واستطرد محدثي السكسوني يحدثني عن اليابان قال: إن عدد الجامعات في اليابان قليل بالنسبة لمجموع السكان، فهي لا تستطيع أن تقبل كل من يطلب دخولها هذا مع أن عددها المطلق قد يزيد على عدد الجامعات في إنجلترا، والتعليم في الجامعات يجري على مستوى أعلى كثيراً من مستوي المدارس التي تؤدي إليها. فمدرسوها وأساتذتها خير الأساتذة والمدرسين، وما من نفقة باهظة نقف دون استجلاب اقدرهم واستهواء أحسنهم. وهم من أجل ذلك لا يقفون بإطلاب دون ما يستطيعه الجهد الاكبر من الثقافة والتعليم
ومن الممتنع أن يرقب المرء كيف يتدرج الطالب الياباني في تقبل ما يلفي إليه من علم، وما يعطي له من آراء. ففي درجات التعلم الأولى بأخذ ما يعطي، ويتقبله دون سؤال. إنه العلم وإنه الحق. ثم يبلغ ذروة التعليم الثانوي، أو هو يبلغ الجامعة، وعندها يأخذ يدرك أن ما تعلمه ليس أكثر الحق. وهو عندئذ يكثير مما حمل على أنه خرافة وبطلان لا داعي لإثقال الأذهان والقلوب بهما. إنه ليس علماً، بل هو ينقض العلم، والعلم ينقضه. ويأخذ يستبدل بآرائه القديمة آراء جديدة هي على عكس ما عرف وما تعلم. وهو لا يلبث أن يجد نفسه في أزمة وضيق. لا يلبث أن يجد الحاجة إلى الغير ليتبادل معه شيئا من النقاش ينير له ما رفع فيه من ظلمة. إنه يريد نصحا او كلمة إيحاء تهديه أو لا تهديه من ضلال. وينظر إلى أصدقائه فلا يستطيع أن يكشف لهم عن خبيئة نفسه ولا يستطيعون.
وقد يتصل ما قام في نفسه من التشكك في أصل
أمته. فقد تعلم صغيراً أن اليابان ولد أبناؤها الأولون في السماء، وأن الإمبراطور إله بعيد، ثم هو يتعلم كبيرا ما لا يجيز في عقله أن مثل تلك الأشياء جائزة أو ممكنة.
ومع هذا فهو يري أهله وقومه، ممن هم أكبر سنا وأرجح عقلا، يراهم يؤمنون بالذي كاد به يكفر. فمن يستنصح وبمن يستنجد؟
إن زملاءه كمثله، هم في مثل حيرته، وقد جاز أن يتحدث إليهم ويشتفي، ولكنه إن فعل فقد انكشف وتعرض لعقاب السلطة. وعلى هذا فهو يكظم الذي به، ويحاول أن يحل عقدته بنفسه، أو هو يدع العقدة على انتقادها محسبان أنها أعقد من أن تحل. وأحيانا يجد احتمال حلها ويطلبه عند أحد مدرسيه الأجانب وهم عديدون.
ويقترب الطالب الياباني من مدرسه في شئ كثير من الحياء، وفي كثير من الحيرة، ويفضي إليه معتذراً بخبيئة نفسه. ولا يفضي بها كلما دفعة واحدة، ولكن حصصاً وأقساطا.
جاء طالب إلي أستاذه على مثل تلك الحال، وأخذ يعبر عما في نفسه في غير انطلاق الواثق، وتعثَّر تعثر المريب وأدرك الأستاذ أن هناك شيئاً مخلف في قلبه بعد كل ما قال، يريد أن يبيبح، وتبخل نفسه وأخيراً يتقدم المتخلف ويبوح الكاتم ويحود الباذل. "إنها هكذا يا سيدي ..." ثم يفيض القلب الملآن ... كان هذا الطالب يدرس الفلسفة ، والفلسفة شئ لا تؤمن دراسته على كل طالب وكان هذا الطالب من أسرة فقيرة تعمل في الحقل، وكان جَلداً على العمل قديراً ذكبا. وهمَّه أن قرأ ذات يوم في كتاب وصفاً لنظام جديد تتجدد به الحياة فوق الحقول. إنه الاشتراكية في أقصى غلوائها. وقد كانت الاشتراكية الغالية لا يثير اسمها عنده، عند رفافه في الزمان الأول، غير حس عميق بالفكاهة، وغير صراخ عالٍ ممتع، يستمتع به الطلاب في الشوارع حيناً، إذ يلوحون بالأعلام
ويقومون بإلقاء الخطابات، ومن ورائهم البوليس يخفر تلك المجانة العامة. وقد تنقلب المجانة إلى محزنة تؤدي إلي حجز بعض الطلبة يوماً أو أياما يخرجون من بعدها في صحة وعافية، وعلى لذة يثيرها تذكر المغامرة التي انتهت بسلام. هذا بالأمس. أما اليوم، فهذا الذي يقرأه يتراءى له أنه الجد الذي لا سخرية فيه. أنه الحق الذي لا يحتاج إلى الأعلام والهتافات، ومن الجائز جداً أن يكون فيه نفع للأسر الكثيرة التي هي كامثال أسرته تعمل في الريف وتحرث الأرض وتثبت النبات. إن الاشتراكية هذه المالية تتراءى له، ولو نظرياً، نظاماً يضمن الخير للجميع ويتقي الظلم والفقر والفساد.
ولكن الاشتراكية الغالية كلمة سيئة الرائحة في أنوف اليابانيين. إنها الإثم الكبير. إنها شئ يقضي علي المدنية الحاضرة بالزوال، وعقيدة لا يقف أربابها عن استباحة آية وسيلة لبلوغ غاياتهم، حتى الثورة بطلبونها ثورة عالمية تلف الأرض بالنار والدمار من شرقها إلى غربها.
ويقع الطالب المسكين في خيال، خيال من كراهة فيه مبذورة على الصغر للاشتراكية وكل ما يتصل بها من نذر، ومن تلك الاشتراكية التي يقرأها في كتابه فتأتلف مع عقل الناشئ، ومنطقه البريء الساذج، ويظهر له فيها الخير يأتي الناس جميعا ولو تأخر عن بلوغه بعض حين.
وهو لا يريد من أستاذه جدلا بعد الذي قرأ، إنه اقتنع بالذي قرأ. ولكن الذي يريد أن يستفتي فيه هو ما الذي يصنعه بمقيدته في قومه وفي أمته. إنه لو آمن بهذه الاشتراكية الموصوفة المكتوبة فقد كفر بأهله، وهو إن آمن بأهله فقد كفر باشتراكه.
وأحس الأستاذ بحرج الموقف. لقد وجد في حديث الطالب ربّمة إخلاص لا يشوبها كدر. إنه إخلاص التائه حقا، وهو يرجو الهدى ويرجو الخلاص. وهو في إخلاصه لا يبغض ولا يحقد، ولكنه يطلب الحق خالصا
أحس أستاذه بذلك فاعتدل في جلسته يستقبل الموقف بالحسم الذي هو به جدير قال للطالب: إنه لا يستطيع أن يختار له، ولا أن بفكر له، فهو وحده الذي يستطيع أن يفكر لنفسه وأن يختار. وأضاف أن الأشياء، ولو غير مرضية، لن تتغير في يوم وليلة. وهو إذا سامه نظام حكومته، فليعلم أن هناك من أبناء وطنه ألوفاً وألوفاً لا يسوؤهم هذا النظام. فهو إن حاول وحده تغيير الحال فقد حاول المحال. وهو لو وجد حتى من الرؤساء أعوانا نصراء فهؤلاء تأبي عليهم الحكمة أن ينقلبوا إلى حال يريدونها، من حال للناس قديمة عتيقة، بضرب العرف فيها وتضرب التقاليد، بعيدة الحذر في أرض الزمان. وغير هذا فالأشياء سائرة مع النية الحسنة من سيئ إلى ما هو اقل سوءا، ومن حسن إلي ما هو أكثر حسنا، فلتترك الأشياء تجري على سجيتها.
وأخيرا أقنع الأستاذ تلميذه بأن الحكمة تقضي بأن لا يفعل شيئا وحده، لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً وحده، إلا الإضرار بنفسه من غير فائدة أو عائدة. وأقنعه بأن واجب العمل يسقط عن المرء إذا لم يكن له عون من زمانه. واقتنع الطالب بالذي قال أستاذه. واستراح بالاً. وسر الأستاذ أن يسمع تلميذه يقول: أنا الآن أرى وجوه النفع في نظم للحكم غير نظمنا، في نظم غريبة أجنبية عنا وسأعمل وسعى أن انتفع بوجوه النفع هذه، وأن أقتبس منها لنظام حكمنا - أن أقتبس منها ما أضيفه إلى أحسن مما أجد في نظام حكمنا، وسأجتهد أن أعمل في حياتي هذه القصيرة خير ما استطيع لنفع الإنسانية جمعاء أي نعم لنفع الإنسانية جمعاء!
هذا قول قد يثير الضحك عند من لم يألف اليابان واليابانيين. أما من ألفهم فيدرك أن اليابانيين قوم يتعلقون بالخيال وبالكمال. أنهم قوم مثاليون. وإن قال الطالب إنه يريد النفع للإنسانية جمعاء فصدقوه. فإنما قال جدا.
