الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 467الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, زواج الست عشرة ، كيف يحلو ؟

Share

لكل زمان طرازه ، وطراز هذا الزمان زواج الواحدة ، وطراز الأزمنة الخوالى ، أزمنة الأنبياء والمرسلين ، زواج الكثيرات ، ويعتقد أهل الزمن الحاضر أن الزواج بالكثيرات مشقة وشقاء . ولو أننا بعثنا رجلا من رجال تلك الأزمنة الخالية ، فأطلمئناه على ما نحن فيه ، لاعتقد أن الزواج بواحدة مشقة وشقاء . ويظهر أن المسألة مسألة عادة يتعودها الناس ، والناس ينكرون ما لم يتعودوه ، فإن أنت حاججتهم أخذوا يتلمسون الحجج لإنكارهم إياه . فالإنكار ينهض أولا تبعا للعادة ، ثم تنهض الحجة فى المكان الثاني .

على أننا لسنا فى حاجة إلى بعث رجل عاش فى عصور الأنبياء ، ليحدثنا عن زواج الكثيرات ، فلا تزال على سطح هذه الأرض أركان تتصل بتلك العصور ، عادة ونظاما ، وإن اختلفت زمانا .

ومن تلك الأركان نيجيريا .

ذهب شاب من شبانها إلى أوربا ، يقتبس من الحداثة إلى القدم ، ومن المدنية المركبة الحديثة ، إلى مدنية قومه البسيطة العتيقة ، وخلف وراءه أبا له ست عشرة زوجة . وعلم من نزل فيهم من أهل الغرب أن له تسعة وثلاثين أخا وأختا ، فأرهقوه بالسؤال ، فلما ضاق بهم ، لم يجفل ، ولم ينكر ، ولم يتزحزح ، بل أخذ يدفع عن حال تراءت له وهو فى أوربا ، كما تراءت له فى نيجيريا ، أمرا عاديا .

سألوه :

س : أتحب أن يشارك أمك فى حب أبيك خمس عشرة امرأة ؟

ج : نعم أحب ذلك ، أحب أن يكون لأبى زوجات عديدات غير أمى .

س : أفلا تجعلك هذه الكثرة غريبا عن أبيك ؟

ج : لا . لا تجعلني هذه الكثرة غريبا عن أبى .

واسترسل يشرح فى أناة ، وفي غير غضب ، وفي غير استخفاء :

- وستعجبون أيها الغربيون أنه لم يقع بين زوجات والدي الكثيرات خصام يذكر . ولم يقع طلاق . ونحن الأولاد نحب هذه الكثرة لأن معناها الغنى ، كما تحبون أنتم القلة ، لأن معناها عندكم الاستغناء . إن الكثرة فى بلادنا معناها الثروة ، وقد لا تكون كذلك فى بلادكم .

ولقد عدت إلى بلدى منذ سنة مضت ، ووصفت لأخي " أوكافو " من أمركم  ما وصفت ، وجئت على زواج الواحدة ، فهز أخي رأسه استنكارا ، وقال إنه الزواج النمس ، وأنا أهز رأسى معه ، وأصف زواجكم بالتعاسة ، على الرغم من بقائى فيكم سنين طويلة .

إنكم تتزوجون الواحدة ، ولكن الكثير منكم لا يلبث أن يسيء إلى الواحدة . وهو إن رضى الواحدة قرضا أنكرها عملا . وقد يغيب الغائب منكم في الأمساء عن بيته ، فيسأل الولد أمه عن أبيه ، كيف يقضي أمساءه ، فتقول الأم فى حسرة : إنك يا بنبى أصغر من أن تدرك ، وسأحدثك عن هذا عندما تكبر . أما الولد منا فى نيجريا فيسأل أمه عن أبيه ، كيف يقضى أمساءه ، فتقول له فى غير حسرة : إن أباك يا بنى رجل ثرى قوى ، وإن لك غيرى أمهات أخريات هن لى أخوات كثيرات .

ولقد أذكر طفولة قضيتها فى باعة أبى ، فى تلك الساحة الكبيرة التى انتظمت حولها مساكنه . كنا جميعا أسرة واحدة على اختلاف المنازل . ونخرج جميعا إلى ساحة

الدور نلعب ونزأط ، ونجرى ونقع وننهض ونضحك ، فى مرح لا يقل عن مرح ما رأيت عندكم  من أطفال . مع فارق واحد . أن بين أطفالكم ، وهم يلعبون ، قد تدخل الإحن ويدخل التحزب وتعزف فئة عن فئة . أما فى ساحتنا فلم يكن خصام ولا تحزب وتكتل ، لاننا جمعتنا جميعا نطفة واحدة نزلت من أب واحد .

ولقد عشت مع والدتى إلى أن شببت . وكانت أمى أولى زوجات أبى ، فسكنت معه الدار الأولى . حتى إذا جاء دور غيرها ، نزحت عن تلك الدار الأولى ، فزادت كرامة وزادت حرمة بسكناها دارا لها جديدة ، هى فيها السيدة الآمرة ، ولها فيها خدمها والأتباع .

ولأن والدتى كانت الزوجة الأولى لأبى ، صار ابنها البكر الوارث الاول ، وسوى العرف بين سائر الإخوة والأخوات فى الميراث .

وعندما بلغت الثانية عشرة ، وجب على أن أترك منزل والدتى ، فانتقلت أعيش مع أقرابى والدتى إلى  منزل واحد ، ضمنا جميعا ، فيه نمنا وقمنا وأكلنا ولعبنا ، وفيه درسنا . وظلت لأمى رعايتى ، إلا فى التعليم والترويض ، فإن غابت وغاب أمهات الآخرين ، قام الخدم على رعايتنا . وفى هذا البيت عرفت معنى الأسرة وتذوقت لذة اجتماعها .

ولما تركت والدتى جاءت تسألنى عن حالى . فقلت خير حال . وسألتها على عادتى شيئا من الحلوى . فقالت : لا ، إن الحلوى تأخذها من اليوم فصاعدا من يد أبيك لا من يدى . وهكذا يفعل أخوانك ، لتأخذوا جميعا بالسوية فلا تكون محاباة .

ومثل الذى جرى علينا نحن الأولاد ، جرى على الأمهات . فما اشترى والدى ثوبا جديدا لأمى حتى اشترى مثله لأمهاتى جميعا . وما اشترى لها مكنة للخياطة حتى

اشترى لهن ، ولا جوهرا إلا اشترى منه بعددهن .

ولا توجد فى نيجريا مهارة أوزنا ، ولا تلد المرأة قبل أن تتزوج . فإن حدث شئ كهدا لفتاة لحقها العار ، ولحق أخواتها والأسرة . لهذا تحرص الفتاة على سمعتها أشد الحرص .

ونحن نطلب الزواج فى غير استحياء . بلغ أخى الأكبر سن السابعة عشرة ، فقال لأمى إنه يريد الزوجة ، وسألها أن تبحث له عنها . وبعد اسبوعين اجتمعت الأسرة من آباء وأمهات ، وأعمام وعمات ، وأجداد وجدات لتختار لأخى الأكبر زوجة ، واستعرضوا المترشحات ، واستعرضوا أوصافهن وشكلهن وصحتهن وكل شئ فيهن ، وأخيرا انهوا على أن ابنة " شوكوبكا " خير البنات " وكان اسمها " أولينة " .

وفى اليوم المحدد قامت الأسرة كلها إلى الجبل المجاور التى تعيش عليه أولينة وأهلها ، وحملوا معهم العطايا والهدايا وخمرا نخيل . وما وصلوا إلى بيت " شو كويكا " حتى أنزلوا أحمالهم .

وجرى الحديث بين الأسرتين فى كل شئ إلا الزواج . جرى الحديث فى الحصاد وفى الجو وفى السياسة . وأخى العريس جالس يسترق النظرات من عروسه وهى تقوم على الأضياف توزع الخمر والفطير .

وبغتة قام والدى واتجه بحديثه إلى رب البيت يقول : أظنك تدرك السبب الذى من أجله حضرنا . إن ابنى الأكبر يريد أن يقترن بابنتك أولينة ، وإنه ليشرفنا أن تقبل منا ذلك .

وما فتح الموضوع حتى كانت الأم قد خرجت بابنتها على عجل نحو المطبخ . وفى المطبخ سألتها أمها ، أترضى عن زوجها . فكان جوابها نظرة حفرة إلى الأرض . وكان معنى النظرة : نعم .

وعندئذ جاء دور المهر ، والمهر فى نيجريا يتراوح بين العشرين والخمسين جنيها .

وفى أثناء هذه الخطبة رأى أخى قليلا من عروسه ، ورأت منه . ولم ينفرد بها ولم تنفرد . ولم يقبلها ولا جرى بينهما غرام .

وجاء يوم العرس ، فاجتمع عند بيت العريس أقرانه الأعزاب يشربون ويرقصون ويصدعون بالغناء . واجتمع عند بيت العروس ربائبها والولائد .

وجاءت الساعة التاسعة مساء ، فانتظم موكب العرس ، وسارت العروس فيه مع أهلها نحو بيتنا . وكانت فى أزهى لباس ، وعليها الحلى والجوهر . وتقدمت العروس الموكب ، وإلى جانبها أقرب صديقاتها ، ومن ورائها ذكور الحى يحملون المتاع ، وقد زاد ثمنه على المهر كثيرا . كان أحدهم يحمل مكنة للخياطة جديدة ، وكان آخران يرزحان تحت ثقل صندوق عظيم ، وآخرون حملوا أشياء  أخرى من المتاع . وعلى الجانبين وقف القرويون يعجبون بالعروس وما تبعها من أشياء .

وبعد استلام المتاع والهدايا بدأ الاحتفال واشتد الرقص . وفى الرقص لم يمس الشاب فتاة ولم تمسه . ولم ينزوين معهم فى أركان المكان يتحدثن أو يسمعن حديثا عن أنفسهن . إن العزل عندنا ممنوع . وجاء الصباح فانفض الجمع .

ومضت الأيام فالأشهر فالعام ، وانتظر الناس الولد ، فلم يجىء . وأخذت الأسرة تحقق . وكانت أولينة أشد الرجال والنساء قلقا . فالعقم عندنا صنو العار . لهذا أسرعت أولينة يوما إلى أمى فقالت لها : إنى أحسب أن زوجى بدأ يهجرنى من أجل الولد ، فهو يقضى أمساءه بعيدا عنى ، يشرب مع رفقائه . وأظن أن الحياة تعود إلى مجاريها لو اتخذ له زوجة ثانية .

واختارت أولينة لزوجها الفتاة ، ولم تمض أسابيع حتى أعرس أخى عرسه الثانى .

اشترك في نشرتنا البريدية