الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 303الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء , السلم تمهيد لحرب

Share

في أعقاب السنما

حضرت الآن من السنما . من رؤية فيلم طويل للأخبار ، وكانت الأخبار اخبار الحرب . واخبار الحرب صارت اليوم شيئا معروفا . وصور الحرب ومآسيه صارت اليوم صورا مألوفة . ومن ألفتها أنك تري الناس تجزر وتطيح منها اشلاؤها ، فلا تنكر منها إلا كما تنكر من الجمل ان يعقر ، او من الماشية ان تذبح ، ثم تراها من بعد ذلك في دكان الجزار منشرة على الأعين طعاما للراغبين .

الإنسان والدم :

إن ابن آدم من طبيعته أن يكره الدماء - أن ينظر إليها .

بله  ان يغمس إصبعه فيها - لان في الدم معنى الموت ، وهو إنما خلق ليحيا الحياة ويحب العيش . وإنما تطغي علي طبيعته الأولى هذه ما يتعود بعد ذلك من اشياء . ونري هذه الطبيعة بينة في الطفل الذي لم تطمئنه إلى الدم نشأته الأولى . والطفل الأوروبي الغربي ، من أهل المدن ، طفل كالذي أصف .

نفس تجيش :

حضرت مرة طفلة إنجليزية ذات عشر سنين أو تزيد ، حضرت في غير مدينتها ثورا يذبح ، فجاشت نفسها ، ولم تستطع من بعد ذلك أن تمس اللحم اشهرا . وقد كنت اعرفها تأكل اللحم قبل هذا ، فتمضغه و تستمرئه وتزدرده ولكن صلة ما بين هذا اللحم ومأتاه ، وكيف اتى ، ورؤية هذا البهيم ينتقل من الحركة إلى السكون ، وهو يأتي هذا الانتقال رفسا ، كل هذا لم يبن للطفلة الصغيرة هذا

البيان . فلما بان لها اصطدم مع فطرتها التى لم تكن فسدت . او إن شئت قلت لم تكن تغيرت . فعند الله علم فاسدها والصالح .

بهيم يفزع :

وليست كراهة الدم وقفا على الإنسان ، فهي لا شك تشمل الحيوان . لهذا كان من القسوة أن يذبح الذابح بهيمته ، إن كان لا بد من ذبح ، على مرأي من أخواتها . وليس اوضح في التمثيل لهذا من ذلك الجمل الذي ذاع اسمه في مصر والشرق منذ بضعة اشهر ، لما جفل من رؤية اخيه يعقر ، فخرج من المذبح يذرع الأرض ذرعا ، ثم قاده الطالع المشرق إلى كنف مليكنا ، فكان له في ظله إجارة المستجير أولا ، ثم العيش الوديع الهانيء من بعد ذلك

دموع شيخوخة

نظرت إلي مآسي الحرب ومفاجعها على الشاشة مرارا ، فسار اجتلاؤها عادة لاتتحرك لها النفس إلا قليلا . ولكنى في هذه المرة التي احكى ، كانت نفسي لأمر ما قد تخلصت حينا من ربقة هذه العادة ، وتحررت ساعة من ان تصب الكأس في حلقها دهاقا ، وهي مرة كالعلقم ، فلا تحس لها طعما . لقد عضنى ما ابصرت هذه المرة عضا .

عضني مرأي تلك الأم الروسية العجوز وهي تنتشل في خطاها المتعثرة ما تستطيع من متاع بيتها ، وقد اندلعت النار فيه ؛ ثم نظرتها  من بعد ذلك إلى محط امالها ومهجع شيخوختها ، فلا تري منه إلا كومة من حطام اسود . لقد أمحى كما تمحى الفكرة من الخاطرة سرعة وكمالا وظلت العجوز واقفة حيث كانت في سكون وجمود ، كالشجرة امتدت جذورها في الأرض . ونظرت إلى وجهها فإذا الدموع تسيل على خدها الجعد هادئة في غير نشيج او عويل ، فكانما هو قطر الندى ، تجمع على لحاء الشجر ، ثم انحدر بطلب إلي الأرض مسيلا في غير جلبة أو ضوضاء

شباب كالورد :

وعضني مرأي تلك الأم الشابة الجميلة تحمل طفلتها ، وكلتاهما في نضرة الورد ونظافته ، تجري عبر الطريق تطلب مخبأ ، فلا تكاد تناله حتى تصيبها رصاصة تخرق صدرها ، فتتلوي على الأرض منها ، ولا تكاد تفهم الطفلة مما جري إلا الفزع . ثم تأتي الآيدي الراحمة من بعد ذلك تفصل جسما تدب فيه الحرارة عن جسم سري فيه ابتراد . ثم يجتمع بعض الاخيار حول الطفلة يزأطون لها ، حتى يعديها زئاطهم فتزأط معهم ، وتضحك ، وتصفق بيديها ، ولو علمت وفقهت وقدرت لقضت الساعات لطما على ذلك القلب الذي ذهب فما تغني عنه مجتمعة كل القلوب !

خراب شامل

ثم عضنى من الناحية العمرانية هذا الخراب الشامل . في الريف . قرى تذهب فلا تذكرك إلا بالمنازل يقف عليها الشعراء في البدو الغابر يبكون الديار ، وما ديار إلا النؤي والأثافي . وفي المدن أصقاع برمتها ذهبت بما احتوت ، فلم يبق منها غير الحجر والتراب . مجهودات هائلة للإنسان في البناء ذهبت كما ذهب الرمل مع الريح . وذكريات غالية لابن آدم وبنات حواء ، وآمال متطاولة ، طاحت كما يطيح الحلم الجميل في الليل الداجي ، يطارده إشراق الصباح الضاحي . وما ضحوته إلا لتزيد حقيقة الرزء حقيقة ، ولون الرزيئة سوادا

لقد قال قائل منهم منذ يومين : إن إنجلترا ، لو جمع رجالها بعد الحرب كل عزمهم ، وجمعت النساء ، امكنها ان تسترد رخاءها في . . جيل .

فما بال إيطاليا ، وهولندا ! ثم ما بال الروس ! وما بال المانيا ، وقد هدتها الحرب من السماء ، وتنذر ان تذهب بالبقية الباقية منها حرب الأرض !

فهذا ما اظهرت وتظهر للناس الحرب ، فما بال الذي تخفيه السلم القادمة !

ستكون سلما مرة كما كانت حربها مرة ، ستكون سلما ثورت البغضاء بين الأمم بغضاء كالتي عناها الشاعر :

نساجلك العداوة ما حيينا      وإن متنا نورثها البنينا

وسيكون للثورة في سبيل تعكير السلام تعكيرا دائما أكثر من بؤرة . وسيكون للحرب القادمة من الأسباب أكثر من سبب . ولعل اكبر بؤرة وأمتن سبب ، هو ما خلف ويخلف النازيون من شباب ينشأ على أشياء لا تلتئم وسلم العالم أبدا .

الشباب الهتلري

لقد نشئ الشباب الهتلري علي أن الجنس الجرماني الآري سيد الأجناس . وانه الجنس الذي اراده الله على هذه الأرض خليفة وسيدا ، ونشئ الشباب الهتلري على إزاحة الضمير جانبا في سبيل الواجب ، وعلى القسوة المفرطة استجابة للوطن . ونشئوا على احتقار الثقافة والفكر ، وعلى طاعة إمامهم طاعة الماشية ، ليس لها أن تفكر لتختار الطريق ، زعما أن في هذا تفريق القطيع

لقد كنت أزعم أن ما أقرأ من هذا بعض الدعايات والدعابات ، وللرجل الديمقراطي ان يؤمن بما يتراءي له انه الإيمان ، ويكفر بما يتراءي له انه الكفر . كنت ازعم هذا حتى اذكرني صديقي بما كان من هتلر زمانا قبل الحرب من تقتيل اصدقائه لما اختلفوا عليه ، إذ طار إليهم وهو رئيس الدولة ، وأطلق من مسدسه ما أطلق ، ثم عاد كما يعود الرجل من نزهة في الريف او وليمة على النهر . واذكرنى   صديقي بصغار الأسري من الالمان الذين رفضوا وهم في خطر الموت أن يعزز دمهم ، وقد ذهب بالكثير منه النزيف حتى

أفقره ، بدماء لم يقم الدليل على أنها دماء آرية . وأذكرنى بما يجري في معاقل اسراهم ، ورئيسهم فيها منهم ، من نظم قاسية أقاموها بينهم كانت كالتي لهم في بلادهم ، فيها يحكم بالموت ينفذونه فيمن خانه اللسان فنال زعيمهم من قريب او بعيد ؛ ومن حوادث يقوم فيها المحكوم عليه طوعا بالموت يأتيه شنقا !

وأجدى من هذا حجة ، مقالة قالها هتلر ، اقرأني إياها صديقي :

" إن الذي أطلبه ، من شباب هذه الأمة ، شباب جبار عنيف قاس قسوة الوحش ، اري في عيونه لمعة العجب والاستقلال التي اراها في عين جوارح الطير . ولن يكون لهذا الشباب عندي تدريب عقلي ، لان في العرفان فساد الرجال وفناءهم

وأقرأني لهتلر :

" إني سأشفي الرجال من ذلك الخيال والخبال الذي أسموه ضميرا " .

وأقرأني :

" لا يزال بيننا بقية من عتاق الفكر ، عتاق الاسلوب ، لا يصلحون لشئ ابدا ، وهم مع هذا يعطلون سيرنا بمعارضة خطانا كما تعترضها القطاط والكلاب . فهؤلا ، لن نحتفل بهم ؛ ولكنا سنأخذ ابناءهم منهم ، ونبعدهم عنهم ، لننشئهم نشأة جديدة لا يقعوا بعدها فيما وقع فيه أباؤهم من أطرزة للفكر عتيقة عقيمة ؛ سنأخذهم في سن العاشرة ، وننشئهم على الروح الجديد حتى يبلغوا الثامنة عشرة . ولن يفلت منا منهم احد . ثم يلتحقون بالحزب النازي ، ثم يدربون على الحرب سنتين . فمن ذا الذي يقول إن تنشئة كهذه ، وتدريبا كهذا ، لا ينتجان مواطنا ألمانيا من خير طراز ؟ ! "

احتلال ثقافى :

إن مشكلة الشباب الهتلري ، والأمة الهتلرية جمعاء ، مشكلة لاشك خطيرة ، حدت بالحلفاء ان يرسموا الخطط من الآن لاحتلال ألمانيا احتلالا ثقافيا وعسكريا معا : فهم يريدون ان يهيمنوا على التعليم جيلا من الزمان ؟ حتى الكتب يريدون أن يكتبوها لهم كما يكتبها الديمقراطيون ، وهذا نوع من السيطرة جديد لم يألفه الأمم .

وبينما جماعة من الحلفاء في حجاجهم هذا ، إذا بصائح ألماني صديق يصيح فيهم :

دعوكم مما تزمعون من كتب للنشء الألماني وتأليف . ثم علموهم الحب كيف يكون . أوقدوا فيهم جذوته تحترق ما في قلوبهم من خبائث . علموهم حب الأباء والأمهات ، وعلموهم حب الطبيعة ، وحب الموسيقي ، وحب الكتاب الممتع ، وحب تلك الأشياء الكثيرة الضئيلة الجميلة ، التى يأتيها الناس صباح مساء فتبهج القلب الأنساني وتضيء الحياة

واستطرد الصائح الألماني يقول :

إن هتلر انتزع من قلوب الشباب الالماني الحب ، وانتزع من رؤوسهم الفكر . انتزع ذلك الميل الغريزي في عقل الإنساني إذا سمع امرا ان ينظر وينقد ، لا ان يصغي ليطيع . فعلى أولياء الآمر في السلم القادمة ان يعيدوا إلي هؤلاء المساكين ما أخذ من رجولتهم وانتزع من إنسانيتهم ؛ اعني الفكر حرا طليقا يمارسه المرء اختيارا ، كما يمارس الشراب والطعام ، والغدو والرواح ، والنوم واليقظة ، لا يقف شئ منها عند مقدار ، ولا يحد شئ منها بميعاد .

بين الفكر والطاعة :

لقد استوقفتني هذه الكلمة الأخيرة لهذا الرجل الناصح الفكر الطليق - وساءلت نفسي : إذا أطلق الفكر

إطلاقا فأين تكون الطاعة ؟ وإن كانت الطاعة وأمان التفريق فأين يكون الفكر الطليق ؟

إن في انطلاق الفكر في الأمم التفرقة والتشتت والضعف ، وفي تقييد الفكر التماسك والنظام والقوة . ومن أجل هذا كانت الأحزاب ؛ فهي في الأمم الديمقراطية حيث يطلق الفكر إطلاقا تقوم لتنظم ما ينشأ عن هذا من خلاف وتشتت . فالحزب في الأمة الديمقراطية يجمع متفقين في كبار الأمور مختلفين في صغارها ، ولا يجمع سواسية متطابقين تطابق الكفين أبدا ، متوافقين توافق الخراف أبدا وفي تنازع  الأحزاب تكون الغلبة لأكثر الأراء توافقا . وهذه هي الديمقراطية السياسية ، على أن يكون للفكر وحده السلطان في كل ذلك ، لا للهوي . إلا في الأزمات وكيان الأمم في خطر .

قال ذلك العربي الديمقراطي القديم :

فلما عصولي كنت منهم وقد أري    غوايتهم أو أنني غير مهتدي

أمرتهم أمري بمنعرج اللوي             فلم يستبينوا النصح إلا ضحي الغد

وهل أنا إلا من غزية إن غوت              غويت وإن ترشد غزية أرشد

لقد وازن ابن الصمة في أبياته هذه بين الفكر الطليق والطاعة الواجبة خير موازنة .

اشترك في نشرتنا البريدية