الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 368الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, العلم إلى التوحيد سائر

Share

ولست أقصد بالتوحيد توحيد الله ولو أني قصدت إلي هذا ما كذبت ، ولا كذب العلم ، ولكني أقصد بالتوحيد توحيد العالم . وتوحيد الشعوب ، وتقارب الأمم على أي درجة كان هذا التوحيد وهذا التقارب .

وأول ما يتجه الفكر ، إذا ذكر العلم ، وذكر تقارب الشعوب ، يتجه إلى ما صنع العلم لوصل ما بين الأمم ، أرضاً وبحراً وهواء ؛ بالقاطرة ، وبالباخرة ، وبالطائرة ، وأمر هذا معروف مشهور .

ولكن التقرب قد يكون بالأجسام وقد يكون بالنفوس . وقد لا تلتقي الأبدان ومع هذا تلتفي الأرواح وتلتقي الأفكار وتجتمع القلوب

وقد أقتحم العلم أطرفاً أخري في سبيل التقريب بين شعوب الأرض ، تقريب أرواح ، وتقريب أفكار وقلوب . فكان التلغراف فالتليفون السلكي فاللاسلكي .

والتلغراف من مواليد النصف الأول من القرن الماضي ، أي أنه صحب القاطرة البخارية أو كاد في دخولها إلي الدنيا

والتليفون من مواليد النصف الثاني من ذلك القرن ، وعلى الأدق قد ولد عام ١٨٧٦ ، أولد نا إياه مخترعه إسكندر جرهام بل بالولايات المتحدة . ومعنى هذا أنه لا يزال بين سكان الأرض من هو أكبر من التليفون سناً . ومما بقرأه القارئ للعبرة في تاريخ التليفون جمود الجمهورين الأمريكي والإنجليزي الذي كان في صدد إنشائه . وعلى الرغم من هذا الجمود فقد أنشأ أصحاب الأموال الذين ظاهروا جراهام بل ، أنشأوا أول سنترال بمدينة نيوهافن

New Haven بأمريكا عام ١٨٧٨ ، وكان المشتركون  واحداً وعشرين مشتركاً . والنجاح يدفع إلي النجاح . فلم يلبث التليفون أن مد شبا كه في الولايات كلها ، ومدها بعد ذلك على ما هو معروف في الأمم فاعلية .

وصل العلماء الأرض بالتلغراف ووصلوها بالتلفون . والتلغراف يحتاج إلي أسلاك والتليفون يحتاج إلى أسلاك ، والأسلاك لا تصل إلا الجامد من الأرض ، فما بال البحار وهي في وصل الأمم أشد خطراً ، وبحثوا عن مادة عازلة تحفظ على الأسلاك ما يجري فيها من كهرباء وهي في بظن الماء ، ووقعوا عليها فكانت الصمغ الهندي المسمى Guta percha وبحثوا عن أضيق المياه ذوات الخطر فوقعوا على بوغاز دوفر. ففي مياه هذا البوغاز أرسلوا أول سلك مائى يصل دوفر بانجلترا بكاليه في فرنسا ، وذلك عام ١٨٥٠ - وطيروا الإشارات التلغرافية بين البلدين فطارت ولكن لم يلبث هذا السلك المائي ، أو هذا الحبل ، أو هذا الكيل كما يسمونه ، ثم يلبث أن إنقطع وإنقطع لضعفه ، فانصرفوا إلي تقويته ونجحوا . ثم حملوا هذا النجاح إلي شمال أوربا يصل مضايق الماء بين الدانمارك وبلاد السويد . وحملوه إلى البحر الأبيض المتوسط وفي عام ١٨٥٧ حملوه إلي المحيطات - حملوه إلي المحيط الأطلسي يصل أوربا بأمريكا وإنقطع الكبل منهم على عمق ألفي قامة ، فما إستطاعوا له إصلاحاً . ثم عادوا يضعون غيره فخابوا وبالصبر والمثابرة نجحوا بعد خمسة عشر عاماً . وبالعلم وبالفن كثرت الكبلات ، وكثرت الوصلات حتى زاد عدد ما وصل منها بين شمال أمريكا وأوربا علي عشرين كبلاً . وزاد ما إستقر منها في بحار الدنيا ومحيطاتها على ثلثمائة ألف ميل طولاً .

وتقدم العلم فإذا بالأسلاك لاحاجة بالناس إليها لوصل ما بينهم ، وإذا بمركوني في عام ١٩٠١ يقف على جزيرة

نيوفوندلاند  Newfoundland بأمريكا فيستمع لأول إشارة تعبر الأطلنطي من Cornwallبإنجلترا أي تعبر ألفاً وثمانمائة ميل ( ١٨٠٠ ) في لمح البصر وبدون أسلاك.

ومن التلغراف اللاسلكى إشتق العلماء التلفون اللاسلكي أعني أنه بعد أن كانت تنقل بالتلغراف اللاسلكي الإشارات نقلت بالتلفون اللاسلكي المكلمات ، ومن التلفون اللاسلكى إشتقت الإذاعة اللاسلكية ، وكان طلوعها على الناس أول طلوع في عام ١٩٢٠ ، وكان طلوعاً على أمم الأرض بالخير والسعود ، لأن الإذاعة أطول وسيلة ، وأعرض وسيلة ، وأوسع وسيلة ، وأعم وسيلة إبتدعت إلي اليوم ، لا في وصل الشعوب فحسب ، بل للتعريف بها والتقريب بينها ، ووصل الجماهير بالحماهير علي رغم الحكومات وعلي رغم السياسات . وهي على الرغم من ذلك رخيصة سهلة . فأنت في منزلك ، في الفراغ ، وعلي الراحة ، تستطيع أن تطلع على آراء الأمم جميعاً ، وعلي أخبارها ، وعلى أدبها ، وعلي علمها ، وعلى فنها ، وعلى موسيقاها ، وعلى محازنها وأفراحها . فهل من وسيلة تعمل على الرقه،في تقريب الأمم،ثم توحيدها ، كهذه الوسيلة .

إن الوحدة العالمية لا تتحقق تمامها ، ما دام أن لنا ألواناً مختلفة ، وألسنة مختلفة ، وأمزجة مختلفة ، وما دام أن هذا الإختلاف مرده إلى الأرض التي ترتبط بها ، والأجواء التي نعيش فيها ، وهي جد مختلفة ، جد متباينة . ولكن أفهم أن يكون بين الأمم تقارب وتشابه بقترب من الوحدة في جواهر الأمور ، لا سيما تلك الأمور التي ترتبط بسلام الأرض وبهنائة الحياة.

والعلوم والفنون ، مؤلفين ، صنعاً ويصنعان الشئ الكثير في تآلف الأمم . وأول خطوة في التالف إنما بالطبع هو الوصل والتقارب . والتآلف لا يكون على البعاد وإنقطاع الصلات أبداً .

أيها النكيح التريا سهيلاً

                      عمرك الله كيف يلتقيان

ووسائل التقريب الجثماني من مواصلات أرض ، ومواصلات ماء ، ومواصلات هواء ، فعل لها العلم الكثير . والتقارب الجثماني مقدمة إلى التفاعل الفكري ، فالتقارب الفكري ووسائل التقرب الفكري دون التقاء الأجسام فعل لها العلم الكثير أيضاً . ومما صنعه الراديو حمالاً للأخبار والأفكار .

وكالراديو صنع السينما ، فحملت إلي بقاع الأرض صور الأمم وعاداتها وأساليب معاشها ، وحملت صوراً من فنونهم وعلومهم وأحداث الزمان فيهم . وصارت السينما عادة في الأمم ليس إلي إطراحها من سبيل ، يهرع الناس كل أسبوع إلي دورها ، فيحتملون فيها حملا إلى ديار بعيدة وأمم بعيدة ، ومدن بعيدة وقري بعيدة ، يقضون في صحبة أهلها الساعتين والثلاث ، يدخلون في بيوتهم ، ويرونهم في مآكلهم ومخادعهم ، ويرونهم في عملهم وفي بطالتهم ، ويرونهم في جدهم وهزلهم ، ويطلعون علي مجاري الفكر بروسمهم ويحسون خلجات قلوبهم . ثم ينزل الستار ، ستار السينما ، فيعود الناس من تلك الرحلات الطويلة البعيدة إلي مقاعدهم من دور هذه الصور ، دور السينما ، وكأنما صحوا من حلم طويل . والصحو ينفتح باب النقد ، وينفتح باب التقليد ، وما ذكرت النقد إلي جانب التقليد إلا حفظا الموازنة . لأن الواقع أن الذي يجري أكثره تقليد ، والتقليد هو الخطوة الأولى إلي التوحيد . ذلك أن الأمم التي تصدر عنها كل هذه الأشياء أمم أربع أو خمس ، عن مصدر المدنية ومصدر العلم ومصدر الفكر ، وعن متشابهات في العادات ، متجانسات في الثقافات . والأمم التي تستقبل هذه الأشياء أمم بادئة ناشئة . والحوض العالي يصب في الحوض الواطي فلا يستطيع لمائه رداً . وهذا الوضع عامل كبير في سبيل الوحدة إذا قدر لها أن تكون ،

وهو عامل قوي لم تستطع أمة كاليابان له دفعاً . فقد رأيناها على الرغم منها تلبس اللابس الغربية ، وتتخذ العادات الغربية . حتى أذواق البناء لم يكن لها مغذى من إقتباسها فما تكاد تفرق بين مدينة يابانية وأخرى أمريكية .

ولحمل الأخبار وحمل الأفكار صنع العلم ، وصنعت الصناعة التي هي وليدة العلم ، وصنع الفن ، أداة النشر العظمى ، تلك أداة الطباعة . وصنع المطابع هائلة الجرم دقيقة الصنع ، تصنع الكتاب الواحد في النفس الواحد ، وتصنع من الصحف مئات الألوف في اليوم الواحد ، ويجري الورق بين إسطواناتها بسرعة خمسين وستين ميلا في الساعة . وفي كل هذا دقة ، وفيه سرعة ، وفيه إرخاص ، وفي الأرخاص تمكين لهذه الأوراق التي تحمل عصارة الذهن البشري أن نصل إلي أطراف الأرض بأرخص الأثمان . وإن إختصت الكتب بالخاصة من الأمم ، وبالصفوة فيها ، يتأثرون بها ويؤثرون ، ويرسلون على متونها الآراء ويستقبلون ، فقد اختصت الصحف بالجماهير يقرأونها صباح مساء . وإن شئت مثلا لوحدة عالية واقعة فتصور أمم الأرض علي مائدة إفطارها ، أو في الطريق صباحا إلي أعمالها ، نجدهم مكبين على جريدة الصباح يقرأون ما فيها . وقد تكون لغة الجريدة العربية ، وقد تكون الإنجليزية ، وقد تكون الطليانية أو الفرنسية أو الألمانية ، وقد تكون اليابانية أو الصينية أو حتى الحبشية ، ومع كل هذا ، فهم يقرأون من أخبار العالم شيئاً واحداً ، ومن مخترعانه شيئاً واحداً ، وعن خطب الزعماء ومن أقلام ذوي الأقلام شيئاً واحداً ، تعاون علي نشره في العالم واحداً ما هيأه العلم من أسباب .

على أن العلم فوق ما هيأ من أسباب وما إبتدع من وسائل ، كان هو نفسه ، وفي حدود ذاته ، وسيلة للتوحيد كبرى بما إنبث في نواحي الأرض ، وبما إنبث في حقل ،

أو إنبث في مصنع ، أو مصحة ، أو مستشفى . ففي الحقل يدخل العلم بالتوحيد في معالجة الأرض وتسميد الزرع ومقاتلة الحشرات والآفات وفي المصنع يدخل بالتوحيد ، فالألات والمكنات تبنى من نماذج هي في العالم كله واحدة أو متشابهة . وللتطبيب يدخل العلم المستشفى بأساليب من نتاج المبحث واحدة ، ومن نعم الله على العلم أنه لا يتصل بجنس أو دين أو عقيدة أو حزب أو لون . فهو أعمي لا يفرق بين الألوان ، وهو أبكم لا يعرف اللغات ، وهو أصم لا يستمع الدعايات . ومن أجل هذا كان مرحباً به في كل بيت وكل أمة ، مأذوناً له عند البيض وعند السود ، مسموعاً له في المسجد وفي الكنيسة ، مكرماً عند أزرق المذهب وأحمره .

وينبث العلم في المدارس والجامعات ، في أي خط من خطوط العرض ، وفي أي خط من خطوط الطول ، فينشيء النشئ على المنطق الواحد ، ويعطيهم النظرة الواحدة إلي الأشياء نظرة الفطرة التى لا تتأثر بالظروف الطارئة ، ولا بالملابسات والأعراض . وإن كان العلم يدخل على الأمم بطرائقه العديدة فيوحد بالزرع الغذاء ، ويوحد بالصناعة الكساء ، وتوحد العمارة والبناء ، ويعطيها كلها أساليب المدنية هي من خلقه واحدة ، فهو يدخل على العقول في المدارس والجامعات مما هو أخطر وآثر ، وأفعل من وجهة الوحدة العالمية ، وذلك مما يضفيه على تلك العقول من أساليب للفكر واحدة ، ومن متع تستمدها العقول واحدة بالتأمل في نظم الكون وقوانين الحياة .

والعلم قد يعمل علي الوحدة المنشودة من طريق أخفي وأحب أن أسميه طريق الرخاء . فإختلاف الناس وإختلاف الأمم أكثره على لقمة العيش . فلو أن الأمم تركت العلم يعمل ، وتركت العلماء أحراراً يدرسون ما هو أنفع وأجدى ، ومهدت لهم سبيل التطبيق لخرجوا للعالم

بالكفاية من غذاء وكساء ومتعة ورخاء فتزول بذلك أسباب العداء وتزول أسباب البغضاء ، وتجتمع الأمم على الغبطة والصفاء .

ومع كل هذا فلست أري أن العلم بالغ مراده من توحيد الأمم وحده . لقد قلت إن العلم شيء على الحياد ، لا يتصل بنعرة دينية ، ولا بنعرة جنسية ، ولا بنعرة مذهبية . ولكن العالم تمزقه اليوم هذه النعرات . والعلم لا حيلة له في هذه النعرات لأنها لا تدخل في إختصاصه . وإن تدخل فهو إنما يتدخل عن طريق غير مباشر فهو يتدخل بثقيف العقول لتكون أقدر على الفهم وأقوي علي إستبانة الحق . وتعرف طريق الرشاد عدد ما تفيهم الطرق وتختلط الأمور . وفي العالم اليوم ، على الرغم من مظاهر الدنيا ، جهل كثير؛ وفقطة قليلة ، وضيق في الأفق الفكري لا يفتح إلا الأنانية . والأنابية إن أفادت ساعة ، وكسبت ساعة فقالها إلي الخسران . والآنانية تنتج الحروب . والعلم في الحروب بساق كالداية الذلول ، لأن من خصائصه أن لا يرد طالباً . وهو كما قلت أعمي ، أيكم ، أصم ، يستوي عنده سبر في ظلفة وسير في نور ، وسير في ليل وسير في نهاره وهو إذا سبق لا يدري من يسوقه ولا يأبه لمن يسوقه ولا إلي أين بساق . والآناية التي تسوق العلم إلي الحرب نبوء دائماً بالخيبة . فهي من أجل هذا أنانية جهالة ، أنانية الرأي القطير والنظر القصير . وقد بذل العلم مسخراً في هذه الحرب جهوداً لو أنها بذلت في السلم لذهبت بأسباب

الحرب وذهبت بأسباب الخصام

ولكن الناس كما قلت ، والشعوب ، حظها من الغباء كبير . وليس هذا بغباء عقول ، فإنما هو غباء قلوب . وليس هو بضلال في المنطق ولكنه ضلال في العاطفة . وليس هو بنقص في الفهم ولكنه نقص في الأخلاق وفي فهم واجب الإنسان نحو أخيه الإنسان .

فالإنسان تقدم من ناحية واحدة هي ناحية العلم ، ولكنه تأخر في نواحيه الآخرى لاسيما ناحية العدل والإحساس بالنصفة ، ناحية الخلق الإنساني الكريم .

وقد أنطقت الحرب في شدائدها المعروفة زعماء الأمم بمقاصد عن عالم جميل يرتجى كانت جديرة بمنطق الملائكة وأفواه القديسين . ثم ذهبت الشدائد فعاد الزعماء أشد ما يكونون بشراً ، وأكثر ما يكونون على طيبات العيش كلباً . وما كانت أقاويل الحرب إلا ترهات أباطيل .

وجاءت القنبلة الذرية ، وهي نتاج العلم الأخير ، فقيل إنها ستوحد بين أمم الأرض ، وقيل إن الأمم ستنصاع لصوت الحق تحت ظلها . وأنصتنا لصوت الحق فإذا هو صوت مشوب فيه الحق مزجاً ومذقاً . على أنه كيف تكون الوحدة على الخوف وعلى الإذعان ؟

إن العلم يعمل لتوحيد العالم ، ولكن لا نجاح لأعماله ، ولا أثر لجهوده إلا إذا تفطن الناس عقولاً ، وتطهروا قلوباً ، وصفوا أرواحاً ، ودون ذلك جهود الجبابرة والزمن الطويل المديد ، ثم مشيئة الله من وراء ذلك .

اشترك في نشرتنا البريدية