الفرق هائل بين أن تصنع شيئا وأن تتقنه وفى مصر نستطيع أن نصنع كثيرا من الأشياء وهى تجوز فى مصر لأن كثيرا من عامة مشتريها لا يعرفون أكثر من هذه الدرجة من الإحسان
وصناعة السينما بعض هذه الصناعات وهى صناعة لا يكون الإتقان فيها إلا بالتخصص ونحن بحمد الله لا نؤمن بالتخصص اعتمادا على أن الجمهور لا يكاد يدرك معنى الإحسان فنجمع ارتكازا على ذلك بين تأليف القصة وإخراجها وتمثيلها ولعل من بعض أسباب ذلك إيماننا بأن العباقرة عندنا يستطيعون مالا يستطيعه عباقرة من أمم أخرى وأجناس أخرى أليس عباقرتنا عباقرة مصريين
ولكن ما هكذا إيمان الناس بالكفاية فى هوليوود هناك الناس أعرف بأقدار الأنفس فهم لا يكلفونها فوق ما تطيق من أجل هذا قسموا صناعة السينما أقساما عدة وقسموا هذه الأقسام من بعد ذلك أقساما صغرى أخرى حتى تجد آخر الأمر رجلا قد اختص على علو كمية فى الثقافة وعلى مكانته من العرفان بجزء فى الإخراج صغير حقير لا يظهر أثره بارزا على الشاشة أبدا ومع هذا فقد يكون لغياب هذا الأثر على خفائه إهدار عنصر من عناصر العرض يكسب الرواية فى الجمهور الناقد الإخفاق والكساد ومن تلك الأقسام التى تقسمت إليها الاختصاصات فى السينما قسم الإفتاء
وقسم الإفتاء يتألف من قوم باحثين على رأسهم مقت مهمتهم أجمعين أن يؤلفوا بين ما يجرى على الشاشة وبين ما يجرى فى الحياة كل تفاصيلها حتى
لا تنقض هذه ولا تلك هذه ومعنى هذا أن هؤلاء الباحثين لابد أن يكون لهم علم بكل منحى من مناحى الحياة أو فى استطاعتهم أن يتصلوا لساعتهم بمن يعرفون وفى الروايات التاريخية لابد أن يوجد بينهم المختصون الذين يعرفون العصور لا عصور ملوك وحكام ولكن يعرفونها عصور شعوب يأكلون ويشربون وينامون ويجرون الحياة على أساليب لابد أن تتكشف للباحث على تفصيل أى تفصيل والعلم الحديث لابد أن يكون لهم فيه نصيب غير قليل
مثال ذلك أن المفتى لا بد له أن يعلم أن الرصاصة إذا انطلقت من مسدس ذى ماسورة طويلة احتفظت الرصاصة بحرارتها دقيقتين وأن ساعة لندن الشهيرة إذا دقت فحمل اللاسلكى أصداءها إلى العالم كان بين كل دقة ودقة إحدى وثلاثون ثانية
حدث منذ سنوات أن قام مفتى شركة ورنر بالإفتاء فى إخراج الرواية الشهيرة عن حياة زولا وقام بدور هذا الكاتب الفرنسي الشهير بول مونى وكان من الصعب جدا عرض مناظر باريس في الحقبة التى عاش فيها زولا عرضا مبرأ من الأخطاء كان لابد من عرض شوارعها ومخازنها ومسارحها على الحالة التى كانت عليها عند ذاك وظل مكتب الإفتاء يبحث الأمر قرابة عام بحثا طويلا مرهقا وجاءوا بآلاف من مجلات ذلك العصر وكتبه وصوره وصحفه حتى خرجت الرواية آخر الأمر أدق ما تكون إخراجا وأصح ما تكون وقائع ومظاهر واستلقى الباحثون على مقاعدهم يتنفسون الأنفاس هادئة مطمئنة بعد جهد جهيد
ولكن بغتة يخرج لهم النقاد بما يذهب بطمأنينتهم ويعكر صفوهم ويفسد عليهم جو تلك السعادة التى ركنوا إليها أما موضوع النقد فنوع من أنواع السمك ظهر فى الرواية يعرف بجراد البحر ويسميه الأمريكان لوبستر والفرنسيون هومار وهو كالجنبرى ولكنه أضخم وأعظم
نعم قامت قيامة النقاد لهذا السمك لأنهم عرضوا على الشاشة جرادا أمريكيا له خطافات كالمخالب فى حين أن الجراد الفرنسى لا مخالب له نعم لا مخالب له وتلك حقيقة يعرفها كل أبله !!
وقد يأتى النقد من جهة لم تكن محتملة أبدا يأتى من سواقى القطارات لأن قطارا سار فى مقاطعة كذا فصفر صفرة لا تعرفها تلك المقاطعة أبدا وقد اتضح أن صفارات القطارات تختلف فى أمريكا بإختلاف الشركات وفى غير أمريكا تختلف بإختلاف الأمم فبعضها الرفيع الصارخ وبعضها الواطئ الأخشن وبعضها يصفر كزمرة وابور البحر عشرات كثيرة من الأنغام
وكثيرا ما يأتى النقد من مدرسى المدارس وكثيرا ما ينصب على مخالفة لحقائق التاريخ وقد يتعمد المخرج لحاجة القصة التى لا تقصد إلى الصحة أن يجمع بين شخصيتين حبيبتين فى عام واحد بل تحت سقف واحد قد فصل التاريخ بينهما بحقبة أو حقبتين وعندئذ تأتيه الكتب ترى التجهيل والتسفيه والتجهيل فى أي شئ فى شئ يدرسه طلبة المدارس وعندئذ يرجع المخرج إلى نفسه يسألها أكان فيما خرج فيه عن حقيقة التاريخ مستأهلا كل هذه الضجة وقد يعند فيصر وقد تغلب عليه الحكمة فلا يعود
وللأطباء فى النقد نصيب كبير إن الطبيب فى العادة يعمل على الصمت ولكنه إذا نطق نطق عاليا وهو ينطق عاليا أحيانا كلما رأى هؤلاء المخرجين يعرضون على أعين الناس صناعته فى أساليب لا تمت إلى الحقائق الطبية فى شئ وإن متت إلى الرغبة فى الإثارة بحبل متين طويل
وقد يجمع الاستديو الواحد بين جنباته عشرة أو عشرين بحاثا تعينهم مكتبة تحتوى خمسة عشر ألف مجلد أو تزيد ويعينهم فرع للاستعلامات عنده جداول مطولة
بكل خبير فى كل علم وفن فى كل ركن من أركان الدنيا فإذا احتاجوا إلى استكشاف حقيقة أو الإجابة على سؤال أبرقوا لساعتهم ولا يلبث أن يأتيهم الخبر المأجور من أى بلد من بلاد الله
وبين البحاثين لغويون ينطقون على الأغلب بسبع لغات
وفى التحضير لرواية واحدة فى شركة واحدة هى بارامونت إن كان لابد من ذكرها قرأ رجال قسم الإفتاء ٤٠٠ كتاب وجمعوا ٦٨٨٥ صورة فوتوغرافية وأجابوا على نحو من ١٠٠٠٠ سؤال وإن أردت فاستمع إلى بعض هذه الأسئلة لتعرف بعض ما يسألون عنه
١كم كان ثمن الجلد الخام فى لندن عام ١٨٣٥ ٢ كم كان عمق الميناء فى نيويورك عام ١٨١٠ ٣ فى أى مكان من البرلمان كان يدعو النواب الإنجليز أصدقاءهم إلى الشاي فى عام ١٨٩٠ ٤ هل كان بين بوليس لندن وبوليس باريس مواصلات تليفونية عام ١٩٠٠ ٥ هل يستطيع الرجل أن يأخذ ترياق السم قبل السم ثم لا يموت بعد ذلك من السم
وعلى الرغم من كل هذه التحقيقات فقد يأبى المخرج أن يجاريها إذا اتضح أنها مما يفسد الفن أو يضرب فى الصميم مما تعارف عليه الناس من ذوق واطمأنوا إليه من عادة حدث فى رواية أنا وملك سيام أنه كان على الممثلة الأولى أن تمضغ نوعا من البندق السيامى والسياميون والسياميات إذا مضغوا هذا البندق اسودت أسنانهم ولما تمت الرواية لاحظ رئيس الإفتاء أن المثلة الأولى لا تسود أسناسها بالذى تمضع من بندق ونبه المخرج إلى هذا قال المخرج إن أسنان الحسان لا تسود أبدا من البندق السيامى ولو اسودت منه أسنان العالم أجمع

