سأتحدث في هذا المقال في موضوع غير ذي خطر كبير . سأتحدث في لعب الأطفال
وتزيد قلة خطر هذا العنوان عند الرجال لأنه يشقيه عندهم قليل الخطر . اما اللعب فمن المعِب ، وهم يطلبون الحياة أكثر ما يطلبونها جداً . وأما الأطفال فليست من همهم ، وإنما هي من هم الأمهات .
لهذا أنا إلي الأمهات أسوق الحديث . إن أكبر هم طفلك ياسيدتي عندما يستطيع أن يتبين الأشياء ، أن ينالها بيده ، وان ينالها بحسه وبفمه . وهو ينالها بفمه لا ليأكلها ، ولكن ليتحسسها ، فقمه عند ذاك يكون من أحس مواضع جسمه . ثم هو يشب قيود من الأشياء ما كان أقرب في شكله للأحياء فيطلب الصور ، من عروس ، أو دب ، أو حصان ، حشية كانت أو خشبا . ثم هو لا يلبث أن يسأم صمتها ، فهي لا تتكلم ، ويسأم سكونها ، فهي لا تتحرك ، ويسأم برودة جسمها ، فهو لا يشع بالحياة .
وما يكاد يقع بصره على أصول هذه الصورة ، على الصورة وهي حيه حتى يمد أليها يده وهو ثائر يريد حيازتها . وهو عندئذ لا يكون في الدور ولا في النضوج الذي يؤهله لصحبة حيوان . إنه عندئذ يتخذ من الحيوان الحي لعبة على نحو ما اتخذ من صور القطن والخشب . وهو كان يضرب هذه الصور وهي من جماد ، ويفرسها ويلوي أعناقها فلا تصرخ ولا تتململ ، لأنها لا تتألم . ولكنه يحاول أن يفعل ذلك في الصور ، وهي من لحم
وعظم ، فيباغته ما لم يكن في الحسبان ، عضة ناب ، أو هبشة مخلب ، يرد عليها بالصراخ والبكاء .
ولكن الطفل ينمو ويبقى في قلبه حب الحي . يبقى في قلبه حب الكلب ، وحب القطة ، وحب الشاة ، وحب القرد ، وحب العصفور ، وهو يرد أن يتخذ اصدقاء لنفسه مما يجد من ذلك ، والأم تأبي عليه ذلك لانها تكون قد نسبت طفولتها ، أو هي تدرك ، حتى لو ذكرت الطفولة ، ان صحبة الحيوانات برهة في الطريق مستساقة ، أما أن يأتي بها الصبي إلي المنزل ، فشئ غير مقبول ولا معقول . وهو عدا هذا يزيد في الأسرة واحدا ، ويزيد في واجبائها واجبا .
وقد يكون هذا . ولكن إلي جانبه يجب أن تعتبر الأم ما يكون من صحبة الحيوان على الصبي من أثر . إن الصبي لا يطلب هذه الصحبة بهذه القوة عبثا . ولو أخطأ صبي في هذا النزوع فما كل الصبية تخطئ ، وهي كلها إلي هذا تنزع . إن الحيوان الصديق قد يلعب في حياة الصبى دورا لا يمكن استصغاره أبدا .
حكت أم من ولدها قالت : جئنا بهدا الولد الواحد ، وقد كاد الشباب أن يذهب عني وعن أبيه ، ونشأ فكان حبيبا خوافا ، وكان كسولا لا يعتني حتى بلم لعبه بعد أن ينتهي منها ، ولا يجمع ملابسه بعد أن يخلص منها . وكان قليل الصحبة ، لأنه لم يكن يدري كيف يكتسب الأصحاب . وأعطيته كل ما طلب . وجاءه أبوه بكل سمين من الكتب ، وكل مرغوب من الحلوي . وكان أحب إلي نفسه من كل هذا كلب يقتنيه ، وأبيت عليه الكلب مرارا وتكرارا
وذات يوم عاد من المدرسة ومعه كلب قذر مخيف ، فطردته وطاردته حتى اختفى . وبكى الولد بكاء مرا . وكان
ابن ثمانية . وفي اليوم الثاني عاد ومعه الكلب مرة اخرى اجوع ما يكون ، واشقى ما يكون ودخل ابني البيت على على غير علم مني ، وجمع كل لعبه ، وجمع عجلته وعربته وكراته ومضاربها ، وجمع كل هدية من الكتب ثمينة . جمعها كلها وكومها ، وناداني وقال : " خذي كل هذا فرقيه بين أولاد الناحية ، وأعطيني هذا الكلب بدلا من كل هذا " .
عندئذ لم استطع إلا أن اقول له : " ابق على الكلب إذا شئت ، ولكن عليك أنت إطعامه وخدمته " . فزأط كأشد ما رأيته يزأط قط .
وراح فأطعم الكلب . وصنع في البدروم له صندوقا ينام فيه . ودعا الخادمة فأعانته على غسله وإحمامه . وسماه باسم إنسان . ولم يمض غير أيام حتى أخذ جسم الكلب على الطعام يمتلىء وتظهر عليه آثار النعمة ، ولمع شعره وارتفعت رأسه ، وذهب إلى المدرسه مع ولدي . فإذا بالأطفال الذين لم يكونوا يعيرونه التفاتا يجيئون إليه ويسألونه عن الكلب ويداعبونه . وبدات صحبة بين الأولاد وبينه.
وتغيرت نفسية الولد عما كانت . ذهب عنه الإلحاح في طلب كل جديد وهو لم يقدم جديده ، وأطاع فصارت الطاعة جديه . ورأيت ماطرأ عليه من تغير فقلت لنفسي لقد آن لي أنا أن أتغير أيضا . وأذنت للكلب أن يدخل البيت وأن يلعب فيه . وزاد ولدي سرورا و زاد به تعلقا وطلب إلي أبيه أن يعطيه عملا في الحديقة يؤجر عليه ، ليشتري بأجره طوقاً للكلب جديدا .
وأغراني ولدي ، وأغرى أباه ، بالخروج به والسكلب كل أحد للنزهة ، ومعه صاحبان له . وخرجنا واستمتعنا بصحبة ولدنا وبهداءته . لقد كنا نحسب أن صحبتنا لاتمنيه ولكن شد ما أخطأنا .
وولدي الآن في السادسة عشرة من عمره والكلب صار اليوم شيئا عتيقا ؛ شيخا هو هامة اليوم أو غد ، ولكنه يقيم بيننا على الهرم معززا مكرما مذكورا بالخير الكثير.
وأم أخرى حكت عن أبنتها قالت : كانت ابنتي في الثانية عشرة من عمرها ، وطلبت مني قطيطة ، فأبيت . وأعادت الطلب كلما جاء عيد ميلاد لها ، فأبيت . وفي يوم عيد طلبت مني هدية ، مالا . وكانت قرأت عن قطيطة فارسية من ذوات الشعر الكثيف تعرض للبيع ، فلم يمس المساء حتى رأيتها تدخل البيت ومعها القطيطة . وعندئذ لم يقو قلبي علي ردها .
وما أسرع ما وجدت التغيير يأتي ابنتي . فعملها في المدرسة تحسن ، وأتت من المدرسة إلى البيت بدون تسكع ، وأعانت في شغل البيت فأحسنت إعانة . وفي ختام العام أخذت جائزة الرسم بالمدرسة ، فكانت عن صورة رسمتها لقطتها .
وأقبل علي البيت إلي ابنتي صواحب تود أن تري القطيطة لجميلة ، فكسبت بذلك صديقات من بعد صديقات كن لها من بعد ذلك في الحياة ذخرا .
إن الأمثال التي تضرب في هذا كثيرة . والحاصل أن بين الإنسان والحيوان تجاوب أبدا ، وبين الإنسان وكثير من انيس الحيوان تعاطف . الحيوانات الانيسة ضيوف الله على الإنسانية ، عليها طعامها ، وعليها مأواها . وفي مصاحبة الحيوان ، وهو أعجم أبكم ، قليل الحيلة - إلا أن تشحذها القسوة ، ويشحذها البخل - في مصاحبته الطفل مران للطفل على الشفقة وعلى الرقة وعلى النجدة ، وهي خصال تحضره للمجتمع الإنساني من بعد ذلك احسن تحضير

