دخل الرجلان البنك بأحذية طويلة ثقيلة متربة ، وبملابس للعمل علاها آثار الحفر فى الصحراء ، وبوجهين لفحتهما الشمس فكستهما حمرة كادت أن تكون سوادا ، علتهما لحيتان كثتان لم تزدهما إلا اخشيشانا ، وبرقت عيون الرجلين فى حفرهما من الوجه ، فكانت هى الشئ الوحيد الذى يرق فى هذا المنظر المُترب الطميس .
دخل الرجلان البنك ، فما وصلا إلى نافدة « الوارد » حتى ألقيا على رخامها حقيبة من جلد وصاحا بموظف المصرف :
- نريد أن تحفظ لنا هذه الأحجار وديعة إلى حين ، كان البنك بنك كاليفورنيا ، وكان العام عام ١٨٧٠ ، وكانت البنوك فى تلك الناحية قد اعتادت أن يأتيهما العدائون بتراب الذهب فيحفظوه بها ، فحقول الذهب كانت قد اكتُشفت والناس ساروا إليها ألوفا ألوفا ويضع الرجل منهم يده على ما وجد ، فيكون له ، وكثرت الودائع فى البنوك ، ودائع الذهب ، يودعه مودعه فى البنك ترابا .
أما أن يودع المودع فى البنك أحجارا فشئ جديد لم يفهمه موظف البنك . لهذا سأل :
- فأى أحجار تعنى ؟ .
فأجاب أطول الرجلين قامة :
- أحجار من ماس .
وفتح الحقيبة وقال :
- هاك انظر .
ونظر موظف البنك وصفر صفرة العجب لما راى . ثم قال :
- وباسم من أودع هذه الوديعة المنزلية ؟ فقال أطول الرجلين :
- باسم جون سلاك ، والأفضل أن تضع اسم زميلى أيضا فيليب أرنولد ، لقد حضرنا إلى البلد لنشترى عُددا ولنستريح قليلا ، وسنعود لنسترد الأحجار بعد غد .
وسأل الموظف :
- وإذا تعودان إلى المنجم لتحفرا عن أمثال هذه الأحجار من جديد .
- نعم ، قالها فى برود وقلة اكثراث . وذهب الرجلان .
وما اختفيا حتى أسرع الموظف إلى الخزانة يعيد النظر إلى ما فى الحقيبة ، وأجرى الماس بين أصابعه ماسة ماسة ، وكلما جرت ماسة اهتز لها قلبه ، ونظر فإذا بين الأحجار ياقوت أزرق وأحمر ، وقدرها فبلغت نحوا من مائة الف من الدولارات . وهذه هى الفاتحة ، فما باله بالذى سيجىء من بعد ذلك لقد وقع هذان العدانان حتما على منجم يساوى ملايين من الجنيهات .
وجرى موظف البنك إلى مديره ، وكان اسمه رلستون . وهذا اسمه حقا ، وهذه كانت أسماؤهم جيمعا حقا ، فما فى هذه القصة خيال ، وإنما هى قطعة من تاريخ تلك القارة التى انفتحت لها من أول الأمر طاقات من السماء ، تدفقت عليها بشتى الحظوظ وبصنوف غريبة من الثراء .
ذكر الموظف لمديره ما رأى . فكذب ، فأخذه إلى الخزانة وأراه ، فكادت أن تخرج مما رأى عيناه . إنه كشف سيتضاءل إلى جانبه كل ما مضى من كشوف الأرض وكنوزها .
ومضى اليومان ، فحضر الرجلان العدانان .
فقال لهما الموظف :
- قبل أن أعطيكما الحقيبة بالذى فيها ، أريد منكما أن تقابلا مدير البنك .
فقال الرجلان فى شىء من الريبة :
- وما القصد من هذا ؟ ليس عندنا وقت نضيعه .
- ليس فى الأمر اشتباه ، ولكن حديثا يجرى
بينكما وبين مدير البنك قد تكون له عواقب نافعة .
وتناظر الرجلان يتشاوران ، ولم يمهلهما مدير البنك ، فقد حضر بنفسه ، وما وجد من مظهرها أنهما عدانان بسيطان حتى صحبهما فى كثير من الترحيب إلى مكتبه ، ورفع الكلفة بينهما وبينه ، وأعطهما سيجارا وأشربهما شرابا ، وما كادا يتمان الشراب حتى دخل الحجرة رجلان من كبار رجال الأعمال والأموال فى المدينة . وبدأ مدير البنك ، المستر رالستون ، حديثه ، قال إن هذا الاجتماع لم يكن وليد المصادفة ، فهو مهيأ مرتب ، ذلك أن العدانين كشفا عن منجم الماس ، إن صح أن هذه بشائره ، فهو لاشك سوف يرج السوق رجا ، وأثمان الماس فى العالم قد تهبط هبوطا فاحشا ، وقد يكون من نتائج هذا الكشف أن ينتقل مركز الماس العالمى من أمستردام بهولندا إلى سان فرنسسكو بأمريكا .
وسمع العدانان ما سمعا ، ثم استأذنا أن يتسارا فى ركن من أركان المكان ، وبعد ما تفاوضا معا عادا ، ثم قال أحدهما :
- اظن أنكم على حق فيما ارنأيتموه . وأنا وزميلى على استعداد لأن نبيع المنجم بثمن ٦٦٠٠٠٠ ريال ، ولكنا فى غير حاجة إلى هذا المال الآن ، وعندكم الأحجار التى أودعناها فى الحقيبة فاحتفظوا بها ، ولكن ادفعوا لنا الآن بضعة آلاف من الريالات على سبيل النفقة الجارية ، وسنعود إلى المنجم لنرجع إليكم منه بمليون دولار من هذه الأحجار .
قال رجال المال : لا أوفق من هذا ولا أهدل .
وأعطوا العدانين ما طلبا على سبيل النفقة ، ومضيا .
وإن صح أن فى الناس مغفلين كثيرين ، فلم يكن مدير البنك ، رلستون ، مغفلا قط فى حياته الطويلة الناجحة ، من أجل هذا لم يكد يعطى العدانان له ظهريهما ، حتى اتصل بالتليفون بمكتب للتجسس والاستخبار شهير . وكلف أصحابه أن ينظروا فى أمر هذين الرجلين ، فجاءه التقرير بأنهما رجلان عاديان ، قضيا فى التعدين سنوات ، وليس لهما سوابق
وقضي رلستون هو وأصحابه أياما يحلمون الأحلام . وحسبوا أن المنجم لا يقوم على استغلاله إلا شركة تؤلف ، لا يقل رأس مالها عن ١٠ ملايين من الدولارات ، ومن يكون مديرها ؟ ووقعوا على المليونير الخبير فى التعدين ، المستر أسبرى ، وكان عندئذ فى لندن ، فأبرقوا إليه أن يحضر فقبل الحضور .
وتسرّب خبر المنجم إلى الناس ، فتكوكبوا على رلستون وأعوانه ، يريدون أن يشركوهم فى استغلاله . ودفع رلستون عن نفسه بأن المنجم لا يمكن أن يستغل حتى يفحص ويقدر ، واتهمت إحدى الجرائد رلستون وأشياعه بأنهم يريدون أن يحتفظوا بالمنجم لأنفسهم استئثارا .
وشاع خبر المنجم من سان فرنسسكو إلى نيويورك ، شاع من المحيط الهادى إلى الأطلسى ، وحاول رجال المال فى كل بلد أن يشتركوا ، فلم يجابوا .
وجاء موعد مغادرة الخبير المليونير ، أسبرى ، شاطئ انجلترا إلى أمريكا . وفى أمسية الرحيل ذاتها زاره المالى التاريخي الشهير ، البارون روتشلد . وتحدثا فى الأمر . قال اسبرى إنه يظن أن رلستون قد خدع ، فقال روتشلد ، ولم لا تقول إن أمريكا عادت تهز العالم من جديد بمورد جديد من موارد ثراء عظيمة كشفت عنها الأيام ولا تزال تكشف ؟
وبلغ أسبرى سان فرنسسكو . وزار رلستون فى مصرفه ، وإذا هو يتحدث إليه دخل العدانان بصيد جديد ، بحقيبة واحدة مليئة بالأحجار ، هى كل ما بقى مما كانوا قد جمعوا من حقل لا يقل ما فيه عن مليونى ريال من الأحجار . لقد اعترضهم فى عودتهم فيض عظيم من الماء اضطروا إلى عبره على عوامة من صنع أنفسهم وانقلبت بهم العوامة ، وكادوا يغرقون لولا عناية الله ، وفقدوا كل متاعهم ، إلا هذه الحقيبة الواحدة ، وفيها ما يغنى .
وأرسلوا فى طلب خبير ، فجاء ، وفحص . نعم ، إنها ماسات لاشك فيها ، وفيها قليل من ياقوت أحمر وأزرق .
قال رلستون : بقى أن نزور المنجم سرا ، ولن يصحبنا
إليه إلا الخلصاء ، فاكتموا أمره . وفى الموعد المضروب اجتمع الخبراء المنتقون ، على غير علم من أحد ، وفى مكان لا يطرقه الناس ، وقاموا تلصصا ، على الخيل ، ينهبون الأرض نهبا ، فلم تكن بعد عرفت السيارات ، وساروا أربعة أيام سويا ، وأخيرا جاءوا إلى أرض منبسطة تحفها الجبال .
قال العدانان : هنا حفرنا ، فى هذه الحقول .
وانطلق الجميع ينقبون ويحفرون ، وكلما وجد أحدهم ماسة صاح بأصحابه ، وكثر التصايح ، وكان أكثرهم تصايحا الخبراء .
وعادوا أدراجهم ، فلم يبق إلا إنهاء الصفقة ، ودفع البنك للعدانين ٦٦٠ ألف دولار ، وتنازلا عن كل حقوقهما فى هذه الحقول للبنك وشركائه .
وألف البنك شركة بلغ ما دفع من رأس مالها عشرة ملايين دولار ، واشترك فيها روتشلد بثمانين ألفا .
ولكن أسبرى ، المليونير الخبير ، وكان ذهب إلى الحقل فيمن ذهب ، ظل بقية أيامه مرتابا .
وفى يوم من الأيام بلغت به الريبة حد القلق ، فاصطحب خبيرا جاء به هو نفسه ، وذهب إلى المنجم ، وظلا ينقبان ، ووقعا على الماس ، ولكن الخبير وقع على ماسة لعب فيها المبرد والمنشار ، فصاح بصاحبه : إن الحقل لا ينبت الماس فحسب ، ولكنه أيضا يتقطعه ، ومن هذه القطعة الواحدة افتضح أمر هذه الخدعة العالمية الكبرى التى حركت رجال قارتين ، أوربا وأمريكا .
وبزيادة الفحص زادت الألعوبة افتضاحا ، إنها مائة ألف قطعة ، من الماس الرخيص ، وفيها بعض الماسات الطيبة ، غرست فى هذه الأرض غرسا ، غرست بقلم دقيق ، وتركت عاما كاملا فى الأمطار والرياح على آثار ذلك .
أصيب مدير البنك رلستون ، فى نفسه ، وأصيب فى أمله ، ولكنه صمد صمود الرجال ، فدفع هو وأصحابه كل ما دفع لهم لا ستغلال هذه الحقول الكاذبة ، وبعد دفعها اعتزم أن يخلد إلى الراحة عند شاطئ البحر ، ولكن بعد
أيام رمى البحر بجثة على الشاطئ ، وفحصوها فإذا هى جثة رلستون . ولم يدر أحد إلى الآن هل كان انتحر ، أم أن هذه لعبة أخرى من لعبات القدر .
والعدانان أين ذهبا ؟
أحدهما لم يعثر له أحد على أثر ، ذاك الطويل المتصدر دائما .
أما الآخر ، فقد عثروا عليه ، ودفع بأنه لم يكن يدرى مما كان يجرى شيئا ، وأنه مدخول عليه ، وأنه غنى ثرى ليس بحاجة إلى الخداع فى سبيل مال ، وأطلعهم على رصيد بنك عظيم جاءه من التعدين ، وثبت أنه جاءه من التعدين حقا ، ومع هذا فقد احتالوا عليه حتى دفع لهم مائة وخمسين ألف ريال ، ليخلص بشرفه وبجلده .
ولكن القدر لم يمهله طويلا ، ففى ضحوة نهار خرج إلى السوق ، فلقى خصما ، فاشتجرا . وكان الخصم أسبق إلى مسدسه من صاحبه ، وبطلقة واحدة ذهب ثالث الثلاثة ، فى هذه القصة ، قتيلا .
ولم يصدق أحد ، أن مثل رلستون ، ومثل أعوانه النابهين ، يخدعون ، على الخبرة الطويلة فى الأموال والأعمال ، ولكنه الطمع البالغ ، غطى على الحكمة البالغة ، فوقع من حكم القدر ما كان .

