الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 458 الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, لبان يقف الناس ألوفا على بابه

Share

شيكاجو بلد الشدة والعنف، وبلد الرجال ذوى القوة والفتوة، وأكثر البلاد تعذيبا لشرطتها وعبثا بالأمن والطمأنينة . بهذا اشتهرت، وبهذا سار حديث الركبان عنا.

وزرتها فى العام الماضى فلم أجد أهدأ منها ولا أكثر سلاما . وسالت، فقيل فى تفسير ذلك إن الشر كالناس، إذا استيقظ حينا، نام حينا . وإن تلك الفترة كانت فترة نوم، وإن شر الزمان الذى جاء شيكاجو كانت تلك الحقبة التى أعقبت الحرب، لا هذه الماضية، بل التى سبقتها، فى العقد الثالث من هذا القرن، لما رأت الولايات أن تحرم الخمر عامة، فأختفت الخمر من ظهر الأرض لتجرى تحتها، وامتنعت عن سير النهار لتمشى تحت ستر الليل، يقودها إلى حيث تريد جماعات من الناس غلاظ الا كباد، قساة القلوب، رخصت عندهم الأرواح، فلو أن رجلا منهم سفك دماء عشرة من الرجال لما أقلقه ذلك إلا بمقدار ما يقلقه ذبح عشر دجاجات فى صباح واحد .

واستيقظت يوما فوجدت صحف المدينة تنعى رجلا عظيما . وتصفه فتقول : إنه أشد أبناء المدينة وطأة على " كابون " ورجاله . والذى يذكر تلك الحقبة، فى العقد الثالث من هذا القرن، حقبة التحريم - ويمتون به دائما فى أمريكا تحريم الخمر - يذكر بها لا شك " كابون "، أشد رجال العصابات قسوة، وأرسمهم حيلة، وأشدهم ظهرا وظهيرا .

وازدحم أهل المدينة ألوة على بيت الرجل الراحل،

يمزون ويترحمون. وزاد الرائحون إليه والغادون كثرة، فتدخل البوليس لينظر المرور.

وسألت عن صنعة الرجل، فقال أحد الناس فى شىء من السخر الخفى - السخر بى - : لبان . وسألت عن عمر الرجل، فقيل ستة وتسعون . والعهد بطول السنين أنها تنسى. ذلك إلى أن أستزيد علما . ثم تيسر لى أن أقرأ عن الرجل وحياته، فاطلعت منها على حياة غريبة ليست كالتى يحياها الناس.

فأول شئ كان الرجل لبانا حقا. كان يسير فى طرفات شيكاجو بالعربة، وعليها زجاجات اللبن، يوزعها على الأبواب . وكان يعمل كل أيام الأسبوع، وأكثر ساعات النهار، ويؤجر أجرأ خصيصا لا يأذن باقتصاد . وجاء عام ١٩٠١، فجلس ينظر فى أمر نفسه، ماذا يكون حاله - وهو قد بلغ الحادية والخمسين - لو أن شركة اللبن استغنت عنه لكبره وعجزه فتراءى له التين قادحا، فصمم على أن ينشر ما يجد فى نفسه من ذلك بين زملائه، ويحثهم على تأسيس نقابة لهم، تدفع عن حقوقهم، وتزيد فى أجورهم، وتقلل من ساعات عملهم، وتحمى شسخوختهم، ونصحه زملاؤه أن يكف، وإلا أقالته الشركة، فكان جوابه أنه على كل حال مقال، بعد سنوات قليلة، فإن هم أقالوه الآن فكل الذى يحدث هو تعجيل الشر الذى لا بد آت .

وقضى ينشر برسالته الجديدة عاما أضاع كل ما كان في كيسه الصغير من وفر . ولما ذهب إلى مصلحة العمل يطلب من الحكومة إنشاء نقابة لعمال اللبن . كان على طلبه هذا سيمون إمضاء. ولم يمنع هذا مصاحة العمل أن تستجيب إلى طلبه فأنشئت النقابة وكان هو سكرتيرها .

وضحك منه سائر العمال. وقالوا إنه لن يستطيع أن

يحرك ساكنا هو وأتباعه السبعون؛ فلو أنه أتعب الشركات وعمالها ألوف، لقطعوا "جدره" هو ورجاله، ولاستعاضوا عنهم كثيرين . فالماطلون غير قليلين، وتوزيع الألبان لا يحتاج إلى مهارة خارقة .

ومضآ على النقابة بضعة أسابيع . فمر أستيف، فهذا اسم صاحبنا، مر على صالون، وهو شئ يجمع بين القهوة والخمارة، فوجد عند بابه عربة لبن، وقف بها حصان نحيل ذليل . ودخل أستيف الصالون، وطلب كوب لبن . وأخذ ينظر فى الحاضرين فوجد صاحب العربة . وجاءه فوجده سكران . فقال له : يا صاحبى، إن رجالا وأطفالا لا ينتظرون لبنك هذا الصباح، وأنت عنهم مشغول بل أنت لا تصلح فى حالك هذا أن تسوق العربة . فأخذ الرجل المخمور بسبب ؛ فما كان من أستيف، وهو الفارغ المود، العريض المنكبين، القوى على الرغم من وخط المشيب، ما كان منه إلا أن رفع الرجل بذراع واحدة، وجره إلى العربة وأخذ منه دفتر التوزيع، ثم قذف به إلى جانب الطريق، وركب هو العربة ودار علي البيوت وعاد بالعربة إلى الشركة صاحبة العربة وقص عليهم ما حدث . ثم قال : إني سكرتير النقابة الجديدة . والذى تصنعون بسائقكم لا يهمنى، ولكن يكفينى أن أقول لكم إن هذا عمل لا يرضى . فاذا جاء اليوم الذى يتقدم فيه هذا الرجل إلى النقابة فلن يكون لمثله مكان فيها، إلا أن يغير خلقه .

ورفع رجال الشركة حواجبهم استغرابا مما يقول . وشاع وإن الناس وبين الشركات ما حدث . وكان اهتمام الشركات عظيما، إذ كان حال العمال لا يسر . وقيل إذا كان أستيف سيصنع من هولاء الرجال رجالا أصلح، فلا مانع من زيادة الأجر، فالربح سيكون لا شك أكبر . وشاع أيضا أن أستيف لا يشرب إلا اللبن، ومضت بضعة شهور فزاد أعضاء النقابة فكانوا ٧٠٠.

وحدث ذات يوم أن دخل أستيف ورجاله خمارة أمام باب إحدى شركات اللبن . ودخلوا وقد تسلحوا بالقدم والمطارق، فوجدوا سواقى العربات على عادتهم بشربون خمر الصباح قبل أن يبدأوا العمل . وهنا صاح بهم أستيف : أيها الرجال، إن الخمر واللبن لا يمتزجان . وأخذ هو وأعوانه يحطمون الخمارة تحطيمها . وتركوها وليس فيها شئ قائم . والسواقون طاردوهم إلى عرباتهم .

كانت قاعدة النقابة أن لا شراب أثناء العمل . وكان أستيف نصيرا لحسن السلوك أثناء العمل . وطالب العمال بالجد وبالخدمة الطبيبة وبالأدب وبالسرعة فى استجابة الأوامر . ومن أجل هذا ناصرته شركات اللبن وناصرت النقابة، فلم يمض عليها بضع سنوات حتى كان كل العمال أعضاء فيها .

ولما جاء عصر العصابات كان من بعض أعمال " كابون " وأعوانه أن يأتوا إلى كل هيئة ترية، كائنة ما كانت، ويجملوا عليها ضريبة سنوية، يبذلون لها من بعد دفعها الحماية والأمان، وكان بنقابة اللبنانين هذه عام ١٩٣٨ نحو من سبعة آلاف عضو وكان فى خزانتها مليون دولار، وكان دخلها السنوى ٩٠٠ ألف دولار، فإلى هذه النقابة اتجهت أنظار العصبة، عصبة كابون " الشهيرة .

وجعلوا على النقابة إنارة، خمسين ألفا من الدولارات . وكان جواب أستيف لهم : لا . قالها يملء فيه . وفى اليوم الثانى مر على مركز النقابة جماعة أطلقوا أفواه النيران على نوافذ الدار، وفروا . ولم يصب أحد . وعادوا يطلبون الدفع فقال لهم أستيف : لا . بفم أملأ . فلما وجدوا أنه بندقة عسيرة الكسر، انصرفوا عنه ، ولكن إلى حين.

وبلغ أستيف الثمانين، وانتهزت العصابة هذه الفرصة، وظنت أن الرجل قد بلغ به المجز حدا لا يستطيع عنده

مقاومة ودهم الدار منهم عشرة، بسلاحهم، ليس فيهم من ليس له سابقات قتل لا يسهل عدها، ولم يكن أستيف فى الدار. فتركوا له رسالة عند من وجدوا من رجاله قالوا إنهم سيعودون، وإنهم لأخذون ما يطلبون. وعادوا وكان الرجل الشيخ ينتظرهم قائما، وعرضوا عليه العروض من كل صنف. وعرضوا ان يدخلوا رجالهم فى النقابة، وعرضوا أن يدخلوا أموالهم فى الشركات، وعرضوا أن يدفعوا إليه مبلغا ضخما ليخلي لهم مكانه. وعرضوا ان ينضم إليهم ضد الشركات ليكون له يأخذون، بغير كثير عنف، نصيب غير قليل. قالوا : إن بعض عصى من الديناميت ثلثين الصعب . وأخدا أستيف يرفض لهم عرضا من بعد عرض . فلما ضاقوا به قالوا : إذا سترى .

كان هذا إعلان حرب لا شك فيه . ومن يومها قام أستيف على مركز النقابة يحصنها بألواح الفولاذ. وصنع بيته مثل ما صنع ببيت النقابة . واشترى سيارة مصفحة كان يسير فيها وحوله رجاله مسلحين، وجرت المعارك فهزت المدينة والرجل لا يتقلقل . ولم يخبر البوليس لسببين : انه كان دائما يعتمد على رجاله، وأنه كان يعلم عجز البوليس، فكان يرحمه.

ولم يخرج أستيف من سيارته المصفحة إلا عندما بدأت هذه الحرب العالمية الإخيرة . وخرج منها فأهداها للأمة لتصهر ما فيها من حديد لتصنع السلاح.

وكان أستيف جوادا، لا يسأل حتى يعطى، وكان أكبر السؤال أثرا فى نفسه سؤال تضمن إسعادا لأطفال أشقياء . ومات غنيا فقيرا، ذلك أن ثروته كلها كانت صكوكا لديون كلها مما لا يرجى دفعه كان كثير الإحسان، ولكنه كان كثيرا ما يخفى الحسنة فى زي قرض حتى لا يجرح حس الرجال، وأخذت أرملته تفحص هذه

الصكوك المديدة، فسألها الصحفيون، متى تجمع ديونها ؟ فقالت : لن أجمع شيئا لم يرد زوجى قط أن يجمعه.

اشترك في نشرتنا البريدية