الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 301الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

تقرير بفردج

لا اظن أن رجلا مثقفا ، يقرأ ، او يستمع لمن يقرأون ، لا يعرف اليوم اسم الرجل الإنجليزي الاقتصادي الذي سماه أبوه وليم ، ولقبه بفردج ، ولا يعرف ذلك التقرير الذي دبجته يراعته ، بعد ان فتقت مسائله الشتيتة دراسة عميقة طويلة ، ونور مسالكه الضيقة فكر ثاقب جبار .

لقد صار هذا التقرير منذ كان أمل الفقير ، ومصباح من حار فضل في ظلمات العيش ، وبشير المناكيد الذين لم يعرفوا البشري في أفقهم المطبق الداجي إلا بروقا كواذب .

هو كان هذا ، وصار هذا ، في مولده من أرض الإنجليز . ثم هو صار من بعد ذلك في سائر الأمم ، شط البحر الذي يغترف منه الكتاب ، ومهبط الوحي الذي تستوحي عنده الساسة ، ومداد القلم الذي منه يستمد الدعوة الدعاة

لقد مضي علي إذاعة هذا التقرير نحو العام - أم هو أكثر من عام أو اقل ؟ ومضي على قبول الحكومة الإنجليزية لمجمل مبادئه مثل هذا الزمان . وهو وعد لم يكن بقبول هذه المبادئ يحسب ، بل بالتشريع على مقتضاها .

فما الذي جري لهذا التقرير المنشود ، وما الذي جري لهذا التشريع الموعود ؟

طريقة الانجليز في الاصلاح

وقبل أن أجيب عن هذا أود أن أنبه إلي طريقة الإنجليز في الإصلاح وفي قبوله . إنهم ابدا لا يقبلون إصلاحا لحسنه وجماله . إنهم يعشقون - في بلادهم حرية الكتابة وإعلان الراي ، وهم يتركون الكتاب يفكرون ويدرسون ، ويخطئون ويصيبون ، ويسيئون

ويحسنون . ويخرج من هذه الكتابة الحرة وهؤلاء الكتاب الأحرار آراء بديعة تسبق الجيل أزمانا ويقرؤها الساسة الإنجليز فيعجبون . وقد يهزون رؤوسهم عليها إعلانا للمتعة الدخيلة . وهم يضعون الكتاب من بعد ذلك في اجمل ركن من مكاتبهم تكريما له وصيانة . ولكنهم في كل هذا إنما يعجبون بالفكر إعجابهم بالشعر ، ويصونون كتب هذا صيانة كتب ذلك . ثم لا تجد اثرا لهذا الفكر البديع السباق في منزل أو شارع ، ولا في حفل أو مصنع

وأظهر ما يكون هذا الذي أحكي عنهم في دوائر الاقتصاد القومي فالأمة الإنجليزية أمة رأسمالية من أم رأسها إلي قدمها ، محافظة من شعر جمتها إلى ظفر رجلها ، ومع ذلك نجد في قلب عاصمتها ذلك المعهد الرسمي الذي يسمونه مدرسة الاقتصاد . وهو مباءة كل اقتصادي ثائر على الرأسمالية ثورة بركان ، ومنشأ كل عالم فحل يكتب فكأنما يكتب ليهدم في ساعة ما حواليه من بيوت المال ونظم الأعمال ، ويهدها لأنها نظم في رأيه عتيقة لا تتفق ونظرة الرجل العصري ، ولا آمال الإنسان المدني ولا رجاء البشرية المنتظر

الحق والقوة

وسبب هذا أن ساسة الإنجليز ، حتى في بلادهم . لا يعتقدون أن الحق هو ما يراه الفكر حقا ، ولكن هو الذي يستطيع اهله ان يدعوه ، ثم بالقوة ياخذوه ، ثم هم من بعد هذا قادرون على ان يمارسوه . فالحق عندهم غير الحق ما لم يكن وراءه طالب . ولا طلب في تقاليدهم لضعيف

ومحك ضعف الطلب وقوته عندهم ، وفي بلادهم ، الرأي العام . وهو محكه كذلك على الاكثر في غير بلادهم ، إلا أن ينقسم الرأي العام فيصبح رأيين أو ثلاثة . ومن نعمة الله عليهم ان ساستهم والزعماء تنحني للرأي المجتمع كما ينحني الغصن للريح . ففي عقولهم لدونة ،

ولكنها لا تلين إلا للريح العاصف ، عصف هذا الريح من لندن أو واشنجتن ، أو من كلكنا أو القاهرة

الحرب الماضية والاصلاح

فهذا هو الذي جري ويجري في اصلاحهم الاجتماعي تماما . فهذا الإصلاح لا يقترح ولا يقبل اقتراحه إلا من بعد حرب ، وأكبر اصلاح اجتماعي حصل في إنجلترا كان بعد الحرب العالية الماضية ، لما عادت الملايين من ميادين القتال تملؤها الامال التى أثارها الحكام ، بين قصف المدافع  وانفجار قنابلها ، تصبيرا وتحميسا حتى يكون النصر . وأحمال الحرب يحملها فقراء الأمم . وكان أكبر داع لها في الحرب الماضية لويد جورج   فهو مؤسس التأمين الاجتماعي في إنجلترا وبادئه ؛ وهو رجل ممن ربت ورعرعت الاكواخ ولو كان ممن ولدوا بين أعمدة القصور وتحت قبابها ما فعل غير هذا ، لأن الرأي في هذا كان عاما شديدا عاصفا . وأشد منه واعصف منه ، كانت نذر ترامت في الافق الشرقى من اوروبا ، نذر البلاشفة

الحرب الحاضرة والاصلاح

وفي هذه الحرب الحاضرة أيضا ، هم يخضعون لرأي عام أشد ، أعانته نذر في ذلك المشرق القريب أشد . فروسيا كانت في ختام الحرب الماضية مسألة كمسألة الرياضة غير محلولة . وكان من السهل علي كل احد أن يقول إنها مسألة خاطئة لا تحل ولكن الزمن حلها حلا موفقا لم يستبنه الناس إلا في هذه الحرب التي امتحنت فيها الامم شر امتحان . وروسيا كانت بعيد الحرب الماضية وبعدها تستخدم لتخويف الامم وإذعارهم ، كما تستخدم العفاريت لإخافة الأطفال وتطويعهم . ولكن الحرب الحاضرة كشفت غطاء الصندوق فلم يجد الأطفال فيه إبليسا مخوفا ، بل عروسا ، إن لم يكن بها جمال كثير ، فهي على الأقل ليست دون عرائس قد عهدوها جمالا أو قبحا

فروسيا في هذه الحرب وبعدها ، قد فقدها الساسة نذيرا يرفعونه على الألواح في صالات الاجتماعات يرهبون به الناس ويخدعونهم به عما يطلبون . والساسة الإنجليز والزعماء فيهم ، رجال حصفاء كيسون ، يؤمنون كل الإيمان ، إذا لم يكن مهرب ، بالمثل القديم الذي صاحت به صائحته : بيدي لابيد عمرو . فبيدهم على كل حال تكون ارفق على رقاب الرأسماليين ، وهم منهم ، من ايدي الجماهير الحمراء الغاضبة . وقد من الله على تلك الجزيرة بقوم من اصحاب المولد والمحتد  والثراء يؤمنون بتغير الزمن ، ويؤمنون بالشئ الكثير من الإنسانية في بلادهم . وفوق هذا بمرغون متى  تنضج التفاحة على شجرها فلا يجادلون في حمرتها وخضرتها حتى تسقط من استواء وإعياء

لقد علم هؤلاء الساسة والزعماء من بعد تجاربهم المرة في هذه الحرب ان لا فائدة من المراوغة ، ولا غاية من المطاولة ، فعجلوا بما ظنوا أن الناس طالبوه .

صرخة أشعب

ولقد كان لا بد لكل حرب صرخة . فكانت صرخة هذه الحرب الديمقراطية . والديمقراطية المساواة في التضحية ، فالمساواة في المنافع من بعد ذلك

وقد تساوى الانجليز حقا في التضحية في هذه الحرب ، من رب القصر في علائه إلي عامل المنجم في في حضيضه ، فكان لا بد من التسوية في المنافع .

إنها صيحة صاحوها لضرورة . ولكنها صارت كصيحة اشعب لها غاية هم لابد بالغوها . حكوا ان اشعب اراد ان يعبث ، فصاح بالناس ان عند فلان وليمة ، وجري إليها وجري الصبيان وراءه . ثم تخلف وهم يجرون . ونظر إليهم ، فوقع في نفسه انه قد تكون هناك حقا وليمة ، وأن الله ذو حكمة في تدبير الأرزاق ، فأطلق ساقيه للريح يعدو وراء الصبية .

فهكذا يجري ساسة الإنجليز اليوم وراء جمهورهم ، على صيحة هم أثاروها .

عودة إلى المشروع

والآن نعود إلي جواب تسآلنا : ماذا جري لذلك التقرير المنشود ، وذلك التشريع الموعود ؟

أخذت الحكومة البريطانية ذلك التقرير ، تقرير بفردج ، ودرسته كما تدرسه الحكومة المسئولة ، ثم اعلنت هذا الأسبوع الحاضر نواياها فيه ، واخرجت للتأمين الجامع نظاما اعتنقته ونشرته ، وستتقدم به إلى مجلس نوابها ليرضاه أو يعدله

ومشروع الحكومة هذا مؤسس على ما ارتضي بفردج لمشروعه أسسا . فهو لا يطابقه تماما مطابقة الكف للكف . فقد ضنت الحكومة حيث سخا بفردج ؟ وسخت الحكومة حيث ضن بفردج . ولكن مشروع الحكومة كان في مجموعه أسخي . فمشروع الحكومة قد ينقص عن مشروع بفردج طولا ، ولكنه يزيد عليه عرضا ، ويزيد عنه مساحة ، ومع إعلان الحكومة لمشروعها أعلنت لبفردج شكرها .

ومشروع الحكومة البريطانية شامل جامع . وفي شموله هذا ضم المليونير إلى الزبال ، والعامل إلى صاحب العمل ، والرجل الذي يعمل لغيره والذي يعمل لنفسه ، والذي لا يعمل اصلا ؛ وجمع الفرد المتزوج إلي الذي لم يتزوج ، وجمع الرجل والمرأة ؟ وانتظم الطفل الراضع والشيخ الها كع ؛ وانتظم الصحيح والمريض حتى ومن فارق الحياة . ولم ينس المرأة إذ تتأيم ، ولا الصبية والصبايا إذ يتيتم الصبية والصبايا . وفي شموله هذا سوي بين الطبقات ، فسوي بينهم في الواجبات ، واحتفظ للفقير بالكرامة

قرض لا إحسان

ومن احتفاظ المشروع بالكرامة أنه لم يكن مشروع إحسان ، ولكن نظام تأمين ، يدفع عنه صاحب التأمين أقساطا لا تخرج عن طوقه

وفي مقابل هذه الأقساط ينال فوائد ما لا يدفع له إذا هو تعطل عن العمل ، أو إذا هو مرض . وإذا توفاه الله كان لزوجه واولاده معاش مقدور . وإذا اعتزل العمل لشيخوخة كان له معاش الشيخ ، وإذا مات كان له ثمن الكفن والجنازة ، والولد الذي يولد يعان في بطن امه ومن بعد وضعه إذا دعت إلي ذلك حاجة

ولنضرب الأمثال

في التعطل

فعند التعطل يأخذ الزوجان ٤٠ شلنا في الأسبوع ، ويأخذ غير المتزوج ٢٤ شلنا . والذي دون الثمانية عشر عاما ١٥ شلنا . وتدوم هذه ثلاثين اسبوعا ، وقد تطول عن هذا . والمتعطل إذا ازدحمت صناعته قامت الحكومة بتدريبه على صناعة اخرى ، على نفقتها . وسيكون للحكومة مختصون يتعقبون الصناعات ويتحسسونها حتى يتنبأوا بالذي يصيبها من ازدحام او تخفف كما يتنبأون عن الجو ، وبمدة مديدة قبل الأوان ، فيقابلون الأزمات بهذا التحول في العمل وبين العمال .

في المرض

وفي المرض يعطي المريض والمريضة ما يعطاه المتعطل . ويعطاه ٣ سنوات إذا طال المرض . فإن ازمن بعد ذلك أعطي المريض معاش المزمنين . والخدمة الطبية في كل بلد ، ولكل أحد ، خدمة بالمجان . وبالمجان ايضا سيمتد الغذاء للأطفال بالمدارس .

في الموت وعند الميلاد

وعند الشيخوخة واعتزال العمل يعطي الشيخ معاشا ٢٠ شلنا عند بلوغه الخامسة والستين ، وتعطى الشيخة مثلها عند بلوغها الستين . وفي الموت يعطى المرزؤون مبلغا قد يعلو إلي العشرين جنيها .

وفي الناحية الآخر ،  ناحية الميلاد ، تعطى النفساء ،

جنيهات لتخفيف احمالها . فإن كانت عاملة وتعطلت بسبب وضعها ، نالت ٣٦ شلنا في الأسبوع مدة ١٣ أسبوعا ، فإذا لم تكن ممن يستحققن شيئا تحت نظام هذا التامين اعطيت ٢٠ شلنا في الأسبوع لمدة ٤ اسابيع أجرة خادم .

إعانة الأسرة : -

والأسرة سيكون لها إعانة تشجيعا على بناء الجيل الجديد . وهي تبدأ من المولود الثاني ، فيعطي ٥ شلنات في الأسبوع إلي أن يبلغ السادسة عشرة من عمره . والأيتام يعطي الواحد منهم ١٢ شلنا في الأسبوع ، ويدخل فيهم الولد الاول . ولا عبرة بعدد من خلف الأموات .

الكلفة

وهذه الأمثال كثيرة من أكثر . وهي كلفة لا شك عظيمة ، ستصل في عام ١٩٧٥ إلى ٨٣١ مليونا من الجنيهات في العام الواحد . ومن العجيب انها ستكون عندئذ صفقة متوازنة بين الحكومة والأمة . فما تدفعه الحكومة في ذلك العام تحت نظام التأمين هذا ، سيدفعه الجمهور أقساطا من بعض ما يرزقون . وما أرزاقهم إلا ما ينتجون . فأي رزق هذا ؟ وأي إنتاج هذا !

نحن وهم

ويسمع المصري هذا فيتطلع فيقول : فما بالنا نحن ، وما نصيبنا من مثل هذا ؟ وتعلو الصيحة بالنقمة فتردد أصداؤها في جنبات البلاد .

ويجيب على هذه الصيحة الأدباء تارة ، والحكومة تارة . أما الكتاب فسبيلهم في ذلك أصبحت معروفة مألوفة ، هي الاتجاه باللوم على الأثرياء وأما الحكومة فتدبر القوانين التي تعيد تنظيم الأرزاق بين الناس بما يكون أقرب للعدالة القومية ، وأقمن بالحقوق الإنسانية .

وهذا كله جميل . ولكن ما جمال تدبير ينظر إلى

آخره ولا ينظر إلى أوله ؟ ! ما جداء تنظيم الري وتوزيع المياه في صدر النهر وفي مجراه وعند انصبابه في البحر ، في حين لا يؤبه عند مؤخرته بروافده والمنابع ؟ ! ما فائدة التركز على نفقات الدولة ، ودخل الناس حقير وإنتاجهم أحقر !

لقد كان للحكومة الحاضرة الفضل في تنظيم توزيع الدخول بين الناس بما هو اكثر انطباقا على روح العصر . وتعس مصري لا يعترف لأخيه المصري بفضل يأتيه دونه ولكن مسألة الإنتاج لم تعمل لها الحكومات كثيرا . حتى وإن قيل عملت ، فما كان هذا بالقدر الذي يروي عاطشا ، وما هو بالتركز الذي يقتضيه هذا التعطل الذي فينا ، وهذا الفقر الذي يبلينا

قال لي صديق : ليت لنا بفردج

قلت لصديقي : ليت لنا فورد ، و كوداك ، ورثها مسند ، ومنشستر ، وشيفيلد . حفنة من هؤلاء السادة الصناعيون والزراعيون والباحثون ، وحفنة أخرى من تلك المدن ذات الإنتاج العظيم ، ثم حدثني بعد ذلك يا صاحبي عن بفردج ، أجد لك من أمثاله حفنات

اشترك في نشرتنا البريدية