الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى ، وكذلك العين وسلامتها ، لا يدرك قيمتها إلا من فقدها ، فما بالك بمن فقدها ، ثم استردها ، ولكن بعد أن طوى أحقابا ، وكادت أن تطويه الأحقاب .
بدأ الحياة بمولد عجيب . إن الولد يولد ووزنه سبعة أرطال أو نحوها ، أما صاحبنا فقد ولد ووزنه ضعف هذا المقدار ، وتعسر خروجه إلى الدنيا ، وفى تعسره اندفع الدم إلى عينيه ، فأصابهما بأذى غير يسير .
ونشأ وهو يرى رؤية لا بأس بها ، والذى بقى فى عينيه من آثار ذلك الدم المندفع غير فى بصره ألوان الأشياء . فالسماء الزرقاء كان يراها قبة غبراء .
وشىء آخر تركته تلك الفاجعة الأولى ، أنه لم يكن يرى الأشياء فى مواضعها تماما ، وسبب ذلك له الحوادث يتلو بعضها بعضا ، وكسرت عظامه فى هذه الحوادث تسع مرات . وكانت تكسر فتجبر . وفى حادثة ذهبت إحدى عينيه لغير رجعة . وفى حادثة أخرى احترقت عينه
رى ، فنشأ عليها من هذا الحريق غشاء ، أخذ أول الأمر يتكون بطيئا ، ثم زادت سرعة تكونه ، وزاد من جراء ذلك ضعف بصره ، من جزء من ستة ، إلى جزء من اثنى عشر ، إلى جزء من ثمانية وأربعين ، ثم نزل الستار كثيفا فحجب النور كله .
وإذا عمى الإنسان وحجب نوره ، استيقظت فيه الأحاسيس الأخرى استيقاظا غير منظور ، فهو يسمع أكثر مما سمع ، وهو يشم أكثر مما شم . والخشب والمعدن يقتربان منه ، فيدرك اقترابهما بفروق خفية من
حرارة وبرودة . والقطن والصوف ، وقد كان مسهما أطول المس ، يمسهما الآن ، فيجد من مسهما شيئا جديدا . والكلب والقط والناس يصبح لهم إلى جانب الشميم هالة ، كأنها هالة من مغناطيسية كهربائية . وهى هالة قد تحمد ، وهى هالة قد تذم .
والأصوات يصبح لها المقام الأرفع ، وكذلك تلك الأصوات القليلة الخافتة التى لا يأبه لها ذو العين كالسعلة الخفيفة ، أو حتى النفس الخفيف ، أو حتى صوت الجلسة يجلسها الرقيق . فإن لها صوتا ، وإن للجليس فى أثناء جلوسه أصواتا خافته تنبئ عن قلقه أو عن اطمئنانه .
ويأتيه الزائر فيستقبله عند الباب ، ليصافحه ، ليجد فى مس يده شيئا من حقيقته . ويجلس إليه فيأخذ مما يشم منه وما يسمع ، يكون له صورة ، فيرسم له جسما ، ويرسم قامة ، ويرسم وجها .
وجاءه العمى على مهل ، فأخذ منه متع الحياة واحدة بعد أخرى : فالرياضة والألعاب ذهبت . وأول ما ذهب الصيد . الصيد كائنا ما كان . ثم لعب التنس ، ثم الكرة . ثم السيارة ، أخذ سيرها فى يديه يتباطأ ، حتى صارت أبطأ من حمار . ثم الكتب عزت قراءتها ، ثم امتنعت ، وكذلك الصحف لم يعد يقرأ منها إلا عنواناتها ، ثم ذهبت هذه .
وبذهاب هذه الرياضات ، وبذهاب هذه الألعاب ، ذهب من كان يشركه فيها من الأصدقاء والأصحاب . وبعض الأصدقاء والأصحاب حفظ الصداقة والصحبة ، ولكن قلت الزيارة وندر اللقاء . وكان لابد له أن يبتدع المشاغل ، ويستجد الملاهى . فذهب إلى المسارح . ولكن المسرح من غير نور ، وبغير ألوان ، لا يشوق كثيرا . فاتخذ وجهته إلى الإذاعة والحاكى ، ولكن هذان ضاقت بهما آذان السامعين ، فعمد إلى المائدة ، إلى الطعام والشراب ، فوجد فيها لذة الحلق ، ووجد ممن صحبه عليها لذة السمع .
وصار الفكر متعته الكبرى . وطلب من يقرأ له ، ويلتذ مع ذلك القراءة ، ويشركه فيما يقرأ ، فوجد أن رجلا كهذا عزيز المال . وطلب الذى يقوده ، فلم يجد إلا دافعا غليظا أو ممسكا بذراعه قابضا وطال الطلب حتى وقع أخيرا على من عرف أن القيادة مس خفيف ، بأطراف الأنامل ، لا بالكف الواسع العريض .
وما أسرع ما تكشفت له على عماه طوايا الناس ! وما أسرع ما كان يحس الشفقة فيميز منها ما يصدر عن إخلاص وما يصدر عن زيف . والرجال عرف منهم من راق ومن تعكر . والزحام كرهه ، إلا فئة مختارة من اثنين أو ثلاثة ، يجلس بينهم فتنير له الدنيا على الرغم مما لفه فيها من سواد .
وتعلم كيف يفرغ إلى نفسه ، ويأنس بنفسه ويطيل الإصغاء لحديثها ، وتطيل هى الإصغاء لحديثه . وقد كان أحيانا حديثا فارغا عمن يدعو من الإخوان ، وأى طعام يقدم ؛ وأحيانا حديثا مليئا يغوص به فى أغوار السماء وأحناء الأرض ، ويجرى مع الزمن ، ما مضى منه وما يسترجى ، ويقضى فى ذلك الساعات على لذة لا ينالها السأم . وقد يسمع فى أركان نفسه وظلامها أصواتا لا يكاد يحدد مداها ، ولا يتبين معناها ، ولا يعرف مأتاها ، أمن الشيطان كانت ، أم كانت من عند الله .
وجاء اليوم المقدور بمنة . جاءه ذلك اليوم الذى يختار فيه رد البصر أو بقاء العمى . وتحدثت إليه الأشجار تقول : " نحن لا نرى أبدا ، ولكنا نعيش على الخضرة ، ونتفتح بالزهر ألوانا ، ونستمتع بالحياة ˓" .
وتحدث إليه الواجب يقول : " إن الارتكان على الناس يورث الراحة ، ولكنه حق مؤقت لعاجز ما استعصت عليه أسباب القدرة " .
وقضي الأمر . وجاء الجراح يصنع ما قيل مرارا إنه لا أمل فيه لصانع . وما رفع الجراح آخر مشرط حتى أخذ
الضوء يدخل العين بعد أن أغلقت دونه زمانا .
وبعد أيام رفعت الضمادات عن العين الواحدة . وقيل للرجل : افتح عينك . قال : وهل أرى ؟ قيل سنرى .
وفتح عينه . وكان على طرف السرير باقة من زهر ، من أحمر وأزرق وأبيض ، ومن كل لون . فوقعت عليها عينه أول وقوع . ألا ما أبهج !
عاش فى ظلام عشرات السنوات ، ثم هذا هو يعود ، فيولد على شيخوخته فى الدنيا النيرة من جديد .
وشاقه أكثر ما شاق رؤية الوجوه . كانت خيالا فصارت حقيقة . كانت مبهمة فزال إبهامها . فهذا وجه الطبيب ، وهذا وجه الممرضة . ولكنها أوجه تعلوها الزرقة . ومن هذا الرجل ؟ إنه صوت ابنه الأكبر . إنه لا يعرفه . موقف غريب ، يلذ ويؤلم !
ويسأل الابن أباه : ألا تعرفنى ؟ فيقول الأب فى نفسه : " الحق أنى لا أعرفك يا بنى .
ووجهك أزرق كسائر الوجوه . ولكن من تكون ؟ أنت ؟ ابنى ؟ لا يمكن هذا . إن ابنى طفل أو شاب ، أما أنت فكهل˓"˓.
ويعود الابن يسأل : ألا تعرفنى يا أبى ؟ فيقول الأب فى نفسه : " نعم إنه صوت الولد . ولكنه ليس الآن بولد . لقد كبر خلسة منى " . ويتعارفان .
ويعود الرجل الشيخ يسأل : ما لون هذا الحائط . فتقول الممرضة : أبيض . فيقول الشيخ : نعم ظننت ذلك . فيقول الطبيب : لا ، إنك لم تظن ذلك . إنك تراه أزرق .
ويسأل الشيخ : وهذا الزجاج لا لون له ؟ فتقول الممرضة : نعم ، لا لون له . ويسأل الشيخ : وهذه هى السماء ؟ .. .. [ سنه فوق الستين ولا يعرف السماء ! [
وتعود الضمادات إلى العين ، بأمر الجراح .
ويصبح الصباح ، فتحس العين امتلاء ، وتحس ثقلا . أصاب العين سوء لم يكن منتظرا . دخلها سوء من خارج الجسم أو من داخله . ويبحثون عن بؤرة السوء ، هل هى فى اللوز أم فى الأذن أم فى الأعور ؟
وتطول الخصومة بين الأطباء وبين الداء ، وتزيد العين احمرارا ، ويأخذ ينسدل عليها ما كان ارتفع من ستار .
يالله ! أيعود إلى العمى من بعد إبصار . رحماك يا أرحم الراحمين .
وتزيد معركة الطب والأطباء احترارا . إنها معجزة من معجزات الجراحة يجب أن لا تخيب . لا من أجل الرجل فحسب ، ولكن من أجل الطب والأطباء .
ويتبع النصر الهزيمة ، ويأتى من بعد الهزيمة نصر ، وتأخذ السحابة تنقشع . ويعود الرجل فيرى الأشياء ويزول انبهامها شيئا فشيئا . وتتحدد تفاصيلها ، وتروق ألوانها .
ويمضى شهر وشهر . ويقبل الشيخ على العمل أفتح ما يكون نفسا . إنه العمل الحبيب الذى حرمه السنوات . وكان أحب عمل إليه ما اتصل بعضله ، فراح إلى الغابات يقطع شجرها ، ويقلم فروعها .
وعاد إلى أصدقائه القدماء يتعرف إليهم من جديد ، فى ناديهم .
لقد امتنعت عليه الوجوه ، ولكن دلت عليها الأصوات .
كانت تجربة أليمة ، ومحنة ، ولكنها لم تعدم لذة . وأخذ يمحو من لوحة نفسه ويخط آثارا لمن باقى من الصحاب والأحباب .
ونعود فنقول : إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى .
فلنحمد الله على نعم لا ندركها إلا عند افتقادها .

