الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 371 الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, في ضيافة فلاح ياباني

Share

واستطرد الأمريكي يحكى : - وجلسنا إلي العشاء وفرغنا من العشاء . ثم انصتنا للاذاعة ، وكانت علي العادة ملخصا للآخبار يذاع على الموجة القصيرة باللغة الانجليزية . وبينما أنا أنصت ، لاحظت أن مضيفي يرشقني بنظرات حادة طويلة .

وجلسنا من بعد ذلك على الأرض نتمدد في غير كلفة ، وسكن المكان إلا من اصوات الحشرات وانغامها خارج الدار . وسألت صاحبي : لم كان يرميني بنظراته تلك الطويلة ؟ وكان سؤالا - لا شك - فاجئا ، فاختبل الرجل بعض حين ، ولكنه ما لبث ان عاد يعتذر عن فعلته أحر اعتذار وأسماها سوء أدب . وحسب بذلك انه خلص من سؤالي وهرب من جوابه . فألححت عليه . فقال إنه كان ينظر إلي متفحصا ليعرف وقع ما اسمع من اخبار المذياع في نفسى ، ليعرف هل اَمنت أم كفرت بها . إنه سمع كثيرا من الأجانب يقولون إن اليابان لا حرية لنقول فيها ، لهذا توقع اني أضحك مما اسمع خفية في صدري .

فأعطاني كلامه هذا فرصة كنت انتظرها . قلت : إني أعرف اليابان ، وأفهم أهلها ، فقد عشت فيها دهرا غير قصير . وإني لأعلم أن بعض الأخبار تصاغ هنا استجابة لبعض الظروف وبعض المواقف ، ولكني اعلم كذلك ان في بعض الأمم التي تدعي الحرية في القول توجد رقابة لا مرية فيها على الصحافة وعلى الإذاعة ، رقابة مباشرة أو غير مباشرة . هذا رأيى . وهو لا قيمة له الآن عندي . إنما الذي له قيمته الآن هو رأيك أنت . هل تعتقد انت صحة ما سمعت ؟ هل توافق على الآراء التي اذيعت ؟

هل تبرر سياسة جرت عليها دولتك ؟ .

ومضي غير قليل من الوقت قبل أن يقبل صاحبي علي الحديث . كانت كانت به حشية أن يخطئ فيترك عندي أثرا غير محمود . وأحس أن شرف أمته في يده - في لسانه ، فاختار ان يمضى في القول على حذر . ولكني اثرت فيه ثائرة الحجاج عمدا ، فاستجاب ، وانطلق لسانه بعض انطلاق .

قال : لقد قرأت بعض كتبك ، ووجدت فيها الكثير الحق مما تحكى عن هذه البلاد ، ولكني وجدت أيضا فيها الكثير من الخطأ في أشد الأمور خطرا ، إنك لا تفهم الشعب الياباني . إننا قبيل في الناس غريب ، فينا صلف وفينا زهو وكبرياء وإذا أساء الأقوام فهمنا ، فنقدونا ، أخذتنا العزة فلم نتنازل ، فنرد نقدا بنقد ، أو نصحح رأيا فينا فسد . إننا نعتقد اننا إنما نفعل صوابا ، وهذه العقيدة تكفى لأن يكون ما نفعل الصواب . ونحن في غير حاجة إلي تأمين الغير على ما نفعل . تصور كم يغضب الانجليز إذا نقد الناقد صنيعهم في ارلندا ، ونحن مثلهم ، يجرح نفوسنا أن يساء فهم نياتنا ، ولكنا لا نتصنع فنعتذر عنها أبدا .

فقطعت عليه الحديث . قلت : مهلك ، مهلك ! ما أسرعكم أيها اليابانيون إلي الحديث عن الشرف القومي ، وإلى الحديث عن بلادكم كانها شئ واحد . على كل حال دعنا الآن ثمن هذا ، فسوف يجئ وقت هذا . وحدثني عما تراه في أمر الشعب الياباني . عما تراه في أمر نفسك أنت ، وأمر امرأتك ، وكيف تنظر أنت وكيف تنظر هي إلي الأشياء . إن بعض الكتب التي ألفت عن اليابان ، وبعض كاتبيها ذوو سمعة وذو نباهة ، هذه الكتب تصف اليابان على أنها تجلس على فوهة بركان لا يلبث أن يتحرك . إنهم يقولون إن اليابانيين على وشك الثورة ، وإنهم جياع ، ورجال الشرطة ورجال الجيش يسومونهم شر معاملة ، وإن اصحاب الأراضى يفرضون على الفلاحين الزارعين إيجارات باهظة معجزة ، وإن الأرز الذي ينتجونه لا يكاد بسد أرماقهم ,

وإن الدين يثقل بأعناقهم . فحدثني عما تري في هذا . حدثني عن هذا ، فهذا هو الأمر الأخطر الذي منه تستنتج خاتمة الأمور .

فسكت صاحبي ساعة وهو ينظر إلي الأرض ، ثم رفع رأسه يقول في جمل يزن ألفاظها وزنا : أنا لست ثوريا ، ولست احاول ان اقطع اغلالا ، من نظم للاقتصاد او نظم للادارة ، تربطني بطين هذه الأرض التي تمدني الأرز كل عام فلا تخلف وعدا ، إني راض بقسمتي . وقسمتي هذه خير من قسمة أبى ، ولي كل ما احتاجه . وإن كان صاحب الأرض جشعا طامعا ، فهذه شيمة كل ذي أرض بكل بلد من بلاد الله ويفيض لي من بعد طمعه وجشعه فضل على كل حال يكفيني . حتى إذا ساء المحصول عاما في قدرتي أن أصبر إلي عام يطيب المحصول فيه . وانا في عيشي في سكون لا يهوشه على أحد ، إلا إذا بدأت أنا بإثارة الناس إلي تهويشه .

قلت : ولكنك تضطر إلي دخول الجيش غصبا . قال : نعم . ولكن كان هذا وأنا صبي ، فلم أكن ارتبطت عندئذ بأسرة ، ولم أكن بدأت أحصل العيش. ودخلت الجيش لمدة غير طويلة ، فأطعموني وكسوني ، وعلموني فيه الشئ الكثير ، وخرجت منه اقوي جسدا وأصح عقلا .

قلت : ولكنى علمت أن العيش بالجيش ذو مشقة وذو غلظة ، وأن الناشز فيه يلقى شر عقاب .

قال : نعم كان العيش شاقا ، ووجب أن يكون شاقا . إن الجيش يعلم الرجل الحرب ، فيعوده ركوب الصعب ويدربه على احتمال الألم . وقد تمشي الأميال الطويلة في لفحة الشمس وهي من نار ، وقد يدوخ الجندي من شدة الحر فيؤذن له بالستقوط على حافة الطريق ، ويظل الباقون في سيرهم لا يلتفتون إلى الوراء ولا يتوقفون . ولم يشك منا أحد ، لاننا عرفنا الحكمة من كل هذا . إن التدريب

في ساعة السلم ، ولو شاقا ، يعين أكبر العون في ساعات الحرب ، حيث لا هوادة ترجي ولا رحمة تساق .

قلت : فما بال النشاز وما يسلم به صاحبه من قسوة ؟ قال : لقد حسبتك نسيت هذا ، فرضيت بأن لا أقول فيه شيئا . ولكن إذ قد اصررت فاعلم ان الكثير من الجنود فقراء ، وهم على غير جانب كبير من الثقافة . وكثيرا ما يقعون ضحية لصنوف من الأفكار ضالة مضلة . فهذا لا يصير عليه الجبش . فالجبش يعلم بعلم الجند الطاعة العمياء لضباطهم ، وللامبراطور ، فإذا حالت بين الجندي وبين هذا الواجب فكرة سياسية ، فالويل للجندى عند ذلك . والجندي علي كل حال تجب حمايته من كل فكرة غريبة من جنسنا ، غريبة الأسلوب عن فكرنا .

قلت : لقد فهمت ما قلت ، ولكنك لم تقنعني بالذي قلته .

قال : إني لم اتوقع انك تقتنع . إن بكم أيها الغربيون صفة من أجود الصفات ، تلك أنكم تستوعبون كل فكر , وتجمعون كل علم ، ثم تصنفون ما تستوعبون ، وتغربلون ما تجمعون ، فتحتفظون بلبابه ، وترمون ما تخلف من خشاره . أما نحن هنا في اليابان فحريصون كل الحرص على كل صنف من صنوف الفكر ، وكل نوع من أنواع العرفان أيا كان . وكل ما نجمع من هذا نحتفظ به ، لبابه وخشاره .

قلت : هذا قول جميل حقا . فلقد رأيت في طول البلاد وعرضها شباب الطلاب ، في أرديتهم السوداء ، يدخلون المدارس ، يحاولون جهدهم أن يجمعوا من صنوف العرفان ما استطاعوا . وهم يجمعون منه المقادير الهائلة علي التعب الكثير وعلى الجهد الزائد ، ولكنهم لا يهضمون فينتفعون بالذي جمعوا . ويبين لهم بطلان ما اعتزوا به من غايات للحياة اعتنقوها دهرا ، فيرفضونها ، ويخرجون على العقائد ، ويخرجون على الأوضاع . ولكنهم لا يلبثون

أن يعودوا من الباب الذي منه خرجوا . إنكم أيها اليابانيون قوم ذوو ثبات وذوو احتفاظ ، ما أمسكتموه لا تفلتونه أبدا .

قال : هذا حق أما سببه فإن الولد الياباني يذهب إلي المدرسة فيتعلم التاريخ الياباني ، وهو مزيج من دين قومي وقصص تقليدي ، ثم يمضى الطالب في دراسته فيكتشف روسو ، وفلتير وأشباههما . فيعجب بهم ، ويسحر بآرائهم . ويفرح بهم فرحه بالجديد . ويشع بهم ما في نفس الشاب من ميل إلي الثوران والثورة . ويتحمس لهم تحمسا كبيرا ، ويري فيما يصفون عالما جديدا ، وحياة جديدة ، ودنيا جديدة . ويرسل شعره ، ويخطب الخطب الجامحة ، ويزج في السجن ، فلا يزيده هذا إلا استشاطة ولكنه لا يلبث أن يأتيه السأم فيرغب عن كل هذا .

يأتيه السأم فلا يطول به الحال حتى ينكشف له ان هذه الاَراء اَراء قد تكون طيبة نافعة للأجنبى ، وللشباب أيضا ، وحتي يدرك أنه من أمة غير الأمم ، من أمة مزلت من أصلاب أنقي وأفضل من أصلاب نزل منها الغربيون ، فهي احسن مادة وادق نسجا ، وهم من أجل هذا ليسوا في حاجة إلي طلب الخلاص مما هم فيه من ضيق ، من آراء اجنبية ، وعقائد غريبة ، يقتبسونها ممن هم دونهم من عشائر بني الإنسان . وعندئذ تعود الوطنية الحارة ، وهي قديمة عنيفة ، إلى تلك القلوب الشابة ، وتتراءي بعد اختفاءه , فتطغي علي كل شي وتملأ عين الشباب الياباني فلا يري غيرها من الدنيا شيئا .

وزاد صاحبي فقال مبتسما : ثم بعد هذا ، فكل صبي إلي الرجولة صائر ، وفي الرجولة لا بد للرجل من تحصيل عيشه ومن الكسب لدنياه .

فقلت في شيء من السخرية : بالطبع أن الوطنية العتيقة لا بد أن تسعد أحيانا . ولكن ماذا تري فيما تسمع به أمريكا

وانجلترا من شباب ، لم يخرج في كثير من الاحيان عن دور اليفاعة ، يزجه بوليسكم في السجن ، على غضاضة من العمر ، فيقوم بتعذيبه على أبشع صورة ، رجاء أن يكف عن عقيدة الاشتراكية أو فكرة غير تقليدية ؟

قال : فكر يا صديقي قليلا نجد ان ما تصف لا يختلف كثيرا عما يستطيع ان يصف به الواصف بعض ما يجري في أمريكا أو في انجلترا . خذ انجلترا مثلا : إن في انجلترا لا تقع الاضطرابات السياسة إلا نادرة ، لأن القوم محافظون ، ويرغبون عن التحول والتجديد ولكن مع هذا فماذا تري في بيترلو ، وماذا تري في ميدان ترافلجار، وماذا تري في غاندي ، وماذا تري في الرنده ؟ وهذا قليل من كثير . وفي الولايات المتحدة ماذا تري في العصابات ، وماذا تري في الذي يصنعه البوليس عند الاعتصابات . وزر ألمانيا ، وزر أمم أوربا ، وانظر ما الذي يجري للأقليات فيها ، ولأحرار الرأي فيها ، وما تصنعه الحكومات ! كل هذه أخطاء لا تجسمونها كما تجسمون أخطاءنا ، ولا تذيعونها كما تذيعون أمثالا لها فينا .

وكان الليل قد تقدم . وأخذ التثاؤب يغتاب الضيف وصاحب الدار . فاقترحت النوم فما أسرع ما وافق صاحبي . أما سبب موافقته ...

اشترك في نشرتنا البريدية