الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 388الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, الجبل الأعظم

Share

وقامت جماعة أخري منهم تطلب ما استعصي من صعوده .

وصعدوا . ولكن فجأة ، وبغير إنذار ، سمعوا دويا هائلا . لقد انهار جانب من الجبل من تحت أرجل الرجال . ونجا النفر المتقدم ، أما النفر المتأخر ، وعددهم تسعة ، وفيهم الحمالون ، فقد هبطوا مع حطام الجبل ثلاثين مترا ، وهرع الأحياء يبحثون عمن وقعوا تحت الركام . وظلوا يجاهدون رخاوة الأرض خشية أن تزل بهم ، ويجاهدون هواء الجبل الرقيق وهو لا يكاد على العمل يملأ صدورهم ، وأخذوا يضربون الصخر والثلوج يرفعونها عن رفاقهم وبعد الجهد الطويل والتعب المضني ، ضربت فأس شيئا ظنه ضاربه قدما . وقد كان حذاء لأحد الرجال . فما لبثوا أن أخرجوه فاقد الوعي ، ولكن به أنفاس . وتابعوا الضرب والحفر حتى وقعوا على رجل آخر ذهبت منه الحياة إلا رمقا . أما السبعة الباقون فكانوا أجسادا سبعة خامدة جامدة لا حراك فيها .

فهؤلاء تركوهم يرقدون على فراش من ثلج لا يسيح أبدا ولا يسيل .

وعادت البعثة بعد ذلك ، فلم تحاول صعود الجبل محاولة أخري هذا العام ، عام ١٩٢١ ، وتوقفت المحاولات إلي عام ١٩٢٤

فلما جاء هذا العام أخذت الأشواق القديمة تتجدد ، وأخذت العزوم تتجمع ، وتألفت بعثة جديدة ، بها الجديد الغر ، وبها العتيق المجرب .

وبدأت بسوء حظ غير منظور . فقد مرض رئيس البعثة الجنرال ، أصابته الملاريا ، فكان لابد من حمله وإرجاءه وتولى القيادة من بعده " ترتون " وبدأوا بالمخيم الأول

القديم ، واتخذوه قاعدة يثبون منها إلى ما علاء من مخيمات أخري قديمة . ولكن ساء الجو ، وبرد الهواء ، وهبت العواصف . وكلما حاولت البعثة صعودا ارتدت إلي قاعدتها عاجزة فاشلة .

ويقضي العرف في الصعود أن يتقدم أقل الرجال إحسانا للتسلق ، وأن يتأخر أكثرهم إحسانا ، ادخارا لهم للوثبة الأخيرة إلي ذروة الجبل . ولكن اختلال الأحوال دفع المتقدمين إلى أن يتأخروا ، والمتأخرين إلى أن يتقدموا ، وكان من المتقدمين المدرس " مالوري " كان له في البعثة السابقة سابقة ، وكان له فيها إحسان وتبريز . وقاد " مالوري " فئته ، يغالب الطبيعة القاسية ، ولكنه ما لبث رجاله أن أصابهم العلو الشاهق بالداء في حلوقهم ، وأصابهم الثلج بالعمى في أعينهم ، وأصابهم البرد الشديد بالقرس في أيديهم وأرجلهم . وأرادوا الطعام فما استطاعوه . وتخلف من هذه الفئة أربعة من الحمالين عند المخيم رقم ٤ ، فهرع إليهم من سبقوهم ، فلما بلغوا إليها ، زل اثنان منهم وتعلقا بحرف هاوية ليس لها قرار . وبالجهد الجهيد أنقذوهم من فم الموت .

وأحس قائد البعثة ، ترتون ، أن الحمالين قد خذلت نفوسهم ، وضاعت الثقة من قلوبهم ، فلم يكن له بد من الرجوع بهم إلى اللأما ، شيخهم ، في بطن الوادي ، ليباركهم ، وليثبت قلوبهم ، ويشيع الثقة في نفوسهم وعادوا إلي الجبل من بعد ذلك أقوى قلبا وأشد عزما .

واختطوا الخطة : أن يسبق " ترتون " و " سومرفيل " إلى الصعود . وأن يصمدا بغير أكسجين . فإذا عجزا ، لحقهما " مالوري " و " إرفين " بجهاز هذا الغاز .

وفي الثاني من يونيه بلغا في الصعود المخيم رقم ٥ . فأعادوا إنشاءه ، على ارتفاع ٢٥٠٠٠ قدم وفي اليوم التالي تقدما صعدا وأقاما خيمهما من الجبل عند ارتفاع ٢٧٠٠٠٠ قدم ، وشجعهما هذا فبذلا جهدا أكبر ، ولما بلغنا ارتفاع ٢٨٠٠٠ قدم ، توقف " سومرفيل " عجزا

واستنفاد قوة . أما " ترتون " فذهب قدما . وعند الساعة الواحدة رجع . لقد خاب السعي . وفي تلك الليلة عمي " ترتون " ، وقيد مكفوف البصر وهو يهبط على تلك الحائط ، وهي من ثلج ، يهدي رجليه مواطئهما الوثيقة أيد رقيقة ، جمدها الصقيع ، لرفاق كادت تختنقهم رقة الهواء

عندئد صعد " مالوري " و" إرفين " يجربان حظهما ، وتبعهما أودبل جيولوجي البعثة . وبلغوا الخيم رقم ٥ وقادوه حتى بلغوا الخيمة التى أقامها صحابهم عند ارتفاع ٢٧٠٠٠ قدم . وفيها ناموا تلك الليلة . وفي الصباح ، ومن تلك الخيمة ، وهي تشرف على فراغ لا قاع له : رموا أبصارهم عبر هذا الفضاء إلي أسفل ، فتراءت لهم دنيا هذه الجبال ، جبال الهملايا ، شاسعة واسعة محفوفة مرعوبة . قال مالوري ، وقد وقف يشير للرجال بعينيه ، وكان له قلب الشاعر : إنه لغزو رائع لجبل عظيم جليل ، كان من حقه أن لا تستباح حرماته . فأنا مغتبط آسف . فان زادت غبطتي على أسفي ، فعذري هذه الروعة ، وذلك الجمال . وتلك الفخامة ، وهذه العزة التي لم يستنأسها من قبل إنسان .

ولم يدر هذا الشاعر السلاق أن هذه آخر قولة يقولها ، وأن هذه النظرة آخر نظرة من نظرات الجمال ينظرها .

وفي اليوم التالي بدأ الصعود هو وصاحبه إرفين ، وقام أودبل من ورائهما يطلب المخيم رقم ٦ ، وقد أشرف صغيرا على ذروة إفرست كالطائر الخائف . وصادف في أول أمره ضبابا ، إلا أنه لم يمنعه من صعود . وأخذ يحاور سبيله ويداور ، ويخائل الصعاب ويما كر ، وهو ينظر إلى الأمام ، إلي عل ، عسى أن يري ماذا جري لصاحبيه الذين سبقا . وبينما هو في منتصف طريقه إلى المخيم رقم ٦ ، انقشع الضباب بغتة ، فأخذ يجيل البصر في حوائط الثلج التي علته يطلب صاحبيه ، فرأي على كتف الجبل ، عند قاعدة ذروته الأخيرة ، على الصفحة البيضاء ، شيئين اثنين يتحركان صعدا .

ثم انعقد الضباب مرة أخرى فقام دون عينيه كما يقوم الستار ، فلم يعد يري صاحبيه . ولم يقدر له من بعد ذلك أن يراهما أبدا .

وفي اليوم التالي ، تطلع من تخلف من البعثة من المخيم رقم ٣ ، تطلعوا إلى ذروة الجبل يطلبون أخبارها فرأوا في المدى البعيد شكل إنسان يفرش على صحيفة الثلج وهي بيضاء ، مفارش للنوم ، وقد صالب بينها . فقامت علامة الصليب هذه تدل على أن نكبة وقعت ، وعلى أن روحا افتقدت .

ومن تلك الساعة لم يسمع أحد عن " مالوري " ولا عن صاحبه " إرفين " إلا بلطة وجدوها من بعد ذلك في ذلك الطريق ، عرفوا أنها بلطة " مالوري " لابد أنها سقطت منه وهو يتحس طريقه في الظلام .

لقد اقتربا من ذروة هذا الجبل العاصي أي اقتراب ، ولم يبق إلا ألف قدم ، فهل ياتري قطعا هذه الألف الباقية ؟ إنه سؤال لا جواب له ، ولن يكون له جواب أبدا .

اشترك في نشرتنا البريدية