واستطرد محدثي يقول : لم يكن في أوسط المدينة غير مصنعين أو ثلاثة . ذلك أنهم جعلوا الصانع في جهات معلومة خارج المدينة ، وبذلك حموا المدينة من أزدحام المرور ، وجعلوا النقل على تلك المصانع أسهل . وبتجمعها في صعيد واحد تيسرت لها موارد الكهرباء والقوة ، وكانت قليلة الثمن ، وكذلك تيسرت الإدارة .
وأكثر المصانع الصغير الذي لا يضم من العمال إلا العدد القليل ، وباليابان خمسون ألف مصنع ، ولكن أكثر من نصفها يشتغل بخمسة عمال أو تسعة . وليس منها غير خمسة في المائه تضم أكثر من مائة عامل .
والمصانع الصغيرة تختص بإنتاج البضائع للاستهلاك المحلى . وهي بضائع قديمة الطلب ، طلبتها الجماهير اليابانية الفقيرة من مئات السنين على الصورة القديمة نفسها ، أو على صورة تقرب أن تكون كذلك . وقد أجروا إحصاء منذ سنوات في أعمار هذه الصانع فوجدوا أن ٢٥٠٠ مصنع من تلك الصانع عاشت أكثر من سبعين سنة . وهو عمر طويل إذا إعتبرنا عمر اليابان وهي حديثة .
ويبدو قدم هذه المصانع ، وتبدو عتاقتها من زيارتها . فهذا مصنع يملكة رجل واحد ، هو مالكه وهو مديره ، يساعده عاملان أو ثلاثة ، ثم نحوها من الصبية ليتعلموا الصنعة . والمصنع يجري علي نفس الأسلوب الذي جري عليه منذ عهد الإقطاع . فالعمال ينامون في المصنع ، ومن أجل هذا لا يأجرهم صاحب المصنع أجراً كبيراً ، وهو مصنع لا يضم من الأجراء غير خمسة أو ستة ، لهذا لا ينطبق عليه قانون
العمال والأعمال ، فهذا القانون إنما جعل للمصانع التي تضم أكثر من عشرة .
وإذا نظرنا إلي هذه الصانع الصغيرة وجدنا الأجور فيها واطئة ، واطئة بالنسبة لما تعودناه نحن أهل الغرب ؛ فالعاملة التي تصنع الكبريت تعطي ٦٥ ملياً في اليوم . والأوسطى الذي يقوم على المخرطة يعطي خمسين قرشاً . ومعيشة العمال في هذه المصانع سيئة ، ومرافقهم الصحية غير مرضية . وطعامهم ليس في استطاعته أن يهبط عن طعام الرجل العادي . وكيف يستطيع أن يهبط عنه وهو إنما يتألف دائماً أبداً من أرز وسمك مملوح أو غير مملوح ، ومخلل . وهذه أرخص الأشياء في اليابان . ومن نعم الله أنه لبساطتها لا يدخلها الغش أبداً .
ومع هذا ، وعلى الرغم من قلة الأجور ، فهذه المصانع الصغيرة نعمة على العمال لا شك فيها . وأحوال المعيش السائدة في الصنع لاشك خير من حال تسود منازل العمال . إن العامل تعود طول حياته الفقر ، فهو إذ يخرج إلى المصنع نجد فيه شيئاً من الغني ، وشيئاً من الفرج ، ويستطيع مما يكسب أن يشتري بعض لذائذ الحياة ويتذوقها . ولا تألو الحكومة اليابانية جهداً في محسين الأحوال ، ورجال الشرطة يرقبون عن قرب مرافق الصحة بالمصانع ، ويحملون أصحابها في شئ من الضغط على النظافة . ونحن الغربيين مهما قلنا في هذه المصانع اليابانية وأنتقدناها بنسبتها إلي ما في أمثالها عندنا من صحة ونظافة ونعمة ، فهي مصانع خير ألف مرة من مصانع رأيتها في الصين وأخرى رأيتها في الهند
وعدا هذا ، فلن نفس أن قلة الأجور في اليابان يصحبها قلة في الأسعار . ولقد إستطعت أن أشتري في اليابان أشياء ، في مثل جودة ما نشتريه في بلادنا الغربية ، ودفعت ثلث الثمن . وبهذا الاعتبار يظهر أن العامل الياباني ليس من السوء بما تدل عليه ظاهراً قلة أجره .
على أن في اليابان مصانع أخري كبيرة ، تلك التي تصنع فيها الأشياء ، للاصدار فهذه مصانع تضارع مصانع الغرب ضخامة ، وحسن إدارة ، وطيب رعاية لعمالها ، فالأجور فيها حسنة ، وساعات العمل قصيرة ، والمرافق جيدة . وللعمال فراغ ينفق في الدرس أحياناً ، تدرس فيه العلوم ودرس الفنون ، وأحياناً ينفق في الرياضة على ساحات خصيصة بها ، وأحياناً في السباحة في أحواض لها . إنها مصانع كبيرة ثرية في مقدورها أن تنفق أكثر كثيراً مما ينفقه مصنع صغير كالمصنع الذي قصدنا إلى المدينة نبغي زيارته .
كان هذا المصنع كما قدمت مصنعاً لأخي مضيفي ، الفلاح الياباني ، تاناكا. وكان أسم الأخ يوسوكي . وبلغنا منزل بوسوكي ، فتلقاني بالتأهيل والترحيب . وقدم لنا فناجين صغيرة من الشاي ، محية القدوم ، قدمها إلينا في إحتفال كبير . وكان يوسوكي بتحرق ليرينا مصنعه ، واستيقظ فيه عجيب الصانع الناجح ، ولكنه ظل مما طلنا بحجة أن المصنع صغير حقير لا يستأهل منا أن نوسخ أطراف ملابسنا بالسير في حجراته القذرة ولكنا ألححنا في طلب رؤيته ، ذاكرين أننا إنما جئنا خصيصاً الزيارته ، وأن في زيارتنا عنه خيبة عظمي ، وبعد لأي رضي .
وكنا في القاعة السفلى ، وهي قاعة للاستقبال ، وقاعة للعرض أيضاً في يوم بالبيع رائج وصعد بنا يوسوكي غرفة عليا ، وجدنا بها نمازج من أنتجة المصنع مرصوصة مصفوفة نضيدة . وتبينتها نوعين : نوعاً صارخ اللون زائطا رخيصاً ، فهذا ما يبعث به إلى خارج البلاد على أنه الشئ الاصيل من اللاكيه ، وما هو به . ونوعاً آخر جيد الصنع بارعاً ، ولكنه ذو كلفة ، فهذا يستبقى على الأكثر في البلاد فلا يخرج " عنها . وسألسنا صاحب المصنع أن تختار لأن نفسنا هدايا مما نري فأحزجنا بسؤاله . ومددنا أيدينا إلى أرخص الأشياء . فنزع من أيدينا ما أخترناه في شئ من الشدة ، وأيدلنا به أشياء من جيد الصنوع وأغلاء . ولكنا خشينا الإجحاف
به فسلكنا معه مسلكاً وسطاً ، فأخذنا شيئاً من الرخيص وشيئاً من الغالي . وأردنا دخول المصنع ، فخدنا في شيء من الأخلاص من خيبة تلحق آمالنا مما ستطلع عليه في المصنع من وضاعة حال . وذكرنا بأن اليوم يوم عطلة ، ولكن بالمصنع بعض العمال يعملون . واطماننت أما تحقق أملي في رؤية تلك الصناعة اليابانية البارعة التي بهرت أوربا وبهرت أمريكا ، زمانا ، أعني صناعة اللاكيه .
وخرجنا إلي ساحة صغيرة في ظاهر الدار ، فوجدناها مليئة بالخشب من كل حجم ، وكل شكل . ووجدنا بالساحة خزانة من الخشب مسقوفة ، بها مفشار مكبي دوار . ولم يكن بدور في ذلك اليوم . وكان دورانه بالكهرباء . فقلت لصاحبي : ألا يخشى الحوادث من هذا المنشار الكي في تلك الحظيرة الضيفة . فقال : إنها خاطرة لم تخطر بباله ، وإنه لم يقع من تلك المسكنة في حظيرتها الضيفة سوء قط .
فذكرته بما صدر في البلاد من قوانين تحمي العمال من أمثال هذه المكنات المكشوفة ، فقال إنها قوانين لا تعنيه ، لأنه لا يستخدم من العمال غير ستة . وهو بهذا جد سعيد ، فلا تقلقه طلبات السلطة ولا زيارة المفتشين ولا ينقص عليه تنكيدهم وتدخلهم في أمره بالحق وبالباطل
ودخلنا غرفة النجارة ، فكانت ضيقة أيضاً . وفيها ينقسم الخشب وفيها يدور ، وكانت حجرة مظلمة ، تنقل فيها رائحة الغراء . ولكن راعنى منها ترتيبها ونظافتها . فكل عدة في مكانها من الحائط ، والأرض ليس عليها من نشارة الخشب قطعة واحدة .
وأخيراً بلغنا الحجرة التي هي بيت القصيد ، حجرة اللاكيه وهي حجرة كبيرة ، سدت فيها المنافذ جميعاً إلا باباً واحداً ، فهذا أغلق أيضاً . والفرجات التى قامت في النوافد والأبواب المدودة ، أقاموا عليها أشرطة عليها الصمغ لتسدها ، وذلك حتى لا يتسرب إلي الحجرة شئ حتى الغبار فهو إذا دخل أفسد الطلاء ، اللاكيه ، أي إفساد . ودخلنا
الحجرة فكانا مما صدمنا فيها صادم . ولم يكن ذلك من ثقل الرائحة ، ولكن من غيبة الهواء . وحل محل الهواء شئ خيل لنا أنا نراه رأي العين .
وتحدثت إلى صبي يقوم بالطلاء . فقال لي : إنه يحب عمله ، وليس يدري لماذا يحبه ، وقد قضى في المصنع سنتين ، وهو لايأخذ أجراً على عمله ، ولكن صاحب المصنع بطعمه ويكسوه ويسكنه في المصنع وأحياناً يعطيه نفقة جيب . ولا يحس بفقدان الهواء أو ثقل الجو إلا عند خروجه من البيت - من المصنع - إلي جو الدنيا . وأنس إلي حديثي فاستطرد بقول :
إنه بدأ في هذا المصنع يحمل الرسائل ، ويؤدي البضائع . وكان في أثناء ذلك يدخل المصنع يجرب بدء في الطلاء وكانت تمرع نفسه في تلك الحجرة . وظل أشهراً يحس باقتراب القي فيها . ولكنه إعتاد كل ذلك بالزمن ، وأصبح اليوم لا يلحظ كثافة الجو إذا دخل فيه .
وسألته : وما الذي جذا بك إلي إختيار هذه الصنعة بعد أن فارقت المدرسة ؟ ولم لم تقع على صناعة أكثر حركة وأنشط وأجدر بالشباب ؟
ففكر طويلاً ، ثم إعترف لي بأنه حقاً لا يدري لم فعل هذا إنه جاء هنا لأنه وجد مكانا له هنا . وهو لم يجب هذا العمل لما بدأه ، ولكنه تعوده بعد ذلك . وهو الآن قد عرف الكفاية منه فصار بقفه ما الجودة وتلذ له الإجادة ، وبرهوه الصنف الذي يخرجه كيفاً وكماً .
فلمحت إلي أنها صناعة قد لا تعود على رئته بالصحة التامة . فهز كتفيه ، وقال : " شيكانا جا نأي " وهي الكلمة العالمية المعروفة ، وترجمتها : " ما باليد حيلة " . لم يكن الصبي مسلماً بالذي هو فيه فحسب ، بل كان كأنه يعتقد أن هذا فضاء لا بد منه ، وهو واقع على كل حال ، أي صنعة اتخذ ، وفي أي مجري من مجاري العيش صار .

