الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 302الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

أمة تبتلع وهضم يسوء

جان جاك روسو كاتب من كتاب فرنسا الكبار ، في القرن الثامن عشر . كتب لصديق بولندي بقول : " إنهم سيبلعونكم . ولكن احذروا ثم احدروا أن يهضموكم " .

وصدقت نبوءة روسو . فبين عام ١٧٧٢ وعام ١٧٩٥ ، اختلفت دولة بحالها من خريطة أوروبا ، هي الدولة البولندية ، بعد ان ظلت تعيش وتحيا قرابة ثمانية من القرون ، في ظل ملوك ذوي عرش وأبهة وسلطان . وكان اختفاؤها ابتلاعا . واشترك في ابتلاعها ثلاث دول . وابتلعوها ، لا كما يبتلع الثعبان الطير بعظمه ولحمه وريشه  دفعة واحدة ، ولكن على دفعات ، وبعظمها ولحمها وريشها  أيضا كما تبتلع الثعابين ، حدثت البلعة الأولى عام ١٧٧٢ ؛ وكان على المائدة ثلاثة قياصرة عظام : القيصر الرومي والقيصر الألمانى ، والقيصر النمساوى ، وكانت البلعة الثانية  عام ١٧٩٣ ، وكان على المائدة فيصران : فيبصر الروس وقيصر الأثان ، ولأمر ما تغيب الضيف الثالث . وكانت  البلعة الثالثة عام ١٧٩٥ ، واجتمع عليها ثلاثهم فلم يتغيب  منهم غائب .

وحشية أن يطفح الطافح بما أزدود ، تعاهد القياصرة  الثلاثة على استبقاء ما في بطوبهم حتى يكون هضم ، وأسموا هذا التحالف بالتحالف الثلاثي القيصري ، Dreikaiserbund . ولكن المزدود لم ينهضم ابدا ،  وظلت الأمعدة الثلاث تنوء بسوء هضمها . فالدولة البولندية كانت قد ماتت ، ولكن الأمة البولندية لم تمت  حتى في ظلام هذه البطون . وكلما كثرت ، غالوت هذه

البطون من ألم ما احتوت ، ثار احرار اوروبا يرفعون الأصابع فى وجوه أصحابها مهددين منذرين ، حتى صارت  بولندا مثلا للظلم والإجحاف يتمثل به المتمثلون ، وبؤرة  يجتمع عندها مطلب العاطفين فهذا المطلب الحالي الذي تراه اليوم فى أمريكا وفى أمم أوروبا الغربية ، على الأمة  البولندية ، عطف لا يمكن استئصاله لانه عطف إجماعي قديم .

وجاءت الحرب العالمية الأولى ، حرب عام ١٩١٤ ، فسنحت فرصة تكوين الأمة البولندية من جديد ، فكانت . وسلخوا لها من ألمانيا وروسيا والنمسا ما كان لها قديما . وكان رئيس دولتها من بعد السلم المرشال بلسودسكي plisudiski

حاجز يرفع ثم يعود

لقد نشأ العنصر البلولندى أول ما نشأ بين النهرين الشهيرين ، نهر الفتولا ونهر الأودر ، ثم أخذ بتعدد هذا العنصر في الجهات الأربع . وبولنده أرض منبسطة ، تفصل في أوروبا بين سهلين عظيمين ، سهل روسيا : وسهل ألمانيا . ويحدها فى الشمال بحر البلطيق ، أو كان  قديما يحدها ؛ وفي الجنوب حاجزها الطبي الوحيد المنيع ، جبال الكربات . وأمة في هذه السهولة من الأرض ، وبين هذه السهوله من أرض الجيران ، لا يمكن أن نحتفظ باستقلالها ، ولا أن تدود عن كيانها ، في عالم التناجز والتناحر هذا ، إلا بالسواعد والسيوف . وهي إما أن تأكل أو تؤكل . وقد كانت بولنده قوية فيما مضي ، فأكلت ، ثم واناها الضعف في القرن الثامن عشر . فأكلت . وهي من قبل أن تؤكل ، في قوتها ، كانت  فاصلا جميلا ، يحمده السياسيون ، يفصل ما بين عنصرين ثم  ينشأ التاريخ ولا التقليد إلا أن يكون بعضهما لبعض عدوا ، العنصر السلافى والعنصر الجرماني ، أي روسيا وألمانيا . ولكن الحاجز لا يرضاه المتحاجزون إلا أن يكون قويا .

فلما ضعف ، وسهل انحرافه ، تراضي العنصران على رفعه مما بينهما فرفعاء ، وظل مررفوعا نحوا من مائة وعشرين عاما . وفي قاعة في فرساي ، في عام ١٩١٩ ، انشأ الساسة الدولة البولندية بصورتها القديمة لتقوم بواجبها القديم : فتفصل من جديد بين سلاف الروس  ونيتون الألمان .

ولقد اراد الساسة الغربيون عام ١٩١٩ ان تقوم بولنده ، لا يفصل روسيا عن الالمان فحسب ، بل يفصلها وفصل بلا شقتها عن سائر اوروبا ، فلا تنتقل إليها مبادئ الشيوعية  كما تفتفل جراثيم الأدوا . . فكان أول عمل الزعيم البولندي الجديد للدولة البولندية الجديدة مناهضة الروس وانتفاص دولتهم من أطرافها .

بلسودسكى يهجم الشيوعية

إن تاريخ بولنده الحديثة ، ماقبل الحرب الماضية وفيما بعدها ، مرتبط أشد ارتباط بتاريخ زعيمها بلسود سكى .

نشأ هذا الزعيم في بولنده الروسية . ونشأ على كراهة الحكم القيصري ، ونفي في محاولة فاشلة لأغتيال القيصر إلى سيبريا . وقبضوا معه على أخ لليتبين . ، ولكنهم لم ينقوه بل قتلوه . فلم ينس لبنين . ولم ينس بلسودسكي .

وفي سبيل كراهة القياصرة جنح بلسودسكي إلي العمال ، حتى الروس منهم ، يؤليهم على حكم ظالم فيهم . وأسموه رفيقا . واعتنق الاشترا كية مذهبا . ولكن يظهر أنه لم يعتنق الاشتراكية إلا كراهة للقيصرية ، فكل عدو للعدو حبيب .

ولكنه ما لبث أن انال بولنده استقلالها حتى ظهرت كراهة خفية فيه للروس ، قياصرتها وعمالها . ففي نوفمبر عام ١٩١٨ دعاه بعض الشيوعبين بالرفيق بلسودسكى . فقال لهم مؤنبا . " أيها السادة  . لست رفيقا بعد الآن . إننا اتجهنا أول الامر وجهة واحدة ، وركبنا قطارا واحدا دهنتموه باللون الاحمر ، ولكني نزلت من القطار لما بلغ بى محطتى ، " استقلال بولنده " أما أنتم فسائرون به إلى أن

يبلغ بكم محطتكم ، " الاشتراكية " . فلكم مني حسن التمنى والدعوة الصالحة . ولكن من الآن فصاعدا أرجو أن تدعوني بالسيد إذا ما دعوتم " .

بحب ويبغى من أجل بلاده وحدها

كانت غاية بلسودسكى بولنده ، لا غيرها . وفي سبيلها صادق الروس وعاداهم . وفي سبيلها عادي الالمان والنمساويين  وصادقهم . وهو قد عادي وصادق كلما دعت دواعي بولنده  إلى صداقة أو معاداة .

نشبت الحرب الماضية ، فما لبث أن هاجم روسيا ، روسيا القيصرية ، بجيش بولندى ألقه . فنال بذلك  الخطوه عند الألمان حتى أعلنوا استقلال بولنده . وما كادت  تستقل بولنده ، والحرب قائمة ، حتى كون جيشا يستطيع مغالية الألمان إذا ما أضعفهم القتال . وصدق حدسه ، فما تورط الالمان وحلفاؤهم في الحرب فنالهم الضعف حتى مال عليهم يطرد البقية الباقية منهم من بلاده . وجاء عام ١٩٢٠ ، فوجد حدوده الغربية آمنة ، أمتها اتخذال  أعدائه في الغرب . ونظر إلى الشرق فوجد الروس دولة محطمة ، قد ناوشها الرأسماليون بجندهم من كل جانب . إذن هذه فرصة قل أن يسمح بها الزمان .

مغامرة الروسية

نظر إلي أكرانيا وإلى ما تنتج من أرزاق ، فشاقته أكرانيا فأخذت تتراءى له في الأحلام . وإنها لعلى قيد خطوات من مواطئ نعال جيشه . ودول الغرب لا يمكن أن تتدخل أبدا ، وإن هي تدخلت فلا شك إلى جانبه ، فمن منهم لا يخشى البلاشفة ، ومن منهم لا يكون عونا على إضعافهم فإفنائهم .

وبدأ مغامرته فهاجم الروس . ودخل كييف ، عاصمة أكرانيا ، في الخامس من مايو عام ١٩٢٠ . وكان من وراء بولنده دولة المرسيز ، دولة الحرية والمؤاخاة والمساواة  .

لا في جند أو عتاد ، ولكن في شخص القائد الفرنسى  هنريس Hennreys . وصبر الروس حتى فرغوا من  جيوش الرأسمالية الثلاثة ، ثم انصرفوا يعنسون والبولندين ولم يلبثوا طويلا حي انكفا ميزان الحرب ، فصار  الغالب مغلوبا ، والمعتدى عاديا . وقارب الروس فوصوفيا ،  عاصمة بولنده ، ووقفوا عند أبوابها مثل وقفهم اليوم ، ولم  يبق على دخولها غير يوم أو يومين .

ولم تستطع الحكومات الغربية لبولنده إمدادا . وودت لو فعلت ، ولكن من يحارب الروس منهم ، وجنودهم قد  جنحووا للسلم من بعد حرب  مرة . ومن يحمل الذخيرة إلى  بولنده ، والعمال يأبون ان يحملوها فيطفئوا بذلك تلك الشمعة الضئيلة التي تراءت لهم في الافق الشرقى تشع عليهم  بمعنى للعيش جديد ، وتحيي فيهم املا كاد يذهب في الحياة .

عز الجند ، وعزت الذخيرة . إذن ففي المشورة الكفاية . ويبعث الحلفاء إلى البولنديين ببعثة عسكرية على رأسها الجنرال الشهير ، الجنرال ويجاند ؛ وهو هو نفس الجنرال الذي لجأت إليه فرنسا في هذه الحرب عند انخذالها  ليدفع عنها آخر مرة ففشل . وهو هو نفس الجنرال الذي اختلف في موته الرواة اليوم .

وبلغ الروس أطراف فرصوفيا كما بلغوها اليوم ، وصارت الحرب سجالا ثم كان النصر للبولنديين . أنالهم إباء خطأ في خطة القائد الروسي . فقد استهان بقوة خصومه ، وأراد أن يأخذ عاصمتهم لفا لا مواجهة ، فوزع قواه فخفت ، فحاقت به الهزيمة .

وانعقدت المعاهدة بين روسيا وبولنده فى أكتوبر  من نفس العام . وعادت بكليهما من الحدود إلى حيث كانا قبل الحرب . فكانت حربا غير كاسبة ، إلا الضغائن والأحقاد .

لم تكسب بولنده من حربها روسيا غير الحقد والضغينة ، ولكن أوروبا الغربية كسبت من نتيجة هذه الحرب هدوء البال واستمراء النوم . إن البلاشقة قد خذلوا ، وشرهم قد تقاصر ولو إلي حين

ما أشبه الليلة بالبارحة

إن ظروف هذه الحرب العالمية الحاضرة قد اختلفت عن ظروف أختها الماضية . فروسيا اليوم دولة في أول الحرب وآخرها صديقة . ولكن رجالها اليوم هم رجال الأمس . والمباديء التي يعتنقونها اليوم هي نفسها التي اعتنقوها  بالأمس ، إلا قليلا وكذلك رجال الديمقراطيات الغربية اليوم هم رجالها بالأمس ، وإنما أكبر سنا ؛ وهم أهل الدين ، ولو أنهم قد يكونون أكثر شمالة مما كانوا . ومن الطبائع الإنسانية الرذيلة أن الإنسان لا يستطيع أن ينسلخ عن جلده ، ولو مرة واحدة في العمر ، كما تتسلخ الثعابين ؛ وأن الخلايا المخية العجيبة فى رأس هذا الإنسان لها صفة  سمحة ؛ أن تحتفظ يذكر الماضي حفظا وثيقا ، وتحتفظ  بأساليب الفكر دهرا مديدا . وهوى الأنفس ليس كهواء الريح قلبا .

من أجل هذا لابد للمستقري متاعب الحاضر وأسبابها لأن يستقرئها في غضون الماضي القريب  ، فعناصر الخلف اليوم هي عناصر الخلف بالأمس مهما اختلفت أسماء الزعماء واختلف تواريخ السنين !

إن روسيا أقدمت في بولنده ، ، ثم أحجمت ، وكان لبولنده ، من هذا الإحجام من بعد إقدام بؤس وشفاء .

والبلقان ، كان في مؤخرة رءوس الناس حتى بلغ القفا ، فإذا به فجأة يثب إلى الأمام حتى يكاد يخرق الجباه ! والذي أوثبه إنما هم الروس .

وديجول ، في فرنسا ، ينصره قوم ويخذله أقوام . وهو ينظر إلي الشرق تارة وإلي الغرب أخري . وله عينان تحاول  الجمع بين مشرق ومغرب في آن . وله قلب إمبراطوري يحاول أن يجمع الدنيا كلها في مهجة واحدة . وهي مهجة صغيرة لا تتسع لهذا .

ونحن ننتظر ، والأمم تنتظر ، وسيقول الناس من بعد  كل هذا : ما أشبه الليلة بالبارحة !!

اشترك في نشرتنا البريدية