الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 300الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

الادب والمعدة

في مائدة الإفرنج ، والمتفرنجين ، يشرب القوم قطير الخمر قبل الطعام . ويشربونه طعوما والوانا . ودعواهم في ذلك الاستعانة على الهضم . فهم يستعينون على الهضم قبل أن يكون الطعام.

أما أنا فأستعين عليه ، احيانا ، ولكن بعد ان يكون الطعام ؛ بعد الفراغ من المائدة والقيام عنهما .

وخمري في ذلك ليست كمينا مما يعتق في الدنان ، ويسكب في الكؤوس فيرقص على سطحه الحبيب ، ولكن خمري في ذلك الأدب ، اسفاء على إلا كثر مما

عتقته القرون بين اغلفة من الجلد سميكة.

وأجلس للأدب عندئذ في شبه احتفاء كما يجلس طالب الشراب ، في مجلس وطئ ، من ورائه شمس النهار إن كان نهار ، أو مصباح يفتك بظلمة الليل إن كان ليل .

ولا أتناول من الأدب عند ذاك إلا شعرا . فالشعر هو وحده من صنوف الأدب الذي يلتئم والمعدة المليئة ، لأنه الوحيد من صنوفها الذي يلين مع النغم . وهو لا يهضم الا ان يكون توقيعا في الحلق مسموعا ولهذا الإيقاع إلى الهضم طريقان : احدهما يصل إلى المعدة مباشرة فيهزها خفيفا رفيقا ، والآخر يصل عن طريق العصب بارتياح النفس إلى ما تنشد ، وراحة النفس كراحة الجسم ، يطرد عليها الهضم طبيعا سهلا

- وإياك أن تطلب الهضم على مالا ترضي من الشعر ، فعندها يسوء كلاهما . وقد جربت هذا في كثير من شعرنا الحديث ، لغير الشوامخ ، فساء الشعر في حلقي نغما ، فوقى هذا معدتى أن يسوء الشعر فيها هضما .

إني بهذا اكتشفت طريقة يمتحن بها جيد الشعر من خسيسه ، وهي طريقة عملية آلية كالتي يعتمد عليها العلم في كشوفه : رغيف وأدام مما يحتاج هضما ، ثم جلسة كالذي أصف ، ترسل فيها النغم إرسالا .

رحمة الله

ولا يخذلنك عن هذه الطريقة - فلا تمتحنها - الا يكون لك صوت معبد والغريض ، أو تغريدة القمري ونواح الحمامة ، فقد كفتك هذا رحمة الله . فرحمة الله قضت ان يستعذب الإنسان صوت نفسه ولو كان أنكر الأصوات ، ذلك أن المرء لا يسمع صوت نفسه ابدا - لا يسمعه على حقيقتة . فهو يسمعه من الظاهر كما يسمعه من الباطن - من النفس وإلى النفس- وهذا

الطريق اقوى وأوحي من الطريق الظاهر

حدثني صديق أذاع بالمذياع كلمة ، أعيدت له من بعد ذلك مسجلة . قال إنه استمع لها فعجب أن يكون هذا الصوت صوته . لقد انكر صوته مسجلا ، بينا لم ينكره من عرفوه . فهل برهان اكثر إقناعا من هذا بأن المرء لا يسمع صوت نفسه وهو الزم له في حياته من خياله ؟

عجز المرآة

وليس صوت المرء أخفي ما فيه عليه وجه الإنسان ، وهو رمز كينونته وصحيفة وجوده ، خفي عليه ازمانا حتى اخترعت المرآة . على أن المرآة لم تقد المرء في كشف نفسه لنفسه إلا قليلا . إنه لا يري فيها لا بعض نفسه ، وهو لا يري هذا البعض إلا إذا قيد عينه بها . فهو يري وجها واحدا دون سائر الوجوه ؛ وهو لا يري قفاه ، وهو وجه من سائر هذه الوجوه ، إلا بمرآتين

حدثني وزير مفوض ظهرت صورته في فلم سينمائى ، فلم يتبين نفسه على الشاشة إلا عندما نبه إلى نفسه . وافلت الفلم امام عينيه سريعا . فعاد إلي مشاهدته . وعلق على هذا ، قال : كان مفتاح معرفتي نفسي علي الشاشة هذا الوجه الذي أراه كل يوم في المرآة عند الحلاقة . فلولاء ما عرفت ان هذا الظهر ظهري ، ولا هذا الصدغ صدغي ، ولا هذه الحركة حركتي ولا تلك المشية مشيتي . إنى اسكن بيتا عتيقا ، سكنته خمسين عاما ، ومع هذا لا اعرف منه إلا وجهه ، وعرف الناس خلقه والجانبين . وعرفوه ساكنا ومتحركا . وما عرفت بعضه إلا ساكنا ! !

قلت لصاحبي الوزير : فهل حمدت ما تكشف لك من هذا البيت آخر الأمر . قال : لا . ولقد وددت أني جهلت حتى ما كشفت لي من وجهه المرآة .

حداء

إن صوتي في توقيع الشعر لا اظن أني أحمده لو اعرته غيري . وليس بنافعي شيئا ان استعير صوت الموصلي والحمولي . إنه عندئذ ينزل منزلة صوتي ، لا اسمعه ولا أقدره ، ولكن يكون لي منه الراحة - الراحة من مناغمة نفسي الداخلة - كالتي تكون لي من صوتي .

ولي نغمتان بينتان ، استعرتهما ممن انجبني ، هما اشبه بأنغام الحدا ،

كان الرجل الطيب ، طيب الله ثراه ، يقضي إجازته السنوية على الأدب ، يقرأ فيها كتابا قراءة دارس . ولما تقدم به السن استبدل بالأدب الفقه والحديث ، يتخللهما الأدب حنينا إلي الشباب الذاهب .

وكنت صغيرا يأخذ بأذني جميعا حداؤه بشعر المتنبي . فما يقوم عن " كتبته " للوضوء والصلاة حتى يتلصص ابن العشر حتى يجلس مكانه ؛ يجلس بين الكتب المنشورة على مثل جلسته ، ثم يأخذ يحدو مثل حداء ابيه ، بشعر لم يفقه له معنى ، ولكن فقه له بالشكل مبني . فقد كان الكتاب للكعبري .

طباع القردة

إن لم يكن هذا من بعض ما فينا من طباع القردة فما يكون ؟ !

واستيقظ في طبع القرد فقلدت الرجل الطيب في غير الأدب تقليدا داميا . كنت أراه يحلق ذقنه ، فأنظر وأعجب . وما فرغ من هذا ذات صباح حتي تلصص الصبي إلي الموشي والصابون والمرآة . ولم تمض دقيقتان حتي ارتسم خط رفيع على شفته العليا ، خطه الموسي أحمر قانيا . ومسحه بيده وبغير يديه مما ينحسر الدم عن شفته ابدا ، ثم

كان له في كنف الأم - روي الله جدتها - الستر والعلاج . للستر المكان الأول ، وللعلاج المحل الثاني .

قيس ولبنى

قدمت هذه المقدمة ، التي أفلت زمامها من يدي ، لأقول إني جلست إلي الأدب بالأمس ، من بعد حين ، لا تخفف من أكلة ثقيلة . ومددت باعي إلي الأرفف انال به كتابا حينما اتفق . فكان " قيس ولبني " . وكنت قرأت هذه القصة التمثيلية عندما ظهرت منذ بضعة أشهر ، فمأعجبت بها . وكان الوقت هذه المرة عشية ، فقلت اغتيق من بعد اصطباح . فكان غيوقها وايم الحق أحلي من صبوحها . ولعل هذا كائن في كل حسن ، وفي الوجوه الحسان عامة ، ووجه أبي نواس خاصة

يزيدك وجهه حسنا

إذا ما زدته نظرا

ولست أريد الوجه الذي صاحبه أبو نواس ، ولكن وجه صاحب ابى نواس أو صاحبته الذي قال فيه هذا .

إن قصة قيس ولبني قصة ممتعة مشهورة . وهي لاشك خالدة لان حوادثها تتجدد بين الناس في كل جيل وبكل قبيل . أحب قيس لبني واحبته ، ولكنه شيب بها . فلما طلب زواجها منع منه قانون البدو والبيداء - وتشفع بالحسين فقبلت الشفاعة . ثم غارت أم قيس وغار أبوه لاختصاص لبني بأكثر عطف قيس واحتفائه . ويعمل الشيخان حتي يكون طلاق . ثم تذوب نفس قيس وراء لبنى ولا من سامع او مجيب . ويطلب السلوي بالزواج فلا تكون سلوى . وتقتص لبني لعزتها فتتزوج كريما ماجدا . ثم يجتمع قيس بلبني في بيت زوجها وهو في سبيل تجارة ، وهو لا يعلم انه بينها . ويعلم الزوج الكريم بحقيقتهما فينسل من بينهما كريما ، فيعود الحبيبان إلي قديم عهدهما .

ولقد أعجبني في هذه القصة ، على ما رواها عزيز أباظه بك ، تلك السلاسة التي وجدتها في كتابه

السابق " آنات حائرة " . ولو أني خيرت أن أميل لملث الى" اناته الحائرة " . وما كان يمكن أن يكون غير هذا ، فتلك كانت انات صادقة احترق بها قلب الشاعر على حب قطع الموت اسبابه ؛ أما هذه فأنات موصوفة ، احترق بها قلب قيس على حب وصلت الحياة اسبابه .

وإن في هذه السلاسة لمتانة امتدت في القصة امتدادا حتى في القول الدارج منها . وهو أسلوب امتدت أصوله في بادية العرب ، ولكنه نور في حواضر الإسلام. وهو اسلوب امتحن في هزل المواقف وجدها ، وفي حرجها ورحبها ، وفي فرحها وحزنها ، وفي الخطير منها والتافه ، فجاز الامتحان على خير ما يجوزه اسلوب كان عليه أن ينظم ما بين الخمس عشرة مائة من الابيات والألفين .

وليس يقنع شئ كالمثال أورده اعتباطا.

أنشودة العرس

يا بهجة اللقيا

لقيا الحبيبين

إشراقة الدنيا

في حب إلفين

والفرحة السكري

في ضمة اثنين

يهنيك يا لبني

يا قرة العين

هل يشرق المغني

الا بزوجين

يا نغمة الشادي

تحن الدجى غتى

يا نبعة الوادي

يا غصنه الدنا

يا همسة النجوي

أفضي بها المضني الخ .

فهذه أنشودة راقصة ، لا يلبث أن يهتز لها الجسم إذا أنشدها اللسان .

الدعوة للطعام

ويمرض قيس ثم بيلى . وفي إبلاله تغريه زوجته لبني بالطعام فتقول ويقول :

لبني : أما شعرت بجوع

إن الطعام مهينا

ياقيس إن شئت مرني

نجد حيوانا شهيا

قيس : هاتيه يا نور عينى

هاتيه لي بيديك

فإن طعمت قربي

هناك من شفتيك

كلام بسيط ، تقوله أنت وأقوله أنا ، ولكن ليس في هذه الحلاوة !

اخلاق:

ويأتي الحباب ، والد لبني ، يحملها في جماعة من قومه عن بيت زوجها بعد طلاقها فيقول :

آن وقت الرحيل يا قوم فامضوا

فالمطايا مزمومة والعبس

ودعوا الحي من بني الليث ما نر

حل إلا وودنا مغروس

لا يبيع الرجال إلا دني

أو يرد المعروف إلا خسيس

وتجد هذا الخلق الكريم والوفاء العمم شائعا

في القصة كلها حين لا يرجي وفاء ولا كرم .

فأبو لبني يقول هذا الذي قال علي هذا الفراق الأليم

ولبني تثني فتقول مودعة بلاد زوجها :

عليك سلام الله أرض كنانة

وداعا فهل ترعي لديك الودائع

نسيمك ريحان وتربك عنبر

وزرعك ألوان وماؤك نافع

وصبحك لآلاء المفاتن ساطع

وليلك موشي الجوانب رائع

وقيس يقيم على ولائه لأبويه الشيخين بعد أن برحا به وبلبني ما برحا . حتى وهو يحاول ضم لبني إليه مرة أخري بعد زواجها من غيره . تسأله لبني متخابئة :

لبنى : كيف شيخاك ؟

قيس : أأمى وأبى  ؟

يقضيان العمر أهلين كراما

أحمد الله علي نعمته

ما يرومان من الدهر مراما

وتقول مستهزئة :

لبني : أمقيمان على عهدهما

يملآن البيت عدلا وسلاما ؟

قيس : خطأ الشيخين لا أنكره

من من الناس عن الظالم تسامي

حنين:

ويفترق العاشقان طلاقا بائنا . فيحن عاشق ونحن عاشقة

يحن قيس فيقول :

كنت في ناعم من الدهر أضحي   وعلي مونق من العيش أمسي

بين وشي الهوي وفي حلل الرفه     ولبني راحي وروحي وأنسي

أين روضي الذي سقيت بدمعي     أين ظلي الذي مددت وغرسي

أين عش قضيت فيه ولبنى          سنوات مرت كليلة عرس

زال عنه هزاره وجفاء                 فتداعي ما بين يوم وأمس

وتحن لبني فتقول :

أين الليالي الحاليات بحاجر والنحتي

أيام تمرح بين أعطاف الصبابة والمسني

ونري الدنيا وكأنما خلقت لتجمعنا الدنا

ويكاد لم يسل العقيق ولم يرق إلا لنا

يا قيس جرت ولم تكن يا قيس إلا محسنا

لو كنت أعلم أن حبك ملبسى ثوب العنا

لمنعت حبك يا شقيق الروح أن يتمكنا

يا قيس لم يهدأ هواك وبيننا ما بيننا

أواه قد سحب الفراق على أذيال الصبى

كل الشباب ممتعون بحبهم إلا أنا

هذا كلام جميل ، لا يحس جماله غير ذي لوعة قديمة أو حاضرة .

مجنون ليلى :

وجلست إلى " قيس وليلى " أقرؤه ساعتين ، حتى أتيت على آخره . أفتدري إلام شاقني ؟ شاقني إلى صنوه " مجنون ليلى " لشوقي بك ومددت يدي فجررته من محبسه على رف الكتب . وأخذت أقرأ لشوقي ، فما أحسست أني انتقلت بعيدا . كان إحساسي إحساس من انتقل من منشستر إلي لندن ، او من ليون إلي باريس ، أو من الإسكندرية إلي القاهرة . الناس هم الناس ، واللسان هو اللسان ، واسلوب العيش هو اسلوب العيش ، والمدنية هي المدنية ، وإنما في ظرف اكبر . فعزيز يترسم خطوات شوقي ، وله من جزالة لفظه ما يعينه على أن يحاكيه فيقاربه ، ويقاربه كثيرا . وهذه خير تحية يتحيى بها شاعر في مصر أو في الشرق كله .

كان هذا إحساسي . إلى أن بلغت إلى قول شوقي على لسان قيس، قيس ليلى ، إذ بلغ ، وهو في سبيله إلى ليلى ، جبل التوباد ، ملعب صباهما ، ومرتع شبابهما . قال قيس ليلي:

جبل التوباد حياك الحيا        وسقي الله صبانا ورعي

فيك ناغينا الهوي من مهده   ورضعناه فكنت المرضعا

وحدونا الشمس في مغربها     وبكرنا فسبقنا المطلعا

وعلى سفحك عشنا زمنا     ورعينا غنم الأهل معا

هذه الربوة كانت ملعبا        لشبابينا وكانت مرتعا

كم بيننا في حصاها أربعا      وانثنينا فمحونا الأربعا

وخططنا في نفا الرمل فلم    تحفظ الريح ولا الرمل وعا

الله ! الله !

لم تزل ليلي بعينى طفلة    لم تزد عن أمس إلا إصبعا

ما لأحجارك سما كلما     هاج بى الشوق أبت أن تسمعا

كلما جئتك راجعت الصبا  فأبت أيامه أن ترجعا

قد يهون العمر إلا ساعة   وتهون الأرض إلا موضعا

الله ! الله ! مرة أخري ، لهذا البيت الأخير.

بلغت هذه القطعة ، فقلت معيار القارئة أن أجد مثلها لقيس ليلى ، وبحثت فلم أجد .

أم أنا عميت ؟ ربما

أم أني نظرت في الكتابين نظرة القارئ العادي ، ومثل هذا الذي طلبت يحتاج ، لا إلى بصر قارئ مثلي عابر ، وإنما إلى بصيرة أديب مكين ؟ ربما أيضا

اشترك في نشرتنا البريدية