(ماتلدة الصغيرة أخت الملك جورج ، ملك انجلترا ، الزوج كرسليان ملك الدنمركة . وهو ملك مرزوء في عقله وجسمه . فلسوء عصرتهما ، ولسوء أيام الملكة معه . ثم يصبح الملك ، ويعود الى مقر ملكه وفي صحبته طبيب شاب )
بدأت خطة الطبيب الشاب بالتحبب إلي الملكة وكرهته الملكة لا لشئ إلا أنه صاحب الملك وخصيصه ، ولكن حدث ان مرضت ، فأرغمها الملك على أن تقبل زيارته إياها . فلما زارها اختفي في الساعة الأولى كرهها إياه . كان حاذفا ، وكان عطوفا ، وكان لبقا . وشفاها
ثم هو من بعد ذلك أغراها على الخروج وترك العزلة ، وأقواها بركوب الخيل تظهر على ظهورها في الناس ، وكان عجيبا في الدولة ان تظهر امرأة ملكة على ظهر جواد .
ولكن الشعب سر ، ما رأي . وعين الملك صاحبنا قارئا له ، وكاتبا للملكة ، فعاش في القصر ، وتبعهما كما يتبع الظل الأشياء . وخرج الثلاثة دائما معا ، ولم تستطع الملكة على فراق طبيبها ، وكاتم اسرارها ، صبرا . وفي صيف عام ١٧٧٠ ذهب الثالوث إلي بلدة هلشتين يتروحون وكانت الملكة فرحة مرحة . وصفا الجو فتغلغل إلى رأسها كما تتغلغل الخمر ، فسكرت ، ونسيت ، نسيت انها ملكة ، بل نسيت أنها امرأة ، فخرجت إلي الناس في زي الرجال .
وأخذ الملك يزداد ضعفا ، ويزداد عقل كلالا . وأخذ الطبيب يزداد على الشباب ، وعلى القوة ، وسامة وإشراقا ،
ولمللكة الصبية توهجت وجنتاها على الصحة ، وجري الدم في عروقها حارا
ولم ينقض هذا العام حتى خلع الطبيب الغامر عن نفسه ثوب التخفي ، وظهر في وضح النهار ، يطلب زمام الحكم ويأخذه ، فعزل من عزل ، واستبقي من استبقى ، ثم بدأ عهدا للحكم جديدا ، هال الإرستقراطية وسر الأحرار حتى تقدم قلتير إلي الملك بتهنئته الشهيرة . كان إصلاحا لاشك فيه ، جري فيه على تحرير الفقير ، وإنجاد المظلوم ، وإعطاء المحروم ، وتحطيم البالي من الأمور . وكان أجنبي المولد ، أجنبي النظرة ، فرأي على البعد ما رأي من أحوال هذه الأمة على صفاء ، فلم يكدر نظرته منافع له قديمة ، ولا عرف مألوف .
وخطا خطوته الكبرى ، فحمل الملك المأفون على طرد وزيره القديم ، برنشورف . وحمل على مجلس الدولة - مجلس الملك ، فعطله . وأصبح دكتاتورا ، يأمر ولا يرد له امر ، ويحرم ولا تنقض له احكام . وارتاعت أوربا الذي جري . وكترينة ، قيصرة روسيا ، ضحكت ضحكا عاليا . وجورج الثالث ملك الإنجليز ، غضب ، وبعث إلي أخته الملكة يؤنب ، فأشاحت عنه بوجهها .
وظل هذا الطبيب ، هذا الحاكم الأمر الناهي الجديد ، يتابع الإصلاح في غير خوف ، ويستمد القوة من شفاء لم يستطع أن يعقد عليها وفي إصلاحه خاصم الأشراف ، وخاصم الكنيسة ، وخاصم القضاء . وفي إصلاحه أرخص الخبز واسس المستشفيات . وفي إصلاحه أعطي الحرية للقلم واللسان . كان إصلاحا على غير رؤية ، وكان سريعا . كان اصلاح من ري أن المساء لا بد ات وأنه عند الظلام تتوقف الأعمال . وكان إصلاحا تحت وقدة الحب ، وشمس الحب لا بد آملة وإن طال النهار
وتحدثت الصحف عن المغامر الفاجر ، وأخذت تسخر به وتهزل . وبالصور الموحية أخذت تنوء بالذي يجري
وراء الستار ، وهو هو الذي فك عن الصحف عقالها ، وحل عقدة من لسانها وشاعت الشائعة بأن ولي العهد الطفل ، تساء معاملته ، وان اللك يضرب ، وكانت شائعات كاذبات . وولدت الملكة ابنتها ، فقال الناس إنها لغير ابيها . وزاد الطين بلة ان تدخل الطبيب الحاكم الأمر في امر الجيش وأمر الأسطول . وهنا اشتد التبرم به . وأخذ لا يخرج إلا في حرس .
وجاء يوم ميلاد الملك ، وكان فيه احتفال عظيم . ولكن شاع ان هناك مؤامرة ديبرت لاغتيال الطبيب في تلك الليلة . فما كان منه إلا إن احجم عن الذهاب . وفعل كثر من ذلك : رفض ان يأذن الملك والملكة ان يذهبا ، وبقي الناس ينتظرون رأس الدولة أن يظهر بغير طائل . إن الحكومة قد يكرهها الناس ، ولكنها تبقى ، لأنها تخيف الناس . ولكن إذا خافت هي ، على الكره ، كان في هذا القضاء عليها . وكذلك الرجال . ولاول مرة أظهر الدكتاتور لأعدائه خوفا كان فيه القاضية . وتحركت جليانة ، الملكة السابقة ، زوجة أبي الملك الحاضر ، تحركت تتقاضى دينها القديم من الملكة الحاضرة ومن صاحبها العاشق
وجاءت ليلة من يناير عام ١٧٧٢ ، أقيم فيها مهرجان للرقص كبير . وظهرت الملكة في ثوبها الجميل ، وهو أبيض من حرير ، تزينها الورود مزر كشة . وظهر الدكتاتور في ثقة من نفسه كالتي كانت له قديما .
وانفض الحفل ، فذهب المتآمرون إلى حجرات الملك ، وبأقراء قليل جعلوه يمضي ورقة فيها القبض على الطبيب وعلى أتباعه . وعقب ذلك قدموا الملك ورقة اخرى طال إغراؤهم إياه بإمضائها ، ولكنه امضاها اخيرا . وكان بها سجن الملكة بعض حين .
وذهبوا إلى حجرة الطبيب الدكتاتور ، فأخرجوه من فراشه ، ووضعوه في الأغلال . وعلمت الملكة بالذي
سيجري ، فهمت تطلب حجرته ، فوجدت عند بابها الحراس . وما لبثت ان ادركت انها جرت في لباس نومها فرجعت مسرعة إلى حجرتها . وتبعها الحراس يقبضون عليها ، فأرادت أن تقذف بنفسها من النافذة فما استطاعت . وأخرجوها بالليل ، تحمل طفلتها على ذراعيها ، فار كبوها عربة ، ظلت يجري بها على تلوج الطريق بضعة وعشرين ميلا ، حتى بلغوا بها بلدة كرونيرج ، وأودعوها سجنها . وفي السجن عوملت كبعض السجينات . وكان كساؤها القليل ، وغذاؤها ما لا يؤكل .
ومن كوة في سجنها رأت على البعد انوارا تضيء ناحية العاصمة . وسألت ، فقيل لها : إن الشعب يحتفل بسقوطها .
وتحدث الناس في لندن همسا بأن أميرة من الأميرات اسيرة في برج بمدينة ما . وزاد رواد المقاهي لغطا لما ظل القصر صامتا ، وظلت الحكومة . وحاول سفير انجلترا في الدنماركه ان يزور اخت كليكه ، فما أفلح . ولم يكن السفير ذا صلة وثيقة بالملكة ، بل لم يكد أن يكون له بها صلة اصلا ، إلا كلمات معدودات بادلها إياها في مناسبات وجبت في رأي الدكتاتور ان تكون قليلة . ولكن منذ حدث ما حدث لم يستقر بالسفير مقعد . وكتب إلى ملكه بخبره الخبر . وكان الملك غاضبا علي اخته فلم يتحرك سريعا وبكت ما تلد في السجن ، لا على شيء ، إلا أن حبيبها قد سجنوه ، وقد جردوه . أما هو فقد رأي في أمر الحب غير ذلك . رأي ان البلاط الإنجليزي لا يود الفضيحة ، فكتب وثيقة يعترف فيها بعلائق غير شريفة كانت بينه وبين الملكة . وظن بذلك ان القصور ستتحرك ، لتقتل الشر في مهده ، فيكون لنفسه من ذلك الخلاص
ولكن اعترافا كهذا ، إذا لم يثبت ، ولم يستطع صاحبه ان يدلل عليه ، كان جزاؤه الموت . وعرفت اللكة السجينة ذلك ، فلم يشغلها غدر حبيبها ، ولكن
شغلها خلاصه كيف يكون . فكتبت هي الأخرى وثيقة تؤمن فيها على ما قال امنت على دعواه لينجو ، فقضت بذلك على نفسها ، وعلى ملكها ، وعلى شرفها ، وعلى كل شئ في الدنيا . كانت تحبه حتى على الغدر . وحفظت له الجميل بأنه جعل من سواد حياتها بياضا ، وبدلها من بؤسها ويأسها النعيم والأمل
ولكن لم ينفع كل هذا ، فحكموا على الدكتاتور بالموت . ومات ولم يرسل إليها كلمة ، ولم يطلب إليها العفو والمغفرة . وكانت تصغره بسنين
وحاكموا الملكة ، وطالبوا بطلاقها . واحتج السفير البريطاني بأنها محاكمة غير عادلة . ولم يكن عند القضاة الكفاية من ادلة . وكان من وراء الحكم بطلاقها السجن تقضى ،به كل عمرها . ولما لم يستجب القضاء لاحتجاج السفير ، زار الأسد الرابض وراء البحر ، وتحرك الملك جورج اخيرا يدفع عن أخته الصغيرة ، ماتلدة ، وقد ترامي له وجهها من وراء قضبان . وهددت انجلترا بالحرب تشنها عارمة مهلكة . عندئذ رأت جليانة ، الملكة السابقة ، التي قامت تشفى غلها ، وتثار لنفسها ولولدها ، رات جليانة ان وقت التقهقر قد حان .
وفي ليلة من لبالي يوليو تراءي الأسطول البريطاني عند الساحل . فخرجت الملكة السجينة إليه ليحملها إلى حيث يستقر بها المقام . إلي لندن ؟ لا . فقد حرم عليها دخول انجلترا . ولكن إلى هانوفر . وذهبت وحدها دون ابنتها ، فقد قضى القضاء الدنمركي بشرعية هذه الابنة وبأنها ابنة الملك حقا . وشق ذلك على الأم البائسة .
وقضت في مهبطها الجديد بضع سنوات ، قامت من بعدها حركة في الدنمركة تهدف إلى ردها إلى الملك ، ولكنها ماتت قبل أن تتمخض هذه المحاولة عن شئ . وكان عمرها عند زواجها خمسة عشر عاما ، وكان عمرها عند مونها ثلاثة وعشرين عاما .

