إن الزواج غاية فى الغايات ، يهدف إليها الناس ، بل هى غاية الغايات فى عرف الحياة ومطالب الطبع والطبيعة . والرجل منا ، والمرأة ، تطلب الزواج وترجو له أن يدوم . وهو كثيرا ما يتصل ، ولكنه كثيرا أيضا ما يخونه الدهر فينقطع . وهو ينقطع بالموت حينا ، والخلاف فالطلاق أحيانا . وود الإنسان لو عرف بالإحصاء كم يتصل الزواج فى مصر وكم ينقطع ؛ ولكن بلادا غير مصر ، تمعمنى بالإحصاء وتقدر على كافته ، تنبشا بأن المدنية الحاضرة ، والظروف الحاضرة ، لا تعين على ثبات الزواج كثيرا . ففى أمريكا أحصوا أنه من كل ثلاث عقد يعقدها الزواج ، يحل الطلاق منها عقدة . وقد أثار هذا الحل فى نفس الناس ، والبحث ، أسئلة كثيرة ، وتشوقا إلى معرفة أكثر ما يعرف مما هو وراء الستار فى هذه الأحوال .
ومن أمثلة ذلك ، كم من الفرص تكون للمطلق أو المطلقة أن يتزوجا من جديد . وفى هذا يقول قلم الإحصاء فى الولايات المتحدة : إن الفرصة تتاح لسبعة من كل ثمانية ، فلا يمر على هذا أو هذه سنة فسنة فسنة حتى تجد شريكا فى الحياة جديدا .
وتقل هذه الفرص وتزيد حسب الأحوال . فالمرأة التى مات زوجها لا تكثر فرصها كثرة كبيرة ، ولكنها على كل حال تكون أكثر مما إذا لم تكن تزوجت أصلا . والرجل الذى فقد زوجته بالطلاق أو بالموت تأتيه فرص فى الزواج كثيرة . والفرص عادة تكثر مع السن الصغيرة ، ولكن الرجل الذى قد بلغ حتى الخامسة والأربعين تقبل النساء عليه بالكثرة التى يقبلن بها على أعزب فى الثلاثين .
والمرأة العانس ، إذا بلغت الخامسة والأربعين ، لا تأتيها
فرصة للزواج إلا إذا حدثت معجزة ، ولكن غير ذلك ، المرأة التى طلقت فى الخامسة والأربعين ، فهذه تدل الأرقام على أن لها من فرص الزواج مثل ما للمرأة التى ترملت فى الثالثة والثلاثين ، ومثل ما للعانس إذا بلغت الثلاثين . ولا يؤثر فى ذلك نصيب المرأة من جمال أو نصيبها من مال .
والزواج من بعد زواج أقرب إلى الرجال منه إلى النساء فى عمومه ، وكثيرا ما يكون هذا بسبب اختلاف موضع الرجل وموضع المرأة التقليدى فى المجتمع . فالمراة التى ترملت ولها أولاد ، يعد الرجل أولادها حملا ثقيلا . أما الرجل الذى ترمل فقد تقبل عليه المرأة ، لأنه رجل قد هدأ واستقر ، واعتاد أن يحتمل بلا ينوء بالحمل ظهره ، وهى بخدمته أطفاله ورعايتهم تكسب منه الحمد والعرفان بالجميل . وخدمة الأطفال الذين ذهبت أمهم هى فى العادة عند المرأة لذة ، لها عليها بحكم الطبع إقبال .
ويقول الثقات إن الذى تعود ما يعطيه الزواج من راحة ، وما يسديه من صحبة ، يعز عليه أن يفقد هذه الراحة وهذه الصحبة ، وهو يسعى دائما أن يعود وتعود ومن أجل هذا كان العود إلى الزواج ، حتى ممن ظنوا على اليأس أن لا تكون عودة .
على أن العود إلى الزواج تكتنفه مصاعب .
ومن تلك المصاعب ذكرى الزواج الأول ، وما كان فيه من خيبة . ومن مصاعبه وجود الأطفال . فقد تقبل الأم الجديدة على أطفال الرجل ، وهى ليس لها اطفال . فإن عقمت بطبعها فهذا يكون لخيرها وخير من ترعى . وإذا هى لم تعقم ، فنظرها إلى الأطفال يحثها أن يكون لها مثل هؤلاء ، فإن عاقها عن ذلك عائق أحست بالفشل ، وبالرد عما تصبو ، وحملت فى قلبها الضغينة . وإن هى أتيح لها الولد تعبت فى بلوغها الإنصاف الكامل ، لولدها ولولد غيرها ، هذا إذا هى طلبت الإنصاف ، فمن النساء من يغرن حتى من الأموات .
تزوج محام ببلد صغير ، ثم ماتت زوجته عن ابنة صغيرة . وعاد الرجل فتزوج . وجاء يوم علقت فيه الزوجة الجديدة صورة الزوجة الماضية على الحائط فى حجرة الجلوس . وجاءها صواحيها ، فاستغربن للذى صنعت . ولكن الزوجة قالت فى بساطة : إن بنيتى هذه لا تذكر أمها الحقة ، فأنا أريد أن أذكرها بأمها الأصيلة ، لتعلم أنه كان لها يوما أم رائعة جميلة .
قالت صواحبها : أفلا تعكر هذه الصورة عليك مزاجك ، وهى تنظر إليك هكذا من فرق هذا الحائط صباح مساء ؟
قالت المرأة ؛ لا . أبدا ، تقصدن الغيرة ؟ ولكن كيف يغار الحى من الميت ؟
ولكن الواقع أن الحى يغار من الميت ، فهكذا الكثيرات من النساء ، وهذه المرأة كانت فى النساء غير كثيرة الأمثال .
إن الضرة الحية ، كالضرة الميتة التى تعيش فى أطفالها ، تنذر سعادة البيت الجديد بأن لا تدوم . واللذان يتزوجان من بعد زواج . لابد لها من حكمة سليمان ، وصبر أيوب ، ليجتازا الأزمات التى تثيرها الأطفال فى بيت ليس الأب فيه أبا كاملا شاملا ، أو ليست الأم فيه أما كاملة شاملة . ولكن كل هذا يسهله الثقة المتبادولة ، والحب المتبادل ؛ الحب يبذل بعضه لزميل الزيجة ، ولكن يبذل أكثر لذيول هذه الزيجة ممن فقدوا الآباء أو الأمهات .
على أنه حتى مع غير الأطفال ، قد يعكر الزيجة الجديدة أطياف من الماضى لا تريد أن تتزابل ، ويعين على إحيائها نزق فى المرأة أو حمق فى الرجل .
تزوج رجل لأول مرة بامرأة مطلقة . ولم يكن قلبها قد فرغ كل الفراغ من زوجها السابق . وهل تفرغ القلوب هكذا بغتة بعد عشرة السنين ، فكانت لا تفتأ تذكر ماضها معه . ونطقت بالذى بدور فى خلدها فأسمعت . وشجعها سكوت زوجها على الزيادة حتى صارت الزيادة عادة .
فلما ضاق زوجها بما يسمع من محامد من حل هو مكانه ، ومن قيمه وكفاياته ، ولم يرد أن يرد الجميل لصاحبته بمثله مصارحة ، عمد إلى ذكر أمه ، فأخذ بذكرها لزوجته فى اليوم عشر مرات ، ويذكر فطائرها اللذيذة ، وطبخها الشهى ، وما كانت تصنع إبرتها من جميل الثياب . وفطنت الزوجة إلى معنى زوجها ، وفى سرعة البرق سكتت عن زوجها السابق فلم تذكره أبدا . وسكت الرجل عن ذكر أمه ، وطابت العيشة واستقام الحال .
إن افتقاد الزوج ، بالطلاق أو بالموت ، بلية لا شك فيها والزواج الجديد من دون إنجاحه صعوبات . ولكنها صعوبات تستأهل كل ما يبذل الرجل ، وتبذل المرأة ، فى تخطيها ، من جهد ، فهذه الدنيا لم تخلق ليسير الرجل منا ولتسير المرأة ، وحده أو وحدها ، إلى آخر الطريق . والذى يفضل أن يسير طريق الدنيا كله وحده ، سيجد فيه آخر الأمر الوحدة ، ويجد الوحشة ، فى وقت ، إذا هو طلب فيه الرفيق ، عز الرفيق . أو على الأقل عز الرفيق الموافق . فالموافقة ، حتى بين المختلفين ، تتولد على السنين . والألفة لا تكون بغتة ، ولا بد لها من ماض يذكره الأليف ذكر الشئ الجميل .

