وصف لي محدثي زيارته لمصنع " اللاكيه " الياباني ، وهو مصنع لاخي مضيفه الفلاح . ووقف من حديثه عند صبي المصنع الصغير . ثم استطرد يقول :
وأخذت أفكر في مصير هذا الصبي في ذلك الجو . الخانق . وزاد تفكيري فيه ما كان من إجابة له رائعة . كان في نحو السادسة عشرة ، وكان في وجهه ذكاء ، وفي هيئته يريق . وسألته السؤال تلو السؤال ، فكان يقع دائما وسريعا على القلب مما اعني . وسألت رب المصنع أن أزيد الصبي حديثا ، فما أسرع ما اجاب سؤلي ، وزاد بأننا ربما فضلنا الخروج ، في أسرع ما أمنت
وخرجت أنا وأكيرا - فهذا اسم الصبي - خرجنا سويا إلي الطريق وظهر عليه أول الأمر شئ من اضطراب نتيجة إحساس بإحراج أن يراء الناس في صحبة أجنبي . ولكنه ما لبث ان عاد إلي سكونه واطمأن . واخذ يجيب ما أسأل في رفق وعن طواعية
وأردت أن أتحدث إليه لأعرف منه كيف يعيش ، وكيف يفكر ، وأي النظرات بنظرها إلي الأشياء ، وكم يرضي عن الحياة . ومشي إلى جانبي في خفة ، وخطا في حذائه ، ونعله من المطاط ، خطو النشط الواثق . وسألته فعلمت منه أنه يحب الرياضة ، وأنه كان يلعب الكرة وهو في المدرسة . وهو سباح يتحرق على ما سيكون من نصيب أمته في المباراة الدولية . وتحدث عن التمرين ، وعن مقاومة الجسم ، واسترخائه ، وعن رخاوة القدم ، وغير ذلك من الأشياء التي دلت على انه في السباحة خبير . وذكر لي ان
الفرص لم تعد تؤانية لمداومة رياضته الحبيبة . نعم إنه يذهب لاستحمامة في يوم عطلة ، او يذهب لقذفة كرة ، ولكنه لا ينال ما يشبع من ذلك
ولم يكن بالمدينة ساحات كثيرة ، ولكن كان بها حدائق عديدة ، ولكنها حدائق جعلت للزينة فضاقت من لعب الأطفال والصبية
وكان للصبي أبوان فقيران ، فلاحان في أوكاياما وأرسلاه يتعلم حرفة " اللاكيه " مجرد بلوغه الرابعة عشرة ، وهي السن الدنيا التي يجيز القانون عندها العمل وكان قبل ذلك في المدرسة . وود أبواه لو استمر في التعليم ، ولكن ريحا عاتية عصفت بأرزهما في الحقل فذهبت بمحصولهما ، فلم يكن لهما غير الجوع والصبر ، ولم يكن لهما يد أن يرسلا ولدهما يطلب الرزق في المدينة .
وقال الصبي إن سعده الطالع هو الذي جاءه بالذي هو فيه من عمل ، وإن عيشه في المدينة افضل كثيرا من عيشه بين أهله في الريف ونعم ، إن العمل في المصنع متعب ، ولكن هكذا كل عمل وعدا هذا فقد بلغ المرتبة التي عندها يلذ له أن يري اصله نتيجة يعتز بها ويتثبط لها . وقال إن معاملة رب المصنع إياه طيبه ، والغذاء الذي يعطيه طيب وكثير . وهو ينام في حجرة واحدة مع صبية المصنع الآخرين ، في شئ من ازدحام طبعا ، ولكن هذا يحدث الدفء في الشتاء والبرد قارس وهو يعمل في اليوم عشر ساعات ، ولكنه بعدها بنطاق حرا يعمل ما شاء . وهو عندئذ قد يذهب إلى الماء فيصبح ، أو هو يذهب مع صديق إلي السينما ويوسوكي ، صاحب المصنع ، هو الذي يعطيه ثمن التذكرة ، فهو رجل كريم حنون
وعندئذ أردت أن امتحن رأيه في صاحب المصنع ، فأظهرت ارتيابي ، وان يوسوكي إنما يستغله هو والصبية استغلالا . ومن ذلك انه لا يضع له اجرا ، وهو يشغله أطول الساعات ، ويجشمه اصعب الأعمال ، وهو لا يعطيه
الكفاية من الغذاء أو الكساء . ثم هو يبقية إلى أن يكبر ، فيطلب الأجر الأكبر ، فلا يكون له مسنه إلا الفصل والاستغناء
فأبي الصبي أن يتقبل شيئا مما أقول . وآمن بأن يوسوكى صاحب عمل خير ، وأنه يعمل لنفعهم في حدود طاقته وأنه افضل من اصحاب اعمال آخرين سمع عنهم من الكثير من اصحابه . وانه يطمعه ويكسوه لان هذا واجبه ، وليس من واجبه ان يأجره حتى يكتسب الصنعة ويمهر فيها . وإذا هو صرفه عندئذ ، من بعد مهارة ، فأغلب الظن انه واجد عملا في غير مصنعه
لقد تلقي الصبي فكرتي بأن صاحب المصنع يستغله في شئ كثير من استغراب . فلم يكن يتوقع ان يدور في خلدي شئ من ذلك . وهو لم يدر قط في خلده شئ من ذلك ونقبل موقفه من صاحب المصنع على انه الشئ الطبيعي الذي يقفه كل صبي في مثل سنه وفي مثل طبقته وإنى اعترف بأن يوسوكي كان حقا فوق اصحاب الأعمال الآخرين رعاية بعماله ، ولكن أثر في نفسي رؤية هذا الصبي يجهد كل هذا الجهد ولا يأخذ عليه أجرا ، وليس له من بعد ذلك في المستقبل بارقة من أمل تعينه على حمل أعباء اليوم الحاضر
ورجعنا إلي المنزل ، وهو منزل ومصنع معا . فكان الطعام حاضرا فجلسنا إليه سويا ، وبعد الطعام تحدثت إلي يوسوكى في امر مصنعه ، واعترضت بمثل ما اعترضت به للصبي . فقال لي : إنه أسس هذا المصنع من مبلغ زهيد كان اقتصده زمانا . وإنه بدأ كما بدأ الصبي ، أكيرا ، ولما عرف الصنعة خرج يتجر ، فلما اكتسب ، فتح هذا الذي أري . ولما بدأه ، لما بدأ هذا المصنع ، كان يقوم بالعمل هو والصبية في ساعة واحدة . وكان يعمل ما يعملون من ساعات ، ثم هو بعد ذلك يقوم وحده بعمل الحساب ، وعد ما صنع وما لم يصنع ، وما بقي من الخامات ، ويحصي
كل ذلك ويرقمه ، فبلغت مدة عمله بذلك في الواقع خمس عشرة ساعة
ولما حكى لي ذلك ، لم أحس الميل باتهامه باستغلال صبيته ، ولكني فعلت لأري اثر ذلك في نفسه . فكان أثره حيرة ركبته . ولكنه لم يغضب ، ولم يخجل مما قلت . واعتقد اني مخطئ ، وانه لا يمكن على أي زعم ، وبأية مندوحة ، ان اكون مصيبا . وأخبله وحيره ذلك الداعي الذي دعاني إلي أن لا أعده حنونا خيرا .
واستأنف بقول : إن الحال اليوم خير من حال عرفها لما كان صبيا . فصبي اليوم بعمل ساعات أقل مما عمل هو صبيا ، ويأكل طعاما خيرا مما أكل . وإذا كبر أخذ أجرأ أكبر مما أخذ . وإنه في أول الأمر كان حريصا على نجاح مؤسسته ، فعمل الساعات الطوال ، وطلب من صبيته وعماله ان يعملوا ساعات طوالا مثله . ولما ظهرت له بوادر النجاح ، أخذ في تقصير ساعات العمل قليلا ، فهاله وأعجبه ان مقدار الانتاج زاد عما كان والساعات طويلة . فشجعه ذلك على تقصبير الساعات مرة اخرى ، فزاد الانتاج مرة أخري . ومن بعد ذلك أخذ يوازن بين مدة العمل ، وفترات الراحة ، وسعة المكان وحاجة العمال من ذلك ، وتفاصيل كثيرة غير ذلك ، حتى اهتدى أخيرا إلي ما هو قائم اليوم في مصنعه الصغير . ووصفه بأنه أكبر إنتاج بأقل مجهود . وقال : إنه شاء أن يترسم خطي العلم في ذلك ، وانه معجب بتجربته ، مغتبط بنتائجها . ثم سألني عما حملني على اعتقاد أنه غير منصف لعماله .
وأخيرا أجاب علي السؤال بنفسه . قال : " أنا أقول لك السبب لو انك عشت في البابان يابانيا طؤل حياتك ، إذا لرايت الأشياء كما نراها . إني اعلم انك عشت في البابان سنوات كثيرة ، ولكنك لم تعش فيها يابانيا . إنك تليس ملابس غير ما نلبس ، ومن قماش غير ثماشنا ، وتطعم طعاما غير طعامنا ، وتدفع في كرسي سماك فوق ما تدفع . وانت تشتري كتبا لا تقدر على دفع أثمانها . وأنت تنام على
السرير وتقعد على الكراسي واختصارا لست يابانيا . وأنا بدوري لو كنت انجليزيا او كنت امريكيا لما استطعت ان أتذوق الحياة في البابان ولكنت كثير التسآل دائما : لم تفعلون هذا ؟ ولم تفعلونه هكذا ؟ وكيف ؟ وإلام وحتام ؟ بل لو اني أنا اليوم ذهبت إلي أمريكا او انجلترا ، فأغلب الظن أبي آخذ مآخذ كثيرة على مصانعكم ، وطريقة معاملتكم عمالكم ، لغير سبب إلا انكم تصرفون اموركم بطريقة لا أعهدها . فعندئذ قل لي : أينا يكون المخطئ وأينا المصيب
واضطررت عند ذلك أن أقول : إن في الذي تقول يا صديقي لحقا لا سبيل إلي نكرانه .

