في كل أمة حضر وريف ، وأهل الحضر لا يطيقون الريف ، إلا نزهة مؤقتة للتغبير والترويح . وأهل الريف يطبقون الحضر ، ثم هم برغبونه ، ثم هم يألفونه ، ثم يتعلقون به ، فلا يودون إلى الريف عودة ، ومن اجل هذا تزداد المدن في كل أمة اتساعا . وعلى عكس هذا يصير الريف . وهذا داء قديم ازداد سوءا على المدنية الحاضرة ، لكثرة ما اسدنه المدنية إلى الأمصار من راحة ومتعة ، وهي اسباب للتنعم لا تجوز ولا ترخص إلا حيث يتركز الناس في المدن .
وهذه قصة فتاة نشأت في كبري عواصم الدنيا ، ثم لقيت زميل الحياة الذي كان لابد لمزامله من ملازمته إلى حيث
كان رزقه من الأرض ، في ريف بعيد من أرياف الدنيا .
لقيت الفتاة زوجها في لندن ، ثم انتقل بها بعد العرس إلي أقصي مزارع كندا .
ونامت الفتاة في مقرها الحديد أول نومة ، واستيقظت صباحا أول يقظة . والآن فاسمع ما تحكي هي عن نفسها ، عن هذا الصباح الأول ، ثم عما تلاه من اصباح :
استيقظت في ذلك اليوم الأول ، فوجدت أشعة الشمس تلعب فوق وجهي ، وقد دخلت من نافذة من نوافذ في الحجرة صغيرة . والحجرة حجرة عجيبة ، يميل سقفها إلي ناحية النوافذ ، فهكذا بنوها . وفي ركنها الأبعد طمت وإبريق ، ذكراني بتلك الأواني التي تقرنها بالقرن الماضي ، أو الذي سبقه . كل شئ حولى غريب ، فأن أنا يا ترى ؟ وفجأة تنبهت إلي حقيقة الحال . تنبهت إلي أني على بعد بضعة آلاف ميل عن بلدي الأصيل ، لندن . إني في مزرعة ، في كندا ، في غرسها النائي .
وقمت إلي النافذة ، أتعرف في زهو كثير أبنية المزرعة وما احتوته ساحاتها ، فأعجبني منظر الديكة في الحيشان ، ومنظر الأبقار سارحة لاهية متكاسلة في الغيطان ، ومنظر أعواد القمح تتمايل في ازدحامها مع الريح في الحقول البعيدة .
وأخذت طريقي من هذه الغرفة إلى الدور الأرضي ، فهبطت سلما ضيقا معوجا معرجا . وأول ما رايت من الناس زوجي في المطبخ ، وهو يضع اللبن في الفرازة . قال لي وهو يبتسم : إن العمل قد انتهى يا عزيزي . وقد كانت الساعة السابعة صباحا . فوعدت زوجي ان أهذب من عاداتي ، ووضعت الغلاية على النار لأحضر القهوة ، وأخذت في تجهيز المائدة للإفطار .
وتلت بعد ذلك اليوم أيام تعلمت منها أن الصاحي في هذا الريف لابد أن يصحو مع الشمس ، لكثرة ما هناك من عمل ، وتعلمت كثرة ما يحتاجه الفرد من الماء . فقد كان الماء يأتينا من المضخة إلى البيت ، جردلا من بعد جردل ، ومع هذا كنت أتلفت أطلب الماء فأجد الجرادل فارغة . وحاجتنا الكثيرة إلي الماء ، كان لا يقاربها إلا حاجتنا الكثيرة إلي الخشب . فالموقد كان يأكل كل ما نطعمه إياه من الحطب أكلا .
وخرجت ذات صباح إلى حديقة الخضر ، وحديقة الفاكهة ، فوجدت كثرة بالغة من هذه وهذه . ولم أكن قبل ذلك تعلمت كيف تحفظ الخضر وتحفظ الفاكهة . فلجأت إلى جارة لنا ، تبعد عنا ميلا أو نحو ميل ، فعلمتني ما فاتني ، فأثلج صدري من بعد ذلك رؤية الأرفف الكثيرة في بيتنا وقد ارتصت فوقها الأواني ، وقد احتبست فيها خيرات الأرض لحين ، من بسلة حلوة ، إلى جزر صغير ، إلى طماطم غير مهروس ، إلى صنوف اخرى من المخللات والفا كهات . كان منظر هذه الأشياء يدخل على نفسي الطمأنينة ، لمدى واسع ، كأنما طمأ نينة الحياة تمثلت فيها . والضيف يأتي على غير انتظار ، فلا أرتبك ولا أرتاع .
وفرغنا من العشاء ذات مساء ، فقال لي زوجي ، لقد آن أن تتعلمي حلب الآبقار . وقام لتوه ، وأمسك بيدي ،
وذهب بي إلى حيث الأبقار . وتبعته ، ولكن رجلي لم تطاوعاني كثيرا . ونظرت إلي الأبقار بعيونها الواسعة الناعسة المسالمة ، فخلت أنها تتمني لي النجاح . وبدأت أحلب وأخذت الأبقار تنظر إلى مجهودي المضطرب الضعيف في صبر وأناة ، ووضتعت لي صدرها فلم تجفل ، ولم تركل . ووددت أنا من ناحيتي لو ساق لي القدر شيئا أصغر أتعلم فيه الحلب ، كما عز مسنة مستكينة ، أو شئ مثلها .
ولم أكن في حياتي بالمدينة تعرفت من الحيوانات إلي شئ أكبر من قطة ، لهذا أرهقني من حيوانات المزرعة ما أرهق . حتى الدجاج خلته يفزع مني كلما اقتريت منه ، ولكنى لم ألبث أن أدركت أن من يحمل الطعام تأتيه الحيوانات ، كارهة أو غير كارهة . فحملت للدجاج طعامه فأقبل . وما أقبلت نفسي علي الدجاح قط ، ولكني مع هذا جمعت ما كنت أجمع من تحته كل يوم من البيض الطاز ج ، وقد كان يزيد عن حاجتنا ، فنأخذ منه كل أسبوع قفصا به اثنتا عشرة دستة إلى أقرب بلدة ، لنبيعه فيها .
وأغراني زوجي بركوب الخيل واختار لي حصانا مسنا ، لو طلع عليه أسد ما جري ، فركبته ، وطمأنني على ظهره انحناؤه وتقوسه . ودار بي في الحوش ودرت به ، فلم أدر أيهما أسخف ، وأدعي للسخرية ، هذا الجواد الكريم أم راكبه .
ثم الثور ، وكان مخلوقا من تلك المخلوقات التي لا يعتمد الإنسان دائما على مزاجها . وخيل إلى أن بينه وبين النساء كراهة قديمة مقيمة ، فلم أكن اقترب منه حتى يأخذه القلق . ويقترب منه زوجي والخادم فلا يتحرك لهما . ولهذا قنعت من علاقتى بهذا الثور بأن انظره من بعيد نظرات كلها احترام ، ولا أقول خوف ، لأنه كان دائما مربوطا في مربطه .
وذات يوم تأخر خادمنا ، فخرجت إلي الجرن انظر ماذا يصلع زوجي ، فصحت به : هل من معونة ؟ فنال : نعم ، خذي الثور فاسقيه . فلم اصدق سمعي ، أمزحا أراد أم جدا . وتذكرت المثل الذي يقول : إن الإنجليز إذا علموا لم يدركوا أنهم غلبوا . وكنت انجليزية ، فلم أشأ أن
أجرى على غير ما يقضي به المثل . ومن أنا حتى أنقض مثلا قد اشتهر ؟ واقتربت من الثور وأنا أتصنع الثقة بنفسي وأتظاهر بالهدوء . فهز الثور رأسه وحدقني بعينيه كانا ينذرني إذا أنا اقتربت . عندئذ أعملت حيل الحرب وما يقضي به " التكنيك " في الميدان فتقهقرت .
ثم خطر لي خاطر . إني إذا لم أستطع أن أسوق الثور إلي اناء ، فلا شك أننى قادرة أن أسوق الماء إلى الثور . وقمت إلي أقرب جردل وملأته ، ثم حضرت به . فاحتقر الثور هذه الطريقة الرخيصة المبتدعة في سقيه . فكان منه أن ركل الجردل بحافره فقلبه ، ثم تهيأ ليدقه دقا ، وبلغ صوت ذلك مسمع زوجي في أعلي الجرن ، فهرول نازلا على السلم ليري ماجري . وحسبت أنه قلق على ، فقلت له : إنى بخير . ولكنه نظر إلي ما حدث ثم صاح صيحة اليأس ، قال : واخسارتاه ! لقد تحطم أحسن جرد في جرادلنا .
وجاء السبت فركبنا عشرة أميال إلي البلدة الصغيرة المجاورة ، لنبيع البيض ونشتري حوائج الأسبوع ونتسلم خطاباتنا في البريد ، وكانت دار البريد دارا صغيرة تزدحم بالناس في اليوم الذي يحمل القطار فيه البريد ، حتى تصبح من الزحام كخلية النحل ، وهي أزحم ما تكون مساء السبت . وذهبنا إلي دار المحافظة ، وفيها ومنها تحكم البلدة ، فوجدناها شيئا مقاما من الخشب . ودخلنا صالتها ، فوجدت المقاعد قد شغل بعضها بعض الصغار ، وجري سائرهم في الردهة الكبيرة يزأطون وبلعبون . أما الكبار فشغلوا سائر المقاعد ، وأخذوا في مقاعدهم بنزاورون . وعلا الحديث ، وزاد الصراخ ، لاسيما صراخ الأمهات إلي اطفالهن في أقصى الصالة ، وقد أتخذوا من بعدهم عنهن سببا للخروج عن طاعتهن والاستجابة إلي مطالبهن .
وحل موعد السينما فأطفئت الأنوار ، وهدأ المكان هدوء لا بأس به . وجري حوار الممثلين على الشاشة .
وأحيانا بنبهم من حوارهم شئ ، فتجد من كان رأي الفلم قبل ذلك يتطوع فيوضح من الحوار ما قد انبهم . ومضي الزمن فأحسست بالمقعد الخشبي يقسو علي . ونظرت إلي
جيراني من النساء فحسدتهن على ما كن فيه من راحة ووتارة بسبب ما تحتسين به من لحم وشحم ، ذهب عنهن ما دهاني أنا من صلابة الخشب وإموازه الحشو مقعدا وظهرا . وأخرج المتفرجون الأطعمة والفاكهة فامتلأ الهواء ثقيلا بعبير البرتقال .
وانقطع الفلم ، ثم عاد ، فصفق الجمهور لعودته طويلا ، وقد تعود الجمهور أن يري الفلم ينقطع مرة واحدة على الأقل في المساء الواحد .
وعلى الرغم من صلابة المقاعد ، وروح البرتقال الذي عبق به المكان ، فقد أمتعني أن الناس استمتعوا بما رأوا ، وما صنعوا ، وأنهم كانوا في كل هذا مخلصين غير مرائين . وأنتهي العرض فأخذوا يتناقشون فيما رأوا فكأنما هو فلم العام قد استعرضوه للمرة الأولى .
وتناثرت حول مزرعتنا المزارع ، ولم نجد في أهلها إلا صديقا أمان ، ود عن نية طاهرة لنا النجاح في حياة بدأناها .
وقد كنت أحسب أن حياة في مزرعة كهذه سيجد فيها المرء الوحدة ، ويجد السآمة ، ولكن خاب ظنى ، فقد امتلأ زماننا بالعمل فأحسسنا الأيام تجري سريعة .
وينتهي عمل اليوم ، فإذا بالكلاب تنبح تعلن قدوم ضيف ، وإذا بالضيف مزارع جاء هو واسرته راكبين يقضون الأمسية عندنا . ونجلس فى حجرة الجلوس ، وأحيانا في المطبخ ، نتسامر بالأحداث والأخبار والقصص ، وأحيانا يمسك الرجل منهم بقيثاره ويأخذ يغنى ، وهي أغان غريبة تتحدث عن مغامرات رعاة البقر . وهي على الأغلب أغان حزينة يفتقد فيها راعي البقر حبيبته ، او يفقد ركوبته . وهو إذا فقد ركوبته - إذا فقد حصانه ، كان الحزن أبلغ وكانت الغمة أشجي .
وينصرف الضيوف عنا آخر الليل ، وتطاق مصابيح الزيت من بعدهم ، ونذهب إلى مضاجعنا . وفي أثناء طلب النوم نسمع أصوات الريف في ظلامه خافتة صامتة .
