الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 462الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, بالحب عمى ، وبالحب غباء

Share

يقولون إن الحب أعمى ، وأقول إنه غبى كذلك . وليس معنى هذا أنى لو كانت تهيأت لى الفرصة فى الحب ، لم يكن حبى أعمى ، ولم يكن غبيا ، ولكنى أعنى أن المحب كثيرا ما يكون غير مسئول عما يأتى ، لأنه لا يدرى ما يأتى ، ولا يدرك حالة هو فيها . فهو فى عمى ، ولكنه يدعى الإبصار . وهو فى غباء ولكنه يدعى الذكاء . أولعله يعرف أنه المعمى ، ومع هذا يرى فى ظلمة عماه الضياء ، ولعله يعرف أنه الغباء ، ولكنه مع هذا يستلذ الغباء ، لأن فيه من وجيعته الداخلية اشتفاء .

على كل حال استمع إلى هذه ، ثم قل لى بعد ذلك ، أهذا عمى الحب أم تعاميه . وهذا غباؤه أم تغابيه .

ليس من أحباب الفن من لم يسمع بالفنان الفرنسى هنرى جوتريير Henri Gautrler

جاء عام ١٩١٢ فبلغ هذا الفنان النابغة الخمسين من عمره . وإذا وجب احتفال ببلوغه الخمسين . وأى احتفال أجدر بهذه الذكرى من معرض يقام خصيصا به ، يجمع فيه أكثر ما خطته ريشته فى سنواته الماضية الطويلة .

من أجل هذا أخذت تتوالى على الصالة الشهيرة ، صالة دينوار ، بشارع دى لابيه بباريس ، صور من ورائها صور فى الأشهر الأربعة الأولى من ذلك العام . وزاد فى استجابة الناس ، والجماعين ، والمتاحف ، فى كل بلد متعدين ، بارسال ما كانوا يقتنون من هذه الصور ، أن الفنان نفسه توجه إليهم بهذا الرجاء . وما جاء الأسبوع الأول من مايو حتى كان اجتمع بهذه الصالة على التقريب كل ما كان أنتجه الفنان فى سنواته الثلاثين الماضية من صور ، جاءت من اركان الأرض الأربعة ، وبلغت مائة وسبعا وتسعين صورة . وأحصى الخبراء ما جاز ان يكون تختلف ، فلم يبلغ ما عدوه من ذلك إلا اثنى عشرة صورة .

وكان موعد افتتاح المعرض يوم الاثنين الثالث عشر من مايو .

وفى صبيحة الأحد الذى قبله ، وقبل أن تطلع الشمس اشتعلت النار فى صالة دينوار فجاءت على كل هذه الصور فلم يبق من قماشها أو زيتها رقعة واحدة يتمثل فيها مجهود ثلاثين عاما بذله هذا الرجل الذى كان فنان زمانه الأوحد

واهتز العالم لهذه الفاجعة . وما كاد يفيق منها حتى تلتها فاجعة أخرى . انتحر هنرى بشقته بشارع كونكورد . وهال الناس انتحاره ، ولكن هالهم أكثر طريقته ، فقد فتح الشريان السباتي بعنقه بشوكة كبيرة يستعان بها على تقطيع اللحم على المائدة .

كان هنرى جوتريير لا شك غريب الأطوار غريب المعيشة ، يسكن وحده شقة صغيرة تكاد تكون عارية من الأثات ، ولا يهتم بامرأة ، وانتظرت منه باريس كل غريب وكل خارق . ولكن فعلته هذه لم تكن خارقة . إنه الإنفعال الطبيعي لرجل فقد بالحريق كل ما كان بناه فى الحياة . فان كان فى حياته شئ طبيعى ، فذاك هو انتحاره . أو هكذا ظنت باريس ، وبهذا تحدثت مدة ستة أشهر بعد وفاته . ثم نقضت كل ذلك الحديث الحقيقة التى لاشك

فيها : أن الذى أشعل الحريق فى المعرض هو هنرى نفسه ، فهو الذى دبره ، ودبر أمر انتحاره من بعده . وهاتان كانتا آخر حلقتين فى سلسلة من حوادث حياته العجيبة .

جاء هنرى إلى باريس من قريته الصغيرة فى لورين ، عام ١٨٨٠ ليدرس الرسم بالزيت فى المرسم الشهير ، مرسم " جول دى لا كروا " . وكان عندئذ فى الثامنة عشرة من عمره . وكان ولدا لا تظهر عليه النباهة ، ولا يمتاز بلباقة وحركة . وجذوة العبقرية فيه كانت خافتة خابية ، فلم يستبينها أحد ، حتى  "دي لا كروا " نفسه ، ذلك الرجل الذى كان يشعل فى نفس تلاميذه أقل شئ فيها يحتمل اشتعالا .

ومضت السنون فاجتذب هنرى أصدقاؤه ، وخرجوا به إلى حياة باريس فتخلص من الكثير من حيائه ، وأخذ يتردد على المطاعم الصغيرة في بعض أمسياته ، ويأكل ويلتذ بأحاديث جماعات الطلبة التى كانت تجتمع هناك . وفى هذا الجو اكتشف فى نفسه القدرة على تعلم الشعر ، وصياغة الأغانى ، فنظم من ذلك وصاغ أغنيات خفيفة سهلة اللفظ دافئة المعانى ، فشاعت فى باريس وذاعت . وكانت أكثر هذه الأغنيات شيوعا أغنية نظمها عن فتاة اسمها " إيفون " . وكانت أغنية ذات عاطفة ، وبها مس من حزن .

وكتبها بعد عام من لقائه " إيفون لى بران " . وهى ابنة مدام " لى بران " ، صاحبة مطعم " القطة السوداء " أشهر مطعم يغشاه الطلبة فى " حى الطلبة " فى باريس . وكانت أصغر منه بثلاثة أعوام عندما التقيا . وكانت مقيمة فى الريف عند عمة لها ، حتى عامها السابع عشر . ثم حضرت إلى باريس لتعين أمها فيما تقوم به فى المطعم من أعمال. وكان فتاة جميلة ، مليئة ، ولكن كان يظهر عليها شئ من الغباء . وفتن بها هنرى ، وتملكه حبها ، فكان من ذلك تلك الأغانى التى تبعث من قلبه ، واستقى منها الناس .

ولم تجد الفتاة فيه ، وفى لقائه ، إلا الحرج لها ؛ كان لا بأس عليها منه ، وهو صاح غير مخمور ، لأنه كان حييا ، وكان صامتا . ولكنه إذا شرب ، ذهب حياؤه ، وذهب

صمته ، وتحرك لسانه ، وأخذ يفيض باللغة والكلام فيضا ، بل تدفقا لا يدفع ؛ من تعبير عن حبه ، إلى اغان ، إلى خطب . وتصغى إيفون إلى كل هذا فلا تهتز ، وكانت ترى فى بعض معانيه القباحة والخروج . والحق أنها لم تكن تبادلة الحب . بل شر من ذلك أنها كانت تحب غيره . كانت تحب رئيس ندل المطعم ، بل كانت مخطوبة له .

ومن عجب أن يخبره أحد بذلك . فلا البنت ، ولا أمها ، وكانت أمها تميل إليه . عرف كل أحد بهذه الخطبة إلا هنرى . وظل يأتى إلى المطعم ، يأكل وجبته الرخيصة مع النبيذ ، ويعقبها بكاسات من الروم ، ثم يطلق فى الجو صوته بأغانيه ، يعبر بها عن مكنون حبه لهذه الفتاة التى لم يكن لغيرها من بنات الدنيا فى قلبه مكان . وقال لها فى بعض ما قال من تدفقاته : سأجعل الدنيا تسعى إلى أعتاب دارك . وقد برت الحوادث بوعده ، ولكن فى غير المعنى الذى أراد .

وجاء رأس السنة ، فحمل فى ليلته إلى مطعم " القطة السوداء " هدية إلى فتاة أحلامه ، هى صورة صورها لها ، كانت الأولى من وحى هذا الحب . ودخل فلم يجد الفتاة ، قالت أمها إنها فى صبيحة ذلك اليوم تزوجت رئيس الندل بالمطعم ، وإنهما فى تلك الأثناء كانا فى القطار يهب بهما الأرض إلى الجنوب ، حيث الدفء ، ليقضيا هناك شهر العسل .

بهت هنرى ، وكاد يصعق . وظلت عيناه مفتوحتين تنظران ، وأخذت شفتاه ترتعشان وانجلى سكوته عن صياح هائل ، وعن كم غير مفهوم . وبغتة خرج من المطعم , لا عن طريق بابه ، بل عن طريق نافذته وهى من زجاج . قذف بنفسه عبر هذه النافذة ، وقد تقدمه رأسه , فاخترق زجاجها وأصيب ، ولكن بجروح برئ مبها بعد شهر . وظل أشهرا بعيدا عن الناس . ثم ذهب إلى مرسم " دى لا كروا " يستأنف نشاطه وفنه . وعاد إلى الحياة .

ولكنه عاد إليها على غير حاله الأول . لقد تغيرت

حياته تغيرا كبيرا ، ما كان منها فى بيته وما كان فى الناس . أما فى بيته فاتخذ التقشف لعيشه أسلوبا ، وعاف الملذات . وأما فى الناس فعاش فى زحمتهم وحيدا . وجاء المطعم ولكن ليأكل ، ولا شئ غير هذا . وذهب عنه غناؤه ، وذهبت أغانيه بذهاب صاحبتها . والجذوة التى اشتعلت فى قلبه تضئ سبيل حبه ، أخذت الآن تشتعل فتضئ له سبيل الفن . والطاقة التى كانت تجمعت ليكون إنفاقها فى المطعم ، صار اليوم إنفاقها فى المرسم . وعاش أمس لإيفون ، وللشعر والموسيقى ، فأصبح لا يعنيه فى الحياة إلى الريشة والألوان ، وما تجرى به الريشة بألوانها على القماش من صور . قال صاحب المرسم الشهير : ظلت عبقرية هنرى مخبوءة فى طيات نفسه ، تنتظر فتاة ريفية غبية لتحكها كما يحك عود الكبريت فيشتعل .

ومات الفنان الكبير هنرى ، ومضت على موته سنة فسنة . وإذا بهذا الخبر يسرى فى تؤدة بين الناس . إن لهنرى جوتريير بضع صور غير التى احترقت فى الحريق ، بل عشرين صورة ، لا ، بل أربعين . لا ، بل مائة . لا بل فوق ذلك عددا . وسرى الخبر فى عالم الفنون فى الدنيا سريان البرق . ويتكشف الأمر عن أن هذه الصور جميعها فى بيت امرأة اسمها مدام "لى كوك " واسم والدها " لي بران " ، وهى صاحبة خان ، فتحته هى وزوجها من زمن بالقرب من مدينة بردو . ويتضح أن مدام " لى كوك " هى " ايفون " نفسها .

لقد أهدى الفنان إليها ، فى آخر حياته ، كل ما كان صنع من الصور فى سنواته الخمس الأخيرة . وقيل للناس ذلك ، ممن كانوا حوله ، فعرفوا سبب اختفائه أكثر تلك السنوات ، فلم يكن يراه أحد إلا نادرا .

ومثل هذه الأخبار إذا خرجت ، وصلت إلى بعض الناس قبل بعض . وكان من أوائل من وصل إليهم خير هذه الصور - خير هذا الكنز الفني العظيم - تاجر

فنون يدعى " كارل هان " فما لبث أن اتخذ سبيله فى تنكر إلى ذلك الخان ، على مقربة من مدينة بردو . وأتى إيفون . فوجدها امرأة فلاحة بدينة يعزها الذكاء كثيرا ، ووجد عندها مائة وستا وأربعين صورة لهنرى جوتربير ، وكلها صور صادقة من ريشته حقا ، ووجدها لا تدرك ما اقتنت ، ووجدها قد وضعتها فى غير عناية بأعلى حجرة فى المنزل ، حيث يخزن الناس متروك المتاع . وأراد ان يدفع لها فى هذه الصور جميعها ١٥٠ ألف فرنك ، وبدأ مساومتها . ولكن يظهر أن لسانه زل ، وحرصه بدا ، فاستيقظ فى روح المرأة حرص الفلاحة ، واستيقظت طبيعة المساومة . وانتهى الأمر بأنها لم ترض أن تبيعه غير صورة واحدة ، وباعته إياها بالـــ ١٥٠ ألف فرنك ، تلك التى جاء بها .

ومع هذا فقد خرج أدهى تجار الفنون بأوربا من عند هذه المرأة وهو مغتبط ، فقد كانت الصورة التى اشتراها " حلم المساء "، والثمن الذى دفعه فيها ثمن غاية فى الزهادة .

وبدأ سيل من الناس يسيل إلي هذا الخان البعيد . فجاءه طالبوه من كل فج ، ومن كل أرض . وتوزعت هذه الصور على بيوتات العالم ، وعلى متاحفه . وخرجت مدام لى كوك وزوجها من كل هذه الصفقات أغىي اثنين بفرنسا كلها .

وانتقلت هى وصاحبها إلى باريس ، إلى أفخم حى فيها . واشتريا فيه قصرا زيناه بأفتح الالوان وأصرخها . ودخلت زائرة إلى القصر تزورهما ، فوجدت بالصالون صورا من أرخص ما رسمت الريش ، وليس بينها صورة واحدة لهنرى . لقد احتفظت ربة القصر من صوره بصورة ، ولكن جاءها فيها آخر الأمر ثمن باهظ فلم تتمالك أن تبيعها . ولم يكن هذا عن جحود . لا ، أبدا . إن هنرى كان يحبها ، وهو لاشك عالم الآن بالذى هى فيه ، فهو سعيد بالسعادة التى هى فيها . قالت : إنا مدينون بكل هذا النعيم لهنرى المسكين .

اشترك في نشرتنا البريدية