وما استفرت تلك المصانع ، حتى اخذ كروجر يطلب لنفسه السيطرة عليها بواسطة شركته الصغيرة الأولى . وبإجراءات مالية معقدة ، وحيل غريبة بارعة ، نال كروجر ما تمناه . وتمت إمرته . ويبما اختط من خطط ، وبما استدعي من العلم والعلماء من عون ، أخذت شركة الكبريت السويدية تغزو الأسواق الخارجية سوقا سوقا .
وانتهت الحرب العالمية الاولى عام ١٩١٩ ، فاعتزمت أمم كثيرة أن تقيم داخل حدودها مصانع للكبريت ، وأن تقوم عليها بالجمارك تربيها وتحميها . وقد كان في هذا العزم ما يقلم من كروجر أظفاره ، ويقصر آماله . ولكن كرروجر على العكس من ذلك ، رأي في مشاريع تلك الأمم ما يقفز به إلي أمنيته أسرع مما خال . ذلك أن هذه الأمم كانت تفرض على الكبريت الضرائب ، فكانت صناعة الكبريت في كل أمة من تلك الأمم ممزجة بماليتها . فهي وإن كانت صناعة حرة ، إلا أن الأمم اعتمدت عليها فيما تعتمد لموارد ميزانيتها . وكانت هذه الأمم خارجة من حرب ، والخارج من الحرب لا يحمل جيوبه ثقيلة بالذي فيها من مال . وهنا رأي كروجر أن فرصته سنحت . إن لديه الخبرة الفنية في صناعة الكبريت ، وعنده المال أو هو يستطيعه . وإذا فأخذ يعرض على تلك الأمم أن يقيم هو مصانعها ، أو علي الاقل أن يشاركها في إقامتها ، وذلك داخل حدودها ، وفي ظل قوانينها ، ثم هو يقرض حكوماتها الأموال على أن تسددها المصانع ضريبة على مر الأيام .
ورحبت الأمم بالفكرة ، وأخذ كروج يحتكر صناعة الكبريت في أمة بعد أمة . وأخذ يفرق على الأمم القروض
ففرق أربعة عشر قرضا بلغت بليونا ومائتي مليون من الكرونات .
ومن أين جاء بكل هذا المال ؟ جاء به من خزائن المال الكبرى ، من انجلترا وأمريكا . فقد اتصل بكبار مالييها ، وشرح وأقنع ، ففهموا منه واقتنعوا . وكون منهم شركة عظيمة أسماها شركة الكبريت الدولية ، كان لها من الموارد المالية شئ عظيم .
ومدت الشركة الجديدة نشاطها ، تحت عين كروجر ، عبر أوربا ، إلى كندة ، وأفريقية الجنوبية ، وإلى اليابان . وأخذت تتسع أعمالها عاما بعد عام ، حتى صارت عاملا من عوامل الاستقرار ، أو غيره ، في عالم الأموال .
وأموال طائلة كهذه ، وقوة هائلة كالتي تقمصها كررو لايقدر لها سكون أو ركود . فطبيعتها تطلب التمدد ، تطلب زيادة من قوة وزيادة من غزو . وعدا هذا ، فالكبريت ككل بضاعة اخرى ، له أيامه البيض وأيامه السود ، فلا بد إذا من ضمان المستقبل . فارتأي كروجر أنه لابد له من الدخول في صناعات أخري ، يدخلها بالشراء . فاشتري . واشتري ، حتى بلغت مشتربانه حدا هائلا ، فاق في سرعة اتساعه سرعة اتساع مصانعه الكبريتية أول الأمر .
وصار له في العالم الدولي مكانة لا تجاري ، وله كلمة لا ترد . وجاءت الأزمة العالمية ، بدأت في أواخر العقد الثالث من القرن الحالي . فأخذت تتأثر بها كل التجارات ، وتنوء بها كل الصناعات . وبغتة خرجت إنجلترا عن قاعدة الذهب ، فارتاعت لذلك الأمم ، وأخذ كل يحتمي فيما استطاع أن يحتمي فيه من قوانين تصاغ في طلعة النهار الواحد . واخذت حوائط الحماية تزداد ارتفاعا عند حدود الأمم ، فمنعت بينها التداول وزادت الأزمة سوءا .
ووقعت شركات كروجر فيما وقعت فيه شركات العالم . فحماها حينا بأثمان مصطنعة قررها في لندن ونيويورك .
وعاونه أصحاب البنوك على ذلك ثقة فيه . ولكن أخذت الأصوات تتصايح أن في الآمر شيئا خبيثا ، وان ما يذاع من نشرات لا يدل على حقيقة .
والشركات كالأشخاص لها أعداء ولها خصوم ، تنام عنها ما قدرت الشركات على الصحو والقيام ، ولكنها إن مالت برقابها ، قام ألف سكين وألف خنجر إن مالت برقابها ، قام الف سكين والف خنجر يطلب نحورها .
وادعوا على كروج أن روسيا من ورائه تسويتا لسمعته ، وتعجيلا لسقطته . وادعوا ان اختراعا ثم مؤداء خروج صنف من الكبريت دائم ، يطفأ عوده ثم يشعل ثم يطفأ ويشعل ، عددا غير محدود من المرات . واخترعوا هذه القرية هز لهذا الصرح القائم عسى أن يتصدع فينهار . ولم تلبث الدنيا أن كشفت امر تلك القرية وخرج منها كروجر ، وخرجت شركاته موفورة المافية .
ولكن تشعب هذه الشركات في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها ، وكثرة التزاماتها ، جرها إلى يومها الأسود سريعا . وقد كان كروجر يدفع عنها كلما أزمتها الأمور ، أيام الرخاء ، بالسندات يخرجها فتأتيه الأموال تجري من كل صوب كما يجري الماء انحدارا . ولكن سوق الأموال عندئد كانت قد نضبت ، وثقة الناس كانت قد ضاعت ولم يبقى لكروجر إلا أمران : فإما أن يستقيم ويعلن عن حقيقة موقفه وموقف شركاته ، ولكن العاقبة ما تكون ، وإما أن يعوج فيخادع ويصانع ويموه ويدلس . وكان بطبعه لا يعرف الأخلاق ، لا حسنة ولا سيئة .
فاختار ما يستر الموقف ولو إلي حين . ولم يفارقه أمله في انكشاف الغمة ابدا ، و أخذ يكتب ميزانية هذه الشركات بأرقام من عنده . وكان دكتاتورا جباروا ، فلم يجرؤ احد على مراجعته أو مناقشته . وارتاب مدير له في لندن في أمر ، فذكره له ، فما كان من كروجر إلا أن قال :
هل معنى هذا أنك تتهمني ؟ فما كان من المدير ، وهو رجل له في عالم المال مكانة كبيرة ، إلا أن صمت .
وذهب كروجر في تهدئة الخواطر واصطناع اليسر والظهور بحسن الحال إلي ان أعلن لشركائه أنه أقرض إبطاليا ، في السر ، فرضا ، ٢٥ مليونا من الجنيهات ، دفعته ايطاليا سندات . ولكنها سندات كانت مزورة ، مزورة طبعا وإمضاء .
وطلبه أعوانه في امريكا أن يظهر بينهم ففعل . واستفسروا منه عن أمور ، فلم يقتنعوا بتفسيره . وحملوا الاجتماع إلى باريس ، ليكون الاجتماع اوسع ونطاقه أهم . وعندئذ عرف كروجر أن الأمر مكشوف وأن حاله مفضوح . فكتب إلي أصدقائه وعملائه ، وكل من عرف ، بالوداع . ثم ألغي كل ذلك بالتلغراف كأن بادرة له قد بدرت ، وأملا في النجاح قد برق .
وحضر إلي باريس فالتقي بذلك الجمع . ولأول مرة وجد ذاكرته تخونه ، وهو أحوج ما يكون إليها في التدبير والتنظيم . وطال الاجتماع حتى استفرغ كل النهار . وأجل الاجتماع إلي غد .
وفي الغد انتظروه ثم انتظروه . فلما تأخر ، طلبوه في منزله من باريس . فلما دقوا الباب ، ففتحوه ، لم يجدوا كروجر الذي عرفوه . ولكن وجدوا مكانه جثة هامدة لا تنطق ولا تعي ، ولا تستطيع ان تدفع بالحق او بالباطل ، كانت فيما مضي تأمر فلا يرد لها أمر ، وتنهي فلا يرد لها نهي ، وتثبت فلا يكون من بعد إثباتها نفي ، وتنفي فلا يكون من بعد نفيها إثبات - تلك جثة كروجر ، العبقري الكبير والنصاب الأكبر . دكتاتور المال والأعمال الذي حكم أوربا والدنيا دهرا ، ثم تهاوت امبراطوريته في صبيحة يوم أسود الطالع منحوس الضحى .

