الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 379الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, نجاح يغرى بالخيبة

Share

ذهب دى ليسبس إلى إنجلترا يروج لقناة السويس عند رئيس وزرائها ، وعند شعبها ، ولكن على غير جدوى ، لأن الإنجليز أبصروا أصبع فرنسا في الخبيصة ، وتخيلوا عن نياتها فى مصر ، وما وراء مصر ، الخيالات .

ولكن دي ليسبس ، وقد فاز برضي الوالى ، وإلى مصر ، وبتأييده ، مضى قدما رغم معارضة اهل التاميز ، ورغم ان الباب العالى ، بإبعار هؤلاء ، رفض ان يؤيد أوبر ضى . وفي عام ١٨٥٨ نشر دى ليسيس أمر الشركة ، وعرض في السوق٠٠,٠٠٠ ٤ سهم ، ثمن السهم الواحد ٥٠٠ فرنك . أى أنه بدأ رأس مال قدره . . ٢٠٠,٠٠٠,٠٠٠

مائتا مليون من الفرنكات . ولم يمض شهر حتى اكتتب المكتتبون في ٣١٤,٤٩٤ سيهما ، منها . . ٢٠٠,٠٠٠ سهم نالها الفرنسيون ، ومنها أكثر من ٩٦٠٠٠ سهم أخذتها الدولة العثمانية . أما باقي الأسهم وقدرها ٨٥٥٠٦ فقد أخذها وإلى مصر . وظلت إنجلترا وأمريكا وروسيا والنمسا واقفة تنظر ولا تكتتب .

وبدأ العمل فى إنشاء القناة عام ١٨٥٩ . وكان الكثير من الناس بحسبون انه عمل خائب ، ولكن ما لبث الشروع أن تراءي بفضل صاحبه أنه ليس من الصعوبة بحيث وضعوه .

وهي على القناة وهي تحفر أوقات كادت ترتطم فيها بالعقبات ، وتنهدم مما نصب لها الخصوم من فخاخ ، ولكن دى ليسبس صبر ولم ييأس . ومات سعيد الوالى ، ففقد دى ليسبس فيه صديقا حميما ، وعوناً كبيرا ، ولكنه

ما لبث ان استعاض عن عاهل بماهل ، فأعطي إسماعيل له العون وبذل له من صداقته . وجاء عام ١٨٦٦ ، فلم يجد الباب العالى عند ذاك بدأ من مسايرة الزمن والموافقة على القناة .

وجاء اليوم المشهود ، يوم افتتاح القناة . كان هذا في نوفمبر  عام ١٨٦٩ . وهذا باحتفال كبير في ميناء ، بورسعيد ، فاجتمع عنده اسطول كبير من سفائن الامم ، ثمان وستون سفينة ، وعلى رأسها " النسر " وقد حملت إميراطورة فرنسا ، أوجيني . ودخلت السفن الفناة أول مرة . وفى نفس اليوم بلغت بحيرة التمساح . بلغت الإسماعيلية . وفى اليوم التالي سار الموكب حتي بلغ البحيرات المرة . وفى اليوم الذي تلا هذا بلغوا السويس .

ولأول مرة في التاريخ اتصل البحران الكبيران ، الأبيض والأحمر ، بقناة طولها مائة ميل .

وجاءت الساعة الكبرى عندما منح منشيء القناة نيشان الضابط العظيم في جوفة الشرف . منحته إياه فرنسا . وكانت سنه أربعة وستين . وكأنما نفخ هذا النجاح العظيم في الشيخ بعض نسائم الشباب ، فتزوج بعد اسبوع من افتتاح القناة بزوجة شابة اعطته من بعد ذلك خلفا كثيرا . واختاره علماء فرنسا عضواً فى أكدميتها . وإنجلترا ، تلك التي تعززت وتمنعت طويلا ، رات ان ترضى وتترضى اخيرا . فمنحته الملكة فكتوريا نيشان الصليب الأحمر من مرتبة نجم الهند . واختارته لندن مواطناً . وذهب إليها فاستقبلته احتفالا ، ولما دجى الميل أرسلت له فى الجو الصواريخ ألوانا .

وقامت الحرب بين فرنسا وألمانيا ، الحرب السبعينية ، فاسرع إلى باريس . وقامت الدعماء تطلب الإمبراطورة ، أوجينى ، وهي تترك قصرها إلي منفاها ، فذكر جميلها ، فحماها مع الحامين . لم يكن دي ليسبس يهتم بالسياسة ، وقصر همه على

الأغراض العلمية والمآرب الإنسانية ، إلا مرة واحدة كادت تصيده السياسة بحبالها : رشح نفسه للنيابة البرلمانية  ولكن غلبه جيشنا ، فلم يحزن ، وإنما ابتهج ، لأنه رأي في هذه الحبيبة مشيئة الأقدار فى أن يظل كما رد هو دائما بمعزل عن السياسة والسياسين .

وكان لا بد لشركة القناة من سنوات تمضى قبل أن تستقر وتستتب أمورها .

ثم ظهر مشروع شق قناة بنها ، فدعوه أن يترأس المؤتمر الذي انعقد من أجل ذلك . وقد كان من الخير له وهو في السبعين ، ان يرفض ، ومن الخير ان يقنع من المجد بالذي كسب ، ولكنها الآمال الإنسانية لا ترتوى أبدأ فرضى في اغتباط ظاهر . ودعوه إلي ترأس المشروع بعد ذلك ، فنصحه ولده شارل بالرفض ، ولكنه ابى إلا قبولا . قال المؤتمرين في ختام أيامهم : " منذ اسبوعين لم يكن يخطر لى في بالى سأدعى إلى تراس مشروع جديد . ولقد حاول أخلص اصدقانى ان يثنونى عن قبول ذلك قالوا : ليس بعد السويس إلا الراحة . ولكن قائد الجيبش الذي يحارب فينتصر ، ثم يدعي من بعد ذلك إلي حرب جديدة فننصر جديد ، كيف يتنسى له ان يقول لا ! " .

واصطحب زوجته ، واصطحب أولاده الثلاثة منها ، اصطحبهم إلى بنها يمسح الأرض مع الماسحين . وبدا أول الأمر أن الأمر سهل . ولكن ما لبث أن عبقت المائات من كل فج ؛ عبئت به  الرلازل ، وعبئت الامراض ، وسوء الإدارة وسوء الحساب ، وعبث به العصيان ، وعبئت به الحوادث صنوعاً واشكالا . ولم يعد رجلنا ذا طاقة على أن يباشر العمل بنفسه ، فانتدب .

ومضت السنوات ، وأخذت موارد الشركة تهبط هبوطاً سريعا . واخذت نهاية السوء تبين . وبذل الرجل ذو الثلاثة والثمانين جهد الجبابرة لمنع هذه النهاية ان

تكون . وفي عام ١٨٨٨ نشر استحثائا لحملة الأسهم ، قال : " إنى انادى كل فرنسى ، وكل صاحب سهم وكل مشارك معين ، واقول لهم إني وهبت حياني لعملين كبيرين اجتمع الرأي علي انهما مستحيلان قناة السويس وقناة بنها . أما قناة السويس فقد فتحت ، وفتحت بها صناديق فرنسا لتمتلئ ذهبا . فإذا أردتم للقناة الثانية مثل الذي كان للأولى ، ومن الأولى ، فمشيئة ذلك في أيديكم . لكم وحدكم الخيار أيها السادة " .

وأقاموا " يا نصيبا " قدر له أن يأتى ببضع مئات من الالوف ، ولكنه قصر عن بلوغ الحد الادنى . فلم يكن بد من تصفية الشركة . وتحدث عن تلك الفضيحة ، فضيحة بنها ، كل لسان .

واعتزل دي ليسبس ، واعتكف في بيته ، ودخل في سبات المرض عميق ، وهاج الرأي العام ، وطلب تحقيقاً . وجاء البوليس إلى منزل الرجل الشيخ المريض يستدعيه . ودخلوا بالخبر إليه على التدرج مدخلا سهلا ، ومن عجب ان الرجل استفاق للخبر ، ونهض من مرض ، ولبس ثيابه ، وحمل على صدره نيشاناً للشرف وهبته إياه امته ، وركب يطلب الدفاع عن نفسه . ولكن الهزة التي اهتزتها نفسه ، فاحتملها أولا ، عادت تنوء بها وهو في الطريق فرجعوا به إلى البيت .

واصبح الصباح فهال الناس أن الحكومة قررت محاكمة ديلسبس وشركائه - محاكمته بتهمة النصب والأحتيال . وافتتحت المهائة في محجة الاستئناف فى باريس في العاشر من يناير عام ١٨٩٣ .

ولم يستطع الشيخ أن يحضر المحاكمة ولكن دافع عنه المحامون الفرنسيون ذلك الدفاع الرائع الذي لا يستطيعه كل إنسان ، وكل لسان ، وكان محاسبة الأستاذ بربو . قال : " لقد كان فى إمكانى أيها القضاة أن أحمل إليكم ذلك

الشيخ الفانى على كرسى . ولكني رحمتكم من منظر قد لا يسركم كثيرا لو أنى حملت فردناند دى ليسبس إلى هذه القاعة ، أيها السادة ، لقام كل هذا الجمع المحتشد إجلالا ، ولأفسحوا له الطريق صفا صفا احتراماً له وتعظيما . ولرايتم بأعينكم كيف يحتفل بالمجد الباهر حتى على الخيبة الباهرة .

ولكني أخشى إن أنا هكذا حملته ، أن يتنبه ساعة من نومه ، فينظر ، فيهوله ما يري وقد ندب القوة في لسانه ، وتنطلق الريح في صوته الواهى ، فيحتج على قوم جاءوا به يهلهلون شرفه ، وشرف ابنه ، ويمزقون .  . . ولكنى لا استطيع حمله ، لأنه نزل إلى حال ليس منها صعود . . . إنه لا يستطيع ان يتحدث إليكم ، فليقم لساني عن لسانه بديلا وسأتحدث إليكم في غير حرج ، لأن الرجل الذي اتحدث " منه لا يسمعني ، ولن يسمعني ، لانه فى طريقه إلى التراب . .  . إن الرجل العظيم الذي ادفع عنه ، رجل بسيط لا يحتاج وصفه إلى عناء . اجمعوا إلى المغامرة الجسارة ، واجمعوا إلى قلة الخوف التماسك والصبر ، واجمعوا إلى هذا وهذا حب الوطن ومجد الامة ، اجمعوا كل هذا ، يكن لكم ما تريدون من وصف الرجل ومن تحقيقه "

ولكن كان كل هذا عبثا . فقد حكمت المحكمة على الرجل ، حافر القناة ، وواصل البحرين ، بالحبس خمس سنوات ، وبغرامة ٣٠٠٠ فرنك . واستأنف المحامون ، ولخطأ في الشكل . فضى القضاة بالغاء الحكم ، وبتسريح الحبساء .

ولكن بقي شرف الرجل مخدوشاً ، إلى يوم في ديسمبر عام ١٨٩٤ . ففي هذا اليوم تطهر الرجل من دنس ، واغتسل الشرف المتلوث ، طهره وغسله جنازة للجمهور حاشدة طويلة ، مشى فيها الناس عارية رؤوسهم ، يشيعون إلي المقار هيكلا حطاما ، ناء من ثقل السنين تسعة وثمانون عاما .

اشترك في نشرتنا البريدية