الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 418الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, فى السينما دار إفتاء

Share

الفرق هائل بين أن تصنع شيئا وأن تتقنه وفى مصر نستطيع أن نصنع كثيرا من الأشياء وهى تجوز فى مصر لأن كثيرا من عامة مشتريها لا يعرفون أكثر من هذه الدرجة من الإحسان

وصناعة السينما بعض هذه الصناعات وهى صناعة لا يكون الإتقان فيها إلا بالتخصص ونحن بحمد الله لا نؤمن بالتخصص اعتمادا على أن الجمهور لا يكاد يدرك معنى الإحسان فنجمع ارتكازا على ذلك بين تأليف القصة وإخراجها وتمثيلها ولعل من بعض أسباب ذلك إيماننا بأن العباقرة عندنا يستطيعون مالا يستطيعه عباقرة من أمم أخرى وأجناس أخرى أليس عباقرتنا عباقرة مصريين

ولكن ما هكذا إيمان الناس بالكفاية فى هوليوود هناك الناس أعرف بأقدار الأنفس فهم لا يكلفونها فوق ما تطيق من أجل هذا قسموا صناعة السينما أقساما عدة وقسموا هذه الأقسام من بعد ذلك أقساما صغرى أخرى حتى تجد آخر الأمر رجلا قد اختص على علو كمية فى الثقافة وعلى مكانته من العرفان بجزء فى الإخراج صغير حقير لا يظهر أثره بارزا على الشاشة أبدا ومع هذا فقد يكون لغياب هذا الأثر على خفائه إهدار عنصر من عناصر العرض يكسب الرواية فى الجمهور الناقد الإخفاق والكساد ومن تلك الأقسام التى تقسمت إليها الاختصاصات فى السينما قسم الإفتاء

وقسم الإفتاء يتألف من قوم باحثين على رأسهم مقت مهمتهم أجمعين أن يؤلفوا بين ما يجرى على الشاشة وبين ما يجرى فى الحياة كل تفاصيلها حتى

لا تنقض هذه ولا تلك هذه ومعنى هذا أن هؤلاء الباحثين لابد أن يكون لهم علم بكل منحى من مناحى الحياة أو فى استطاعتهم أن يتصلوا لساعتهم بمن يعرفون وفى الروايات التاريخية لابد أن يوجد بينهم المختصون الذين يعرفون العصور لا عصور ملوك وحكام  ولكن يعرفونها عصور شعوب يأكلون ويشربون وينامون ويجرون الحياة على أساليب لابد أن تتكشف للباحث على تفصيل أى تفصيل والعلم الحديث لابد أن يكون لهم فيه نصيب غير قليل

مثال ذلك أن المفتى لا بد له أن يعلم أن الرصاصة إذا انطلقت من مسدس ذى ماسورة طويلة احتفظت الرصاصة بحرارتها دقيقتين وأن ساعة لندن الشهيرة إذا دقت فحمل اللاسلكى أصداءها إلى العالم كان بين كل دقة ودقة إحدى وثلاثون ثانية

حدث منذ سنوات أن قام مفتى شركة  ورنر بالإفتاء فى إخراج الرواية الشهيرة عن حياة زولا وقام بدور هذا الكاتب الفرنسي الشهير بول مونى وكان من الصعب جدا عرض مناظر باريس في الحقبة التى عاش فيها زولا عرضا مبرأ من الأخطاء كان لابد من عرض شوارعها ومخازنها ومسارحها على الحالة التى كانت عليها عند ذاك وظل مكتب الإفتاء يبحث الأمر قرابة عام بحثا طويلا مرهقا وجاءوا بآلاف من مجلات ذلك العصر وكتبه وصوره وصحفه حتى خرجت الرواية آخر الأمر أدق ما تكون إخراجا وأصح ما تكون وقائع ومظاهر واستلقى الباحثون على مقاعدهم يتنفسون الأنفاس هادئة مطمئنة بعد جهد جهيد

ولكن بغتة يخرج لهم النقاد بما يذهب بطمأنينتهم ويعكر صفوهم ويفسد عليهم جو تلك السعادة التى ركنوا إليها أما موضوع النقد فنوع من أنواع السمك ظهر فى الرواية يعرف بجراد البحر ويسميه الأمريكان لوبستر والفرنسيون هومار وهو كالجنبرى ولكنه أضخم وأعظم

نعم قامت قيامة النقاد لهذا السمك لأنهم عرضوا على الشاشة جرادا أمريكيا له خطافات كالمخالب فى حين أن الجراد الفرنسى لا مخالب له نعم لا مخالب له وتلك حقيقة يعرفها كل أبله !!

وقد يأتى النقد من جهة لم تكن محتملة أبدا يأتى من سواقى القطارات لأن قطارا سار فى مقاطعة كذا فصفر صفرة لا تعرفها تلك المقاطعة أبدا وقد اتضح أن صفارات القطارات تختلف فى أمريكا بإختلاف الشركات وفى غير أمريكا تختلف بإختلاف الأمم فبعضها الرفيع الصارخ وبعضها الواطئ الأخشن وبعضها يصفر كزمرة وابور البحر عشرات كثيرة من الأنغام

وكثيرا ما يأتى النقد من مدرسى المدارس وكثيرا ما ينصب على مخالفة لحقائق التاريخ وقد يتعمد المخرج لحاجة القصة التى لا تقصد إلى الصحة أن يجمع بين شخصيتين حبيبتين فى عام واحد بل تحت سقف واحد قد فصل التاريخ بينهما بحقبة أو حقبتين وعندئذ تأتيه الكتب ترى التجهيل والتسفيه والتجهيل فى أي شئ  فى شئ يدرسه طلبة المدارس وعندئذ يرجع المخرج إلى نفسه يسألها أكان فيما خرج فيه عن حقيقة التاريخ مستأهلا كل هذه الضجة وقد يعند فيصر وقد تغلب عليه الحكمة فلا يعود

وللأطباء فى النقد نصيب كبير إن الطبيب فى العادة يعمل على الصمت ولكنه إذا نطق نطق عاليا وهو ينطق عاليا أحيانا كلما رأى هؤلاء المخرجين يعرضون على أعين الناس صناعته فى أساليب لا تمت إلى الحقائق الطبية فى شئ وإن متت إلى الرغبة فى الإثارة بحبل متين طويل

وقد يجمع الاستديو الواحد بين جنباته عشرة أو عشرين بحاثا تعينهم مكتبة تحتوى خمسة عشر ألف مجلد أو تزيد ويعينهم فرع للاستعلامات عنده جداول مطولة

بكل خبير فى كل علم وفن فى كل ركن من أركان الدنيا فإذا احتاجوا إلى استكشاف حقيقة أو الإجابة على سؤال أبرقوا لساعتهم ولا يلبث أن يأتيهم الخبر المأجور من أى بلد من بلاد الله

وبين البحاثين لغويون ينطقون على الأغلب بسبع لغات

وفى التحضير لرواية واحدة فى شركة واحدة هى بارامونت إن كان لابد من ذكرها قرأ رجال قسم الإفتاء ٤٠٠ كتاب  وجمعوا ٦٨٨٥ صورة فوتوغرافية وأجابوا على نحو من ١٠٠٠٠ سؤال وإن أردت فاستمع إلى بعض هذه الأسئلة لتعرف بعض ما يسألون عنه

١كم كان ثمن الجلد الخام فى لندن عام ١٨٣٥ ٢ كم كان عمق الميناء فى نيويورك عام ١٨١٠ ٣ فى أى مكان من البرلمان كان يدعو النواب الإنجليز أصدقاءهم إلى الشاي فى عام ١٨٩٠  ٤  هل كان بين بوليس لندن وبوليس باريس مواصلات تليفونية عام ١٩٠٠ ٥  هل يستطيع الرجل أن يأخذ ترياق السم  قبل السم ثم لا يموت بعد ذلك من السم

وعلى الرغم من كل هذه التحقيقات فقد يأبى المخرج أن يجاريها إذا اتضح أنها مما يفسد الفن أو يضرب فى الصميم مما تعارف عليه الناس من ذوق واطمأنوا إليه من عادة حدث فى رواية أنا وملك سيام أنه كان على الممثلة الأولى أن تمضغ نوعا من البندق السيامى والسياميون والسياميات إذا مضغوا هذا البندق اسودت أسنانهم ولما تمت الرواية لاحظ رئيس الإفتاء أن المثلة الأولى لا تسود أسناسها بالذى تمضع من بندق ونبه المخرج إلى هذا قال المخرج إن أسنان الحسان لا تسود أبدا من البندق السيامى ولو اسودت منه أسنان العالم أجمع

اشترك في نشرتنا البريدية