم تكن الفاشية في أول أمرها نظاما اجتماعيا كالذي صارت إليه من بعد ذلك . لقد كانت حركة يراد بها اتحاد الأمة ، يجتمع عليها ذو اليمين وذو البسار ، وكان لكل فيها متنفس ولكن موسوليني لم يلبث أن تصورها ، وتصور إيطاليا ، هرما يقعد هو عند رأسه . والملك اراد من أول الأمر خلعه ، والملكية أراد لها الزوال

واجتمع المؤتمر الفاشي في نابلي في اكتوبر عام ١٩٢١ . وأراد موسوليني أن يزحف برجاله على روما . فقيل له : وما نفع هذا والناس كلهم معنا ، وفي الانتخابات نصر أي نصر ؟ فأبي إلا الزحف ، لأنه لم يكن مقصده الحكم وركبه ، ولكن كان مقصده الدستور يمزقه . واراد لنفسه مجدا ، ولاسمه ذيوعا وتألقا

وجاء الخامس والعشرون من اكتوبر عام ١٩٢٢ ،

فحزم الفاشيون أمرهم للوثبة الأخيرة . وعينوا الكونت جراندي أحد الأربعة الذين يتولون القيادة . ولكن جراندي فضل ان يذهب إلى روما ليلقى الملك ، ويقترح عليه إقامة حكومة جديدة على رأسها سياسي حر قديم ، يكون من اغراضها إجراء انتخابات تؤدي بالفاشية إلى الحكم . فقبل الملك الرأي . ولكن موسوليني ابى لأن الزحف إلي روما لم يكن منه بد . ولأن الانتخاب ليس فيه إبراق وإرعاد تتحقق في ثناياه مشيئة الله .

ولما دخل روما ، ولقي الملك ، رجاه أن يبقى على الدستور فيذهب إلي مجلس النواب القائم يطلب منه الحكم . وكان بالمجلس 600 عضو ، ليس بينهم من الفاشبين إلا ثمانية عشر ، ومع هذا فاز موسوليني برضاء المجلس ، وتولي الحكم دستوريا ، على الأقل مظهرا

ولم يأت عام ١٩٢٥ حتى بدأ موسوليني حكمه الدكتاتوري . فانتزع من وزرائه وزارة من بعد وزارة ، حتى اخضعها لحكمه جميعا واخذ في اصلاح ملأ به عيون الناس حتى بهرها فمن ذلك كانت حملة القمح التي حفز بها الأمة إلى بذل اكبر مجهود لإخراج اكبر محصول لاكبر ثمرة عرفها الإنسان قواما لحياته على ظهر هذه الأرض . ومن ذلك تجنيد الامة للعمل الجثماني بحسبانه ضرورة الحياة التي لم تفسد ، وصفة الرجولة التي لم تتخنث . وتقدمهم يحمل الفأس أول حامل ، ويضرب الأرض والصخر أول ضارب . ومن ذلك التركيز على تصريف ماء المستنقعات ومنه ضبط الادارة حتى جرت القطارات لأول مرة في مواعيدها ، ووصلت في مواعيدها . وقارنت الامم بين حاضر إيطاليا وماضيها ، فأعجبت أيما إعجاب كان هو الجزاء كل الجزاء للدكتاتور عما أتى من أعمال . أليس هو يطلب المجد ؟ رأي مجد كتصفيق الأمم ؟

وانقلب موسوليني من زعيم شعي إلي زعيم عالمي ، أو هكذا سولات له نفسه .

وكره عصبة الأمم كراهة لا حد لها . لأن العصبة . وهو غير الخطيب وغير المناقش ، لم تكن مجاله . ولأن العصبة ، مهما قيل فيها ، كانت اداة ديمقراطية ، وما للديمقراطيات تعمل الدكتاتوريات التي مزقت وسائل الديمقراطية في بلادها . وطلبوا إليه أن يذهب إلي جنيف فأبى

ومع هذا فقد كان له مندوب في العصبة : الكونت جراندي . وحدث أن بعث رئيس الولايات المتحدة ، المستر هوفر ، إلى العصبة بنظام يقترحه للأمن والسلام بين الأمم . وعلم جراندي بالاقتراح قبل ان يعلم موسوليني ، وعلم انه لو طلب إلى رئيسه موافقته على هذا الاقتراح لقال لا . وعندئذ قرر جراندي على مسئوليته أن يقول نعم . وقال نعم قبل ان تقولها انجلترا ، وقبل أن تقولها فرنسا . وحمل البرق إلى جنبات العالم الخبر الطيب عن ايطاليا . ووصفها العالم عند ذاك انها سباقة الأمم إلى السلام . فماذا صنع موسوليني ؟ رأي في الظرف ربحا ومجدا فأرسل إلى جراندي يأمره ان يعلن للعالم أن الرأي رأيه ، وأنه هكذا تكون حكمة الحكماء

قال جراندي : كان موسوليني كالحصان البري . لابد من ملاطفته ومحاسنته قبل ركوبه .

وتعين جراندي من بعد ذلك وزيرا للخارجية . وهذا المنصب هو الصفة ما بين موسوليني والعالم فهو منصب شائك ولكن جراندي عرف أن الملق خير آخذ بيد صاحب هذا المنصب إلى غابته من بين الأشواك . وعرف ذلك ايضا وزراء الأمم المفوضون . فكان كلما أراد أحدهم لقاء موسوليني لإنهاء أمر ، دعا مراسلا من مراسلي الصحف فدفع ضريبة النجاح ثناء وإطراء لدكتاتور الدولة .

وكان بموسوليني إيمان بالكلمة المطبوعة كإيمان الفلاحين ، وعرف ذلك منه جراندي ، فكان كلما أراد أمرا ، بعث إلى صحفي وأوحى إليه بهذا الأمر . فيكتبه الصحفى النابه كأنه منه . ولا ينسى ضريبة الملق الذي

يريد سماعه . وتظهر الصحيفة في اليوم التالي على مكتب موسوليني ، فيخرج القلم الأزرق ، ويحيط الفكرة المكتوبة بدائرة ، ويكتب على هامشها : " جراندي . أنصح لك بالأخذ بهذا " . وتستكمل الفكرة بهذا دورتها وتعود إلى منشئها .

وكان من أعدي أعداء ، جراندي مداحه . فقد كان يكفي ان تكتب صحيفة تنوه بحنكته وبراعته ، حتى تبدأ بينه وبين موسوليني فترة من الفتور يرفض له فيها كل ما يعرض عليه من أمور

وجاءت النازية . فإذا موسوليني ، الذي كان يقول إن الفاشية صناعة إيطالية ليست للتصدير ، إذا به ينادي بأعلى صوته : " إن الفاشية عقيدة عالية ، خرجت بالأمس عن إيطاليا إلى المانيا ، وستخرج في الغد حتى تعم جهات الدنيا الأربع "

ورأي موسوليني هتلر يؤدي التحية على الأسلوب الفاشي ، فجن جنونه .

وكان هتلر أخبث الرجلين . وأراد إيطاليا إلي جانبه فظل يدغدغ موسوليني آنا بعد آن . وأوقع هتلر في نفس موسوليني أنه نبي الفاشية الأوحد ، حتى قال موسوليني يوما : إن هذا الدين الجديد سيغزو أوربا كلها ، ولن ينفي القوم أني رب هذا الدين .

وذهبت به آماله بعيدا ، حتى حسب أنه سيضم إليه النمسا دولة فاشية . حتى خال يوما ان المانيا لابد داخلة تحت جناحه وكره هتلر ، وعجب للأمة الالمانية العظيمة كيف تتبع أحمق مثله .

ثم يدور الزمن فإذا الأمة الايطالية العظيمة يحتويها هتلر ، هي وملكها المتخاذل ، ودكتاتورها الجبار تحت جناحه . ثم يدور الزمن مرة اخرى فإذا الدكتاتور الجبار طريد بلاده ، يأكل على مائدة هتلر طعام الحياة ويشرب عليها خيبة الأمل وذلة العيش مريرة كالحنظل والزمن لم يتم بعد دورته

اشترك في نشرتنا البريدية