الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 461الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء, نزل الستار ، فحجب النور ، ثم ارتفع

Share

الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى ، وكذلك العين وسلامتها ، لا يدرك قيمتها إلا من فقدها ، فما بالك بمن فقدها ، ثم استردها ، ولكن بعد أن طوى أحقابا ، وكادت أن تطويه الأحقاب .

بدأ الحياة بمولد عجيب . إن الولد يولد ووزنه سبعة أرطال أو نحوها ، أما صاحبنا فقد ولد ووزنه ضعف هذا المقدار ، وتعسر خروجه إلى الدنيا ، وفى تعسره اندفع الدم إلى عينيه ، فأصابهما بأذى غير يسير .

ونشأ وهو يرى رؤية لا بأس بها ، والذى بقى فى عينيه من آثار ذلك الدم المندفع غير فى بصره ألوان الأشياء . فالسماء الزرقاء كان يراها قبة غبراء .

وشىء آخر تركته تلك الفاجعة الأولى ، أنه لم يكن يرى الأشياء فى مواضعها تماما ، وسبب ذلك له الحوادث يتلو بعضها بعضا ، وكسرت عظامه فى هذه الحوادث تسع مرات . وكانت تكسر فتجبر . وفى حادثة ذهبت إحدى عينيه لغير رجعة . وفى حادثة أخرى احترقت عينه

رى ، فنشأ عليها من هذا الحريق غشاء ، أخذ أول الأمر يتكون بطيئا ، ثم زادت سرعة تكونه ، وزاد من جراء ذلك ضعف بصره ، من جزء من ستة ، إلى جزء من اثنى عشر ، إلى جزء من ثمانية وأربعين ، ثم نزل الستار كثيفا فحجب النور كله .

وإذا عمى الإنسان وحجب نوره ، استيقظت فيه الأحاسيس الأخرى استيقاظا غير منظور ، فهو يسمع أكثر مما سمع ، وهو يشم أكثر مما شم . والخشب والمعدن يقتربان منه ، فيدرك اقترابهما بفروق خفية من

حرارة وبرودة . والقطن والصوف ، وقد كان مسهما أطول المس ، يمسهما الآن ، فيجد من مسهما شيئا جديدا . والكلب والقط والناس يصبح لهم إلى جانب الشميم هالة ، كأنها هالة من مغناطيسية كهربائية . وهى هالة قد تحمد ، وهى هالة قد تذم .

والأصوات يصبح لها المقام الأرفع ، وكذلك تلك الأصوات القليلة الخافتة التى لا يأبه لها ذو العين كالسعلة الخفيفة ، أو حتى النفس الخفيف ، أو حتى صوت الجلسة يجلسها الرقيق . فإن لها صوتا ، وإن للجليس فى أثناء جلوسه أصواتا خافته تنبئ عن قلقه أو عن اطمئنانه .

ويأتيه الزائر فيستقبله عند الباب ، ليصافحه ، ليجد فى مس يده شيئا من حقيقته . ويجلس إليه فيأخذ مما يشم منه وما يسمع ، يكون له صورة ، فيرسم له جسما ، ويرسم قامة ، ويرسم وجها .

وجاءه العمى على مهل ، فأخذ منه متع الحياة واحدة بعد أخرى : فالرياضة والألعاب ذهبت . وأول ما ذهب الصيد . الصيد كائنا ما كان . ثم لعب التنس ، ثم الكرة . ثم السيارة ، أخذ سيرها فى يديه يتباطأ ، حتى صارت أبطأ من حمار . ثم الكتب عزت قراءتها ، ثم امتنعت ، وكذلك الصحف لم يعد يقرأ منها إلا عنواناتها ، ثم ذهبت هذه .

وبذهاب هذه الرياضات ، وبذهاب هذه الألعاب ، ذهب من كان يشركه فيها من الأصدقاء والأصحاب . وبعض الأصدقاء والأصحاب حفظ الصداقة والصحبة ، ولكن قلت الزيارة وندر اللقاء . وكان لابد له أن يبتدع المشاغل ، ويستجد الملاهى . فذهب إلى المسارح . ولكن المسرح من غير نور ، وبغير ألوان ، لا يشوق كثيرا . فاتخذ وجهته إلى الإذاعة والحاكى ، ولكن هذان ضاقت بهما آذان السامعين ، فعمد إلى المائدة ، إلى الطعام والشراب ، فوجد فيها لذة الحلق ، ووجد ممن صحبه عليها لذة السمع .

وصار الفكر متعته الكبرى . وطلب من يقرأ له ، ويلتذ مع ذلك القراءة ، ويشركه فيما يقرأ ، فوجد أن رجلا كهذا عزيز المال . وطلب الذى يقوده ، فلم يجد إلا دافعا غليظا أو ممسكا بذراعه قابضا  وطال الطلب حتى وقع أخيرا على من عرف أن القيادة مس خفيف ، بأطراف الأنامل ، لا بالكف الواسع العريض .

وما أسرع ما تكشفت له على عماه طوايا الناس ! وما أسرع ما كان يحس الشفقة فيميز منها ما يصدر عن إخلاص وما يصدر عن زيف . والرجال عرف منهم من راق ومن تعكر . والزحام كرهه ، إلا فئة مختارة من اثنين أو ثلاثة ، يجلس بينهم فتنير له الدنيا على الرغم مما لفه فيها من سواد .

وتعلم كيف يفرغ إلى نفسه ، ويأنس بنفسه ويطيل الإصغاء لحديثها ، وتطيل هى الإصغاء لحديثه . وقد كان أحيانا حديثا فارغا عمن يدعو من الإخوان ، وأى طعام يقدم ؛ وأحيانا حديثا مليئا يغوص به فى أغوار السماء وأحناء الأرض ، ويجرى مع الزمن ، ما مضى منه وما يسترجى ، ويقضى فى ذلك الساعات على لذة لا ينالها السأم . وقد يسمع فى أركان نفسه وظلامها أصواتا لا يكاد يحدد مداها ، ولا يتبين معناها ، ولا يعرف مأتاها ، أمن الشيطان كانت ، أم كانت من عند الله .

وجاء اليوم المقدور بمنة . جاءه ذلك اليوم الذى يختار فيه رد البصر أو بقاء العمى . وتحدثت إليه الأشجار تقول : " نحن لا نرى أبدا ، ولكنا نعيش على الخضرة ، ونتفتح بالزهر ألوانا ، ونستمتع بالحياة ˓" .

وتحدث إليه الواجب يقول : " إن الارتكان على الناس يورث الراحة ، ولكنه حق مؤقت لعاجز ما استعصت عليه أسباب القدرة " .

وقضي الأمر . وجاء الجراح يصنع ما قيل مرارا إنه لا أمل فيه لصانع . وما رفع الجراح آخر مشرط حتى أخذ

الضوء يدخل العين بعد أن أغلقت دونه زمانا .

وبعد أيام رفعت الضمادات عن العين الواحدة . وقيل للرجل : افتح عينك . قال : وهل أرى ؟ قيل سنرى .

وفتح عينه . وكان على طرف السرير باقة من زهر ، من أحمر وأزرق وأبيض ، ومن كل لون . فوقعت عليها عينه أول وقوع . ألا ما أبهج !

عاش فى ظلام عشرات السنوات ، ثم هذا هو يعود ، فيولد على شيخوخته فى الدنيا النيرة من جديد .

وشاقه أكثر ما شاق رؤية الوجوه . كانت خيالا فصارت حقيقة . كانت مبهمة فزال إبهامها . فهذا وجه الطبيب ، وهذا وجه الممرضة . ولكنها أوجه تعلوها الزرقة . ومن هذا الرجل ؟ إنه صوت ابنه الأكبر . إنه لا يعرفه . موقف غريب ، يلذ ويؤلم !

ويسأل الابن أباه : ألا تعرفنى ؟ فيقول الأب فى نفسه : " الحق أنى لا أعرفك يا بنى .

ووجهك أزرق كسائر الوجوه . ولكن من تكون ؟ أنت ؟ ابنى ؟ لا يمكن هذا . إن ابنى طفل أو شاب ، أما أنت فكهل˓"˓.

ويعود الابن يسأل : ألا تعرفنى يا أبى ؟ فيقول الأب فى نفسه : " نعم إنه صوت الولد . ولكنه ليس الآن بولد . لقد كبر خلسة منى " . ويتعارفان .

ويعود الرجل الشيخ يسأل : ما لون هذا الحائط . فتقول الممرضة : أبيض . فيقول الشيخ : نعم ظننت ذلك . فيقول الطبيب : لا ، إنك لم تظن ذلك . إنك تراه أزرق .

ويسأل الشيخ : وهذا الزجاج لا لون له ؟ فتقول الممرضة : نعم ، لا لون له . ويسأل الشيخ : وهذه هى السماء ؟ .. .. [ سنه فوق الستين ولا يعرف السماء ! [

وتعود الضمادات إلى العين ، بأمر الجراح .

ويصبح الصباح ، فتحس العين امتلاء ، وتحس ثقلا . أصاب العين سوء لم يكن منتظرا . دخلها سوء من خارج الجسم أو من داخله . ويبحثون عن بؤرة السوء ، هل هى فى اللوز أم فى الأذن أم فى الأعور ؟

وتطول الخصومة بين الأطباء وبين الداء ، وتزيد العين احمرارا ، ويأخذ ينسدل عليها ما كان ارتفع من ستار .

يالله ! أيعود إلى العمى من بعد إبصار . رحماك يا أرحم الراحمين .

وتزيد معركة الطب والأطباء احترارا . إنها معجزة من معجزات الجراحة يجب أن لا تخيب . لا من أجل الرجل فحسب ، ولكن من أجل الطب والأطباء .

ويتبع النصر الهزيمة ، ويأتى من بعد الهزيمة نصر ، وتأخذ السحابة تنقشع . ويعود الرجل فيرى الأشياء ويزول انبهامها شيئا فشيئا . وتتحدد تفاصيلها ، وتروق ألوانها .

ويمضى شهر وشهر . ويقبل الشيخ على العمل أفتح ما يكون نفسا . إنه العمل الحبيب الذى حرمه السنوات . وكان أحب عمل إليه ما اتصل بعضله ، فراح إلى الغابات يقطع شجرها ، ويقلم فروعها .

وعاد إلى أصدقائه القدماء يتعرف إليهم من جديد ، فى ناديهم .

لقد امتنعت عليه الوجوه ، ولكن دلت عليها الأصوات .

كانت تجربة أليمة ، ومحنة ، ولكنها لم تعدم لذة . وأخذ يمحو من لوحة نفسه ويخط آثارا لمن باقى من الصحاب والأحباب .

ونعود فنقول : إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى .

فلنحمد الله على نعم لا ندركها إلا عند افتقادها .

اشترك في نشرتنا البريدية