وتابع صاحبنا الأمريكي حديثه . قال : ونزلت إلي الشاطئ أطلب البحر بعد الحفل ، فوجدت رماله بيضاء ناصعة ، ترتد عنها الشمس فتجهر بها العين وكانت ناعمة فلا تكاد تجد حصاة فيها . وتدخل الماء فتجد الأرض من تحته تميل قليلا قليلا في تدرج صغير طويل . والماء رائق وبه دفء ، وهو يشف عما فيه ، فتري صغار السمك تعوم على قرابة من الشاطئ تستدفئ بشمسه . وتدخل في الماء أبعد مما فعلت ، فتجد قناديل البحار ، بعضها ارمد اللون لا يؤذي ، وبعضها تجري في اجسامه خطوط حمراء ، فهو سام لادغ . وقناديل البحر لها أجسام كالفالوذج ، وهي تعوم فتتراءي كالمظلة المفتوحة وقد استرخت اضلاعها . وهي تتموج لتسير في الماء . ومن تحت المظلة ، حيث وجب أن تكون يدها ، تجد بديلا عن هذه اليد ، أصابع كالشرائط رخوة تلعب في الماء تتحسس ما فيه .
وكان البحر هادئا في ذلك اليوم . وهو هدوء قد بغر غير عارفه فيحسبه هدوءا في الطبع لا يتغير . وما هو بذلك ، فتلك السواحل تاتيها الزوابع بغتة فتغدر بمن يكون في الماء عند ذاك من أغراب يجهلون ، وما يكون على الماء من سفن صغيرة فتنقلب انقلابا حتى السمك تصيبه الدواهي إذ يقذف به الماء على الأرض الجامدة ، ثم ينحسر عنه وعنها ، ويتركه على الرمل فيعجز عن العودة ، فهو بالطبع لا يتحرك إلا في الماء
حدث ذات مرة ان قامت على تلك الشواطئ اليابانية زوبعة ثم هدأت . وحضرت عند هدوئها ، فأغرانى
طول السكون وجمود الدم في عروقي ، اغرالي علي دخول الماء . وكنت عواماً ماهرا ، فلم أخش من البحر خاشية . ومضت العشر الدقائق الاولي في سلام ، بل قل في متعة كبيرة . وعرفت كيف أزوغ من قاصمات الظهور من الأمواج . فكنت اركب رأس الموجة وهي قادمة ، ويداي إلي جانبي ووجهي إلي اسفل ، ورأسي مرفوع بالقدر القليل الذي يمكنني من أن أترن وأن أستنشق الأنفاس . وتتالي الموج قاهراً قوياً قاسياً ، فلم يتخلف قط ، ولم يخطئ قط . وما كان للموج المائي أن يخطئ . ولكني أنا الذي أخطأت
أخطأت في تقدير الزمن ، فانكسرت الموجة على رأسي ، وكان حقها ان تنكسر على ما دون صدري . فلم أدر إلا وأنا في قاع البحر ، وإلا ورأسي يدق أرضه كأنما غصت في حوض للسباحة لا ماء فيه ، وفقدت الوعي دقيقة . ولكن ما أجمل الحسم الإنساني ، وما ابدع تركيبه . فما كاد يغيب وعي برهة حتى أخذت أعصابي غير الواعية تحرك عضلاتي حركة ميكانيكية لم أفهم لها معنى وصحوت من غيبتى القصيرة فوجدت يدي ورجلي تتحرك عارفة او غير عارفة بالذي تفعل . وبلغت الشاطئ ، وخرجت أترنح عليه وقد خلت ان الشلل اصابني من خاصرتي إلى رأسي . وظهر على وجهي ما أضحك إخواني ، غير عالين بالذي جرى ، فأخذت ادمدم واسب قوما يضحكون من رجل أوشك أن يكون له من الماء قبر بغير أكفان .
ذكرت في هذا اليوم وأنا أرتاد الشاطئ تجريني تلك الماضية ، فذهبت رغبتي في نزول البحر . ونظرت فإذا الرجال غير بعيد مني يجرون الشباك وقد ملأها الصيد . وهي شباك طويلة ، غير عريضة ، يرتبط أحد جانبيها الطويلين بعوامات تمنع هذا الجانب ان يغطس في الماء . أما الجانب الآخر فيتدلي فيه فيكتسح أمامه على الحركة الأسماك . وغنى أحد البحارة فأجابه الآخرون . وظل يغني ، وظلوا ويرددون . ولما اقتربوا من الشاطئ ، استدار الرجال ،

