ليس يكفى الرجل منا ، إذا هو اعتمد فى رزقه على الناس ، أن يحسن عمله الذى منه يرتزق . فهو لا بد له أن يعلم الناس أنه يحسنه . ومن هذا جاء خطر السمعة بين الناس وطيب الأحاديث وحسن الذكر . كل هذه لها علاقات وثيقة بالكسب ، ولها روابط متينة بالجيب ، ولو أن هذا لا يمنع أن يكون لها مثل هذه العلاقات والروابط بجهات خطيرة أخرى ، كالجنة والنار .
والبيوت ، قد تحسب أنت أنها تقدر بالذى فيها من حجر ، والذى يتخله من ملاط ، وما كساء من حص وكلس ، وكيف كساه . وهذا حق . ولكنها تقدر أيضا كما يقدر الناس ، بالبيئة التى نشأوا فيها . فالبيت الذى فى حارة السما كين غير البيت فى قصر الدوبارة ، ولو بنى كلاهما من واحد ، ومرمر واحد ، وطراز وأ كسية واحدة . نشأة هذا ليست كنشأة ذاك ، فسمعة هذا ليست كسمعة ذاك ، فالثمن الذى يدره عليك هذا غير الثمن الذى يدره عليك ذاك .
وقبل الحرب هذه الماضية ، انتقل صديق جامعى من جامعة فؤاد إلى جامعة فاروق ، وزرته فى الاسكندرية ، فى بيت استأجره ، عظيم سعة وسمو بناء ، وحديقة كبيرة غناء . قلت له : من أين المال ، وما علمت أن العلم يغنى ؟ فأسر إلى بأجر البيت ، فإذا به نصف أجر مثله . قلت : وما السر ؟ قال : قتيل قتل فيه !
هى السمعة إذا , ساءت ، فقل القدر ، فقل الأجر . والحق أنى دخلت وصديقى من بعد ذلك حجرة الكتب وكانت طويلة عريضة ، بها الكتب منثورة ، والأثات
عتيق ، وبها التحف الغريبة . وفى الحجرة الضياء مهدأ مخفتا ، ورمى بظلال الأشياء طويلة مبهمة ، فى الليل الصامت السا كن ، فخلت لساعتى أن القتل لابد حدث فى هذه الحجرة ، فكل ما فيها يغرى بكل فعلة شنيعة ، حتى لتحسب أركانها قد اختبأت صنوف الشر فيها .
وبيت آخر اشتراه صديق آخر فى المعادى ، واشتراه رخص التراب ، وجاءنى الخبر من غير سؤال ، أن البيت كان لطيب أسنان ، مات فى حمامه ، وبقى ميتا فيه بضعة أيام لايدرى به أحد ، فلما درى به الناس ، ساءت سمعة البيت كما تسوء سمعة الرجال . فتحاماه الرجال ، وتحاماه النساء قبل الرجال ، فلم يجد له شاريا ، واشتراه هذا الصديق على علم ، وكفأ على الخبر عند أهل بيته " ماجورا " .
ورجل آخر ، اتخذ من سمعة البيوت تجارة .
كان مدرسا . وكانت كل ثروته من الدنيا زوجة وخمسة أطفال . ووقع له إرث قليل ، ولم يكن له عهد باستثمار المال ، ففكر ثم فكر . واشترى كتبا فى التجارة وكتبا فى الاقتصاد ، وأخذ يقرا . إنه لابد أن يخطط ، ويرسم الطريق ، ولو أنه ذو مئات ، ولكنها مئات عند مثله كالألوف . وهو اعتاد أن يطلب العلم من الكتب ، لا من الناس ، فعاد يطلب العون فى هذا الأمر من الأوراق .
وقرأ حكمة طيبة فى أحد هذه الكتب : أقبل على الشراء إذا أحجم الناس ، وأحجم إذا أقبل الناس .
ومر فى ذهابه إلى المدرسة ، فى البلد الجديد الذى نقل إليه - والمدرس بالطبع لا بد أن يتنقل ، ليتهوى ، وإلا تعفن ففسد - مر على بيت خال لا يسكنه أحد ، فسأل فقيل له إنه " مسكون " . وعرف بالطبع أن البيت إذا وصف بأنه مسكون ، وهو لم يجد فيه أحدا ، فالمراد أن ساكنيه قوم لا تراهم العيون . ومخلوقات الله ذات الأجسام والأجرام لا تحب أن تتنافس أبدا فى سكنى البيوت التى تحتلمها مخلوقات ليس لهم أجسام ولا أجرام .
ومن أجل هذا ظل البيت خاليا لأنه " مسكون"
وعندئذ استبانت له الحكمة التي قرأها في كتاب الاقتصاد بوضوح : أقبل على الشراء إذا أحجم الناس ، وأحجم . . فهذا بيت يحجم عنه الناس ، فوجب عليه أن يقبل .
وأقبل ، واشتري البيت رخيصا .
أما هو فكان لا يؤمن بالعفاربت ، أو على الأقل لا يري معنى لقوم ليس لهم أجسام ، يريدون أن يزحموا في منازلتهم أقواما ذوي اجسام ، لا يكون لهم منهم غير اصطدام وأما زوجته فكانت بين بين . وأما أولاده الخمسة فأخذوا يسمعون من الجيران عن الحوادث التي جرت في هذا المنزل العتيق ، حوادث رأوها رأي العين ، فهي ليست موضع شبهة قط . وهنأ أطفال الجيران أطفال الساكن الجديد ، ووسموهم بالشجاعة ، فزاد ذلك الأطفال رغبة في الصبر على تلك المحنة والصمود لها ، حتى والحرب إن كان لابد من حرب .
وخرج الأب والأم ذات مساء ، وتركوا بالمنزل الأولاد الخمسة ، وكان منهم الذكور والإناث . وسمعوا صوتا غريبا بأعلى الدار . ونظر بعضهم إلى بعض . وإذا بالصوت الغريب يعود . ليس في الأمر شك . ونظروا في الأمر ، وأجموا على أنه لابد من تفتيش الدار . وساروا صفا تقدمه أكبر الأولاد ، وذيلته صغري الفتيات . ولكن صغري الفتيات خشيت أن يجيئها الشر من ورائها ، فأخذت مكانها كبراهن . ولما كان لابد من عدة ، ومن سلاح ، فقد حمل الولد المتقدم بلطة ، وحمل الذي يليه قدوما ، وحمل الآخرون شوكا وسكاكين ، وحملت كبري البنات من الخلف ساطورا ، وتقدموا نحو السلم وهم يغنون ، ويدعو بعضهم بعضا بأسمائهم ، حتى يحسوا الأنس شاملا كاملا . وأخذوا يزأطون ، لأن الأنس عدوه السكون .
وأخذوا يزعقون ، لان الزعيق يكسب القلب الجرأة ، ويكسب العدو التخادل فالهرب .
وفجأة يسمعون صوتا غريبا آخر ، فيحسبون أن الحرب ستكون على جبهتين ، فيدخلون . وكاد ينفرط المقد ، لولا أن صاح أوسط الأولاد فيهم : " الثبات " ، فثبتوا
وأخيرا بلغوا أعلى الدار ، والصوت يسكت ثم يعود .
وعرفوا مصدر الصوت . إنه قفة فيها بلح ، خشيت الأم عليها من النمل ، فعلقتها في السقف بخطاف من حديد , ومس الحديد حديدة معقوفة في السقف ، قصر كلما هزت الريح القفة . وكان الشباك قد فتحته الريح .
وبسكني هذا المدرس ، هو وأهله ، وأطفاله الصغار ، هذه الدار ، أخذت سمعتها كتحسن . ومامضى عام حتى نسي الناس أو اقتنعوا . وهنا وجد صاحبنا الفرصة سانحة للبيع ، فباع الدار بضعف ثمنها .
ولكنه قبل أن يفكر في بيع البيت ، كان قد فتش في المدينة عن دار " مسكونة " أخري .
وكان في المدينة امرأة تسكن هي وزوجها دارا ، ثم مات الزوج ، واختلف الورثة في أمر البيت . وأرادت الزوجة أن تشتريه فرفض سائر الورثة . فعمدت إلي الحيلة .
أرادت أن تسئ إلي سمعة البيت ، ولم يكن خلا من أثاثه ، فجاءته ليلا ولبست بعض ثياب زوجها ، وحملت فانوسا به شمعة , وتراءت الزى والفانوس في حجرة المكتب، وكانت علي الشارع ، لكي يري شبحها المارة. فلما رأوها اختفت .
وما أصبح الصباح حتى سارت الشائعة في الناس أن البيت " مسكون "وأرادت أن تزيد السمعة سوءا فتقدمت تعلن في الناس أنها تتحدى العفاريت , وأنها ستنام هي وصاحبة لها في البيت في ليلة كذا , وجاءت بصاحبتها , وأقام الاثنان في البيت إلي ما بعد نصف الليل ، فلم يظهر
شئ ، فنامتا على فراش مبسر في حجرة المكتب . وما مضت ساعة حتى سقطت الكتب من الرف الأعلى إلي الأرض . فانتفضت الصاحبة من نومها منزعجة ، وصاحت ، وصرخت . وحضر البوليس فحمل المرأتين إلى غير هذا المنزل . وتناقل الناس الخبر ، فكانوا يمرون على البيت فيأخذون منه الحذر .
وكانت المرأة هي المدبرة لأمر الكتب أن تسقط ، وهي على حرف ، عند مرور قطار يمر وراء البيت في ساعة متأخرة من الليل . وكان القطار يهز البيت هزا .
كان هذا البيت ثاني البيوت التي اشتراها المدرس التاجر ، واشتراها رخيصة .
وتسأل : فلماذا لم تشتر المرأة الأرملة بيت زوجها ، بعد ما مهدت له عند الناس هذا التمهيد .
السبب أن الناس تحدثوا عن هذا البيت فأكثروا الحديث ، فأخذت المرأة تصدق ما يقولون ، وخالت أن بالبيت عفاربت ، وهي قد فعلت كما فعل أشعب ، مولى عثمان بن عفان ، وقد اشتهر عند العرب بالطمع فقيل أطمع من أشعب . أرهقه الأطفال في طريق من طرق المدينة ، فأراد أن يصرفهم عن نفسه ، فقال لهم : إن ببيت فلان فرحا وطعاما . فجري الصبية نحو بيت فلان ، فإذا بأشعب يجري وراءهم ، وقد صدق في ما افتري عليهم
وبحلول أخينا المدرس ، هو وأهله ، في البيت ، وبينهما الصغار ، والمعروف أنهم أحس بالعفاربت من الكبار ، حسنت سميمة البيت ، وارتفعت عنه قالة السوء . ثم باعه الرجل بضعف ثمنه .
وهكذا ظل هذا الدرس النابغة يتجر بغفلة الناس ، حتى أثري .
وهو يشكو اليوم وقوف الحال ، ذلك أن أزمة المساكن جعلت الناس يكفرون بالعفاربت . والواقع ان الإيمان بالعفاربت ترف لا يسوغ والضيق قائم .

