أمة السويد أمة من أسبق الأمم إلي المغامرة . ظهر ذلك في مغامرمتهم في صناعة الكبريت حين لم يكن لديهم من خاماته شئ . وبالجهد الشديد ، والصبر الذي لا ينفد ، ملكوا ناصية هذه الصناعة ، لا في السويد ، ولكن في أوربا كذلك . ونحن هنا في مصر ، وفي الشرق ، لا نزالنذكر كبريت الخيال ، وغير الخيال ، وكانت كلها من السويد . والذين ملكوا الكبريت ، في السويد ، ملكوه في الأرض .
وأسطع نجم كان لهم في هذه الصناعة ، رجل اسمه كروجر ، كان ملك الكبريت ، ورجلا من أكبر رجال الصناعة في الدنيا ، ومن أثري الأحياء الذين عرفوا في القرن العشرين .
وفي اليوم الثاني عشر من مارس عام ١٩٣٢ سمع الناس خبراً هائلا : أن إثار كروج أطلق الرصاص على نفسه فأصاب مقتلا ، في شقة في منزل من منازل باريس . وما سمعت الدنيا هذا الخبر الفاجع حتى اهتزت له أكبر اهتزاز . واخذ الصناعيون من كل جانب يرثونه بالمرائي الطوال الحزان . وجريدة التيمس ، كبري جرائد الإنجاز ، كتبت عنه افتتاحية اخذت فيها تعدد مناقبه ، وتقول عن هذا الرجل المجيب إنه قضىي سنوات ما بعد الحرب الماضية يحاول أن يعود بالدنيا الى امرضنها الحرب إلي ما كان لها من سمة ، وأخذ يرعاها رعاية الممرضة الرؤوم قامت ليلها ونهارها إلى جانب صاحبها العليل تعطيه الدواء وترجيه بالشفاء .
ورفن الرجل . ولم يمض على دفنه ساعات حتى اخذت
تشيع عنه الشائعات السود . وأخذت الأيام تتوالي فيكشف كل يوم عن خبثه تدل على أن الرجل كان دجالًا كبيرًا ، وكان نصاباً خداعاً ، وانه سلك كل طرق الاختراع والابتداع والكتب لتظهر شركاته العديدة الواسعة المنتشرة كل انتشار في أوربا ، في مظهر الدقة والرخاء ، وما كانت كذلك .
فأي رجل كان هذا ؟ إن الذين سمعوا باسمه كانوا أعدادا ًكبيرة . أما الذين رأوه رأي العين فكانوا أقل من أولئك كثيرا . أما الذين تحدثوا إليه وعرفوه فأقل من هؤلاء قلة . وعرفه العالم بأنه المليونير ملك الكبريت السويدي .
كان كروجر رجلا من أغرب ما خلق الله . إن الناس إذا بلغوا المجد ، أحبوا الشهرة . والكثرة الكبيري يحبها وهي لم تبلغه . تحب الشهرة وهي من المجد على بعد القمر . ومن الناس من يتجافي ظاهرأ عن السمعة الحسنة واحتفال الناس ، طلبا لزيادة من السمعة واحتفال الناس . ولكن ما هكذا كان كروجر . كان يكره الظهور أكبر الكره . كان يكره ان يُرى ، ويكره أن يُسمع ، ويكره أن يتحدث عنه الناس . كان في المدرسة ، بين إخوانه ورفاقه ، قليل الكلام قليل الإفاضة ، حتي أسموه بالشاب الصموت . وكان في الدنيا ، في عالم الأعمال وعالم الصناعة والتجارة وشتي المناشط ، يحسن الهرب من الناس ، ويحسن التخفي فأسموء بالطيف الخفي والخيال الهارب .
وكره في كراهته الظهور فنادق المدن ، فلم يكن ينزل بها فكان له عوضاً عنها في كل عاصمة ، في أوربا وأمريكا ، شقة لا غير . شقة ضمن كل وسائل الراحة ، وكل متعة من متع الحياة ، إلا الخدم . وكان بكل شقة خادم عجوز واحدة على استعداد لنزوله في أي حين .
على أن كروج لم يكن من ذوي الحاجات الرفيعة ، ولم يكن له من متع الحياة متع سامية إلا " زهرة الوادي "
كان يود أن يراها فوق مائدته كل حين ، مهما اختلفت الفصول وتباينت الأجواء . وكان يحب الكتب ، ويحب من الفنون الصور ، ولكنه لم يكن جماعاً لهذه أو تلك ما عاش .
وكان قراء ، عرافاً بأكثر الآداب الأوربية ، يقرأها من أصولها لا من المترجمات . وأعانه على هذا علم باللغات واسع فكان إلى جانب لغته السويدية ، يحسن الإنجليزية ، ولكن كان ينطقها بلهجة أمريكية شاهدة على السبع السنوات التي قضاها في تلك الربوع ، من سن العشرين إلى السابعة والعشرين . وكان يحسن الفرنسية . وأحسن الألمانية ، ونطقها كما ينطق الأمريكان لا كما ينطق السويديون .
وكان مثل نابليون ، يطلب النوم في أية ساعة فيجيبه . عاد ذات ليلة ، بنيويورك من سهرة في مؤتمر، وعاد معه أحد أعوانه ، فبدأ عونه يكتب تقرير ما دار في المؤتمر من نقاش ولكن كروجر لم يستقر به في المنزل قعود حتى تام ، ونام عميقا . وأخذ العون يكتب ، وكلما كتب شيئاً ايقظه ليقرأه عليه ويري رأيه فيه . وكان يصحو علي أتم استعداد للفحص والمجادلة ، فيصحح ، حذقا وإثباتاً ، ثم يعود في ثوان إلى النوم ، ليستيقظ من بعده استيقاظاً جديدا ، لنقاش جديد ، يجيء من بعده نوم ، وهلم جرا .
وجمع إلي هذا الأمر نقيضه . كان إذا شغله شاغل ، اوقام بيصمم لمشروع ، نسي النوم ليالي متتالية ، ونسي مع النوم الطعام وقد يغريه أصحابه بلقيمات فيأ كلها وهو جالس على مكتبه .
وكان أعزب ، وعاش حياته أعزب . ولم يعرف عنه أحد طول عمره أنه أتصل بإمرأة ، ثم يتكشف الأمر عن صلة له بامرأة دامت سنين ، ولم تكن تلك المرأة بذات بال . فهذه صفاته . كان لا بد من ذكرها لتقربها بالعمل الجبار الذي قام به هذا الرجل في حياة حافلة . فالذي قام به ، وبالسرعة التى قام بها ، لم يقم بمثله أمثال له كثيرون .
فقد صير هذا المهندس السويدي ، من نفسه ، في زمن غاية في القصر ، د كتاتوراً في عالم الكبريت ، يتصرف في حاضره وفي مستقبله ؛ لا في السويد وحدها ، بل في الدنيا كلها . وشركاته عددها ، ومددها ، ونشرها في شرق اوربا وغربها ، وشمالها وجنوبها ، حتى صارت اكبر وحدة اقتصادية في قارة العلم والصناعة والمال .
ولم يقتصر نشاطه على الكبريت ، فقد امتلك حصصاً في مؤسسات أخري ، كانت أكثرها حصصا فعالة ، تدور بمؤسساتها حينما دار ، وتفعل بها ما أراد . فكان له في البنوك الأوربية حصة ، وفي الرهونات الدولية حصة ، وفي السويد كان يمتلك في صناعة الورق ، و يمتلك في خامات الحديد ، وفي الأسمنت والكهرباء والتلفون وغيرها . وكان بوسع سلطانه كل عام . وقبل أن يموت بقليل كان قد توجه إلى استعدان الذهب ممتلك في صناعته .
كان كروجر مهندساً مدنياً ، وخبيراً في الفولاذ . وعاش في أمريكا والمكسيك وجنوب أفريقيا عيشة شاب مغامر ، فيها للقلب الناشئ إمتاع ، وفيها غبطة وإشباع . وعاد إلى استكهلم ، عاصمة السويد ، وهو ابن بضعة وعشرين عاما ، فألف شركة أسماها " كروجر ونول " ، لم تلبث أن كسبت مكانا مقدماً ممتازاً وفي عام ١٩١٣ وجه كروجر همه أول ما وجه إلي صناعة الكبريت . ولم تكن غريبة عنه كل الغرابة . فأبوه ، أرفست كروجر ، كان مديراً لشركة للكبريت صغيرة في بلدته التي نشأ بها ، بلدة كلمار وجه كروجر همه إلي صناعة الكبريت ، ولم تمض سنوات أربع على الشركات الكبريتية التي اتصل بها ، حتى استطاع أن يغري منافسيه من صناع الكبريت أن ينضموا إليه ، بفقهم وفضيضهم ، وكل ما يمتلكون من عدة ومال . ومن هذه الشركة الجديدة خرجت مجموعة المصانع الكبريتية السويدية المتحدة عام ١٩١٧ ، وراس مالها ٤٥ ألف ألف كرون . وما استقرت تلك المصانع . .

