لارسا ، اسم فتاة ووسية ، وسيمة . وهو اسم طريف طريف ، به كثير من وسامة صاحبته . وهو اسم لا يكاد السامع ، لخمة جرسه ، أن يربطه بأتقال الحياة ومتاعيها . ولكن الحياة مع ذلك أئفلت صاحبيته واتعبتها بالرغم من خفة احمها ، ووسامة وجهها
ترووجت لارسا في السابعة عشرة من عمرها ، وسعدت في زواجها وسعدت زوجها . وولدت ولدا ، وهي وأبوه لا يزالان طالبين في مدرسة المسلمين . فهكنا بتزوج الشباب في روسيا ، قبل أن يتأهل للكسب ، وقبل أن يدخل مضمار الحياة .
وجاءت الحرب .
فتطوع الزوج الشاب فى الجيش ، وما تطوع وتدرب حتى أرسلوه إلى جبهة القتال . ومضى على الزوج عشرون شهرا لم تسمع الزوجة فيها عن زوجها شيئا ، ثم جاء الخبر بأنه قتل فى الميدان .
عندئذ صممت لارسا على الثأر لزوجها ، فتطوعت ، ودخلت ميدان القتال ، وتركت ولدها وديعة عند حماتها . واختارت للقتال الأسلوب الذى هو أحق بالمراة وأنسب لها . ذلك التمريض . وما فرغت من التدرب عليه ، حتى لحقت بالجند فى جبهاتهم ، جبهة لينجراد مرة وجبهة أوكرانيا مرة أخرى .
وبينما هى فى جبهة القتال ، جاءها الخبر بأن زوجها لا يزال حيا ، وانه يعمل مع العصابات الروسية وراء خطوط الألمان . ومن تلك الساعة صار أملها الحلو الوحيد أن تلقى زوجها مرة أخرى ، وأن تضمه هو وولدها
منه فى بيت صغير يكون ، بعد الفراغ من الحرب وصخبها ومآسيها ، هادئا هانئا .
واشتدت الحرب وتأزمت ، فلم يبق للارسا بد من امتشاق السيف . فتركت التمريض وخرجت إلى جبهات القتال الأولى ، وأعانت الرجال بالمدفع الرشاش الذى كان لها ، وأعانت فى إخراج العدو من قرية من بعد قرية ، برصاص المدفع تارة وبقنابل اليد تارة أخرى ، وتعرضت فى سبيل ذلك لأخطر ما تعرض له الرجال . وفى أوقات القتال الهادئة كانت تخرج متلصصة ببندقيتها ، فتقتنص ألمانيا من هنا ، وآخر من هناك ، زيادة فى الصيد .
وانتهت الحرب ، وعادت الأسرة الصغيرة ، فاجتمع شملها المتفرق . ووجدت مسكنا لها صغيرا ، وبدأ الزوجان دراستهما من جديد .
واجتمع في منزلهما الأصحاب ذات ليلة . وجرى الحديث فى الحرب ، وما كان فيها . قال الزوج الشاب : فى يوم واحد قتلت خمسة من الألمان . فقالت الزوجة الشابة : وأنا فى يوم واحد قتلت ثلاثة عشر ألمانيا .
وضحك الزوج لمغالبة زوجه إياه ، وقوتها . ومضى فى الحديث يقول : إن العيش وراء الخطوط الألمانية كان مروعا ، ولقد بقينا مرة ثلاثة أيام متتابعة كاملة بدون غذاء . قالت الزوجة : نعم ، لقد وجدنا الجوع مراً أول الأمر ، ولكنه هان من بعد ذلك . ولقد حاصرنا الأعداء تسعة أيام لم نأكل فيها إلا قليلا من البسكوت الجاف ، ومع هنا لم نجد مس ذلك شديدا .
وضحك الجمع . ونظر الزوج إلى زوجته فى غير إشراق ، وصمت بقية المساء . وأرادت لارسا أن تشيع فى الحاضرين شيئا من البهجة ، وشيئا من الحركة ، فأخذت تتحدث عن حوادث الحرب وما جرى لها فى لقتال . وانتهت السهرة ، وأحست لارسا أنها سهرة لم تكن ناجحة .
وفي المساء الثانى عاد الزوج إلى بيته فرحا زائطا ، وفى
يده تذكرتان للأوبرا ، يلوح بهما لزوجته . فسألته الزوجة : هل كلفتاك كثيرا ؟ قال الزوج : وماذا لو كلفتانى ألفا ؟ إن الأوبرا من أحسن الأوبرات وأمتعها .
قالت الزوجة : إنك ياعزيزى تبعثر ما تقتصد في غير رفق ، وأنت لم تسالنى قبل الشراء أأحب الذهاب إلى الأوبرا ، أم أنى قد رتبت للمساء أمرا آخر .
وهكذا بدأ النزاع بينهما وتعددت أسبابه ، وتراكمت نتائجه . وأراد الزوج أن يثبت أنه الزوج ، وأن يمتلك زمام البيت ، ولارسا تأبى له تمليكا واتهمته بأنه زوج عتيق ، يرى سلطان الزوج هو أخطر ما فى البيت وانه الغاية من الزواج . واتهمته بأنه لا يحب ولا يحترم الزوجة إلا إذا كانت دونه قدرا ودونه فطنة .
وذات يوم حملت ابنها وتركت منزلها ولم تعد .
ولكنها ، مع فراقها لزوجها ، كانت مضطرة أن تحضر وإياه إلى المدرسة الواحدة . والتقى بها أصدقاؤها وأصدقاؤه وظلوا يغرونها بالعودة إلى زوجها . وألحوا إلحاحا جعل حياتها فى المدرسة لا تطاق .
عندئذ وجدت لارسا الفرج فى القلم . رفعت قلمها وكتبت قصة حياتها إلى الصحيفة " برافدا " تلك التى تكتب خصيصا للشباب . وطلبت من قرائها النصيحة فيما هى فيه ، وطلبت منهم العون .
وجاءها ستة آلاف جواب .
وقد تحسب أن فى روسيا ، بلد الاشتراكية الغالية ، وبلد المساواة ، يكون أمر مساواة الرجل بالمرأة أمرا مفروغا منه . وقد تحسب أن المجيبين ، ولا سيما
المجيبات ، سلقن الزوج بألسنة حداد .
ولكن هذه الجوابات ، إن دلت على شئ ، فهى تدل على أن المرأة هى المرأة ، أينما كانت ، وعلى أى نظام نشأت فقد تضمنت هذه الخطابات نفس النصائح التى تأتى المستنصح فى سائر الأمم ، أزرقها وأحمرها ، وما بين هذين اللونين من ألوان .
وكان أكثر هذه الخطابات من نساء . قالت إحداهن ، وهى تمثل آراء الكثيرات من النساء : إنك على حق فى فخرك بالذى كان منك فى هذه الحرب . ولكنك على غير الحق عند ما تتحدثين بالذى كان ، وتفاخرين ، وزوجك حاضر . إذا حضر زوجك فاتركى له الميدان ليجول فيه ويصول . إنه الرجل " .
وقالت أخرى : " يظهر أن الحرب أفسدتك ، فلم تعودى تصلحين لأن تكونى ربة بيت ، إن زوجك تواق ، بعد ما عانى فى الحرب ما عانى ، إلى شىء من الراحة والهدوء ، ولست تستطيعين إهداءهما إليه " .
وقالت أخري : " لا شك أن المرأة كفء الرجل ، ولكن ليس من الحكمة أن يقول الزوج قصة ، فيكون كل هم الزوجة أن تقول قصة خيرا منها . إن هذا ليس من المساواة فى شئ " .
وكتب الأخريات ما معناه : إن المشكلة ما كانت لتكون لو أن كلا من الزوج والزوجة عالج الأمر من أوله بالحكمة. واتفقوا جميعا على أنه ، حتى فى البيئة الشيوعية ، يجب على الزوجة أن تفعل وتتخلق بالذى يوحى لزوجها دائما أنه رب البيت وسيده .
