ذكري فيلسوف
في الخامس عشر من أكتوبر ، عام ١٨٤٤ ، أي منذ مائة عام كاملة ، ولد رجل في قرية المانية غير نامية ، لا نبالغ إذا قلنا إنه لولاه ما جري التاريخ الحاضر هذا المجري العنيف الدامي الذي لف الكون اجمع بكل بدعة طريفة من بدع الموت ، وكل محنة جديدة من محن العيش لقد أعطي هذا الرجل لامته ولأوروبا فلسفة جديدة قضت ، في كثير من العقول وفي عقول الهتلريين خاصة ،
على كل القيم التي عرفها الناس منذ كان الناس ، لمعنى الخير والحق والجمال ، وقضت في كثير من القلوب على كل حرمة تجدها هذه القلوب للأديان ، وللدين المسيحي خاصة ؛ واذكت في كثير من الصدور كراهة لليهود بأنهم عبيد الأمم في الغابر القديم وجبابرتها في الحاضر الحديث ثم . هو خلق في لغة امته ، وفي لغات الامم ، كلمة جديدة ، هي بالألمانية ubermensch ، وهي بالإنجليزية superman
ولعلها بالعربية الإنسان الكامل ، الإنسان الأرقي ، أو الأفخم والأضخم ، أو أمل الإنسانية الأقوي والأعتي وهي كلمة مهما اختلف في اللغات لفظها ، وتباين جرسها ، لا تحمل إلا معنى واحدا ، هي عبادة القوة اين كانت وكيف كانت ، والكفر بالضعف اين وجد وكيف استبان .
ميلاده ونشأته :
وإن تعجب فاعجب لهذا الكافر بالمسيحية وهو إنما ولد من صلبها ، وتربي في حجرها ، فأبوه كان قسيسا وكذلك جده ، وكذلك امه لو كانت ذكرا ، فقد كان أبوها قسيسا .
ولد صاحبنا الفيلسوف نتشة Nietasche من أبوين صالحين ، ونشأ في اسرة مسيحية تعمل للدين . ومن عملها ترتزق . وكان في رزقها هذا كفاف عن
عوز . وكان في الأسرة قناعة ، وكان فيها بهجة ، وكان بها حب الشعر وحب الموسيقى . ومن أسرته استقي نتشة حبه لهذا وهذه
ودخل المدرسة فأحسن واجاد . وأدخلوه الجامعة ، جامعة مدينة بن Bonnليتعلم الفقه المسيحي ، ويتعلم الفلسفة القديمة ، فجنح إلي فقه اللغات القديمة يدرسه وتأثر باستاذه رتشل Ritschl تأثرا عظيما
فحزن أهله لتركه الفقه المسيحي حزنا كبيرا . وهو في هذه السن الصغيرة لم يكن ترك الفقه المسيحي وحده ، بل طلق ما بينه وما بين المسيحية دينا إلي الابد .
وبلغ سن الخامسة والعشرين فعين استاذا لفقه اللغات بجامعة بازل عام ١٨٦٩ ، وكان ذلك بنفوذ استاذه رتشل . وبقي في بازل يدرس عشر سنوات . ثم استقال لاختلال صحته فمنحته الجامعة معاشا صغيرا ، اعتمد عليه وعلى دخل خاص صغير في العيش طليقا ، يرتاد من مدن أوروبا ومواقعها ما ظن أنه أعون علي استرداد صحته الذاهبة
جنونه ثم موته :
وقضي أكثر زمانه في شمال إيطاليا وجنوب فرنسا . وفي تورين بإيطاليا ، في يناير عام ١٨٨٩ ، أي وهو ابن خمس واربعين عاما ، جاءه لطف الله فجن جنونا . واختلف الناس في جنونه ، أ كان من العمل الكثير المضني
أم كان لثورة روحية باطنة ثارت ريحها هوجاء فاجتثت واقتلعت ، أم كان للخيبة في إسماع صوته لمن يرضي من الناس ، أم كان للوحدة الشديدة في الغربة في غير أنس ولا إبتهاج ، أم كان لكل هذه مجتمعة
كان فيلسوفا كاتبا شاعرا ، ولكن لم يكن له تلاميذ ولم يكن له أتباع
كتب إلي أخته قبل جنونه يقول : الواقع أني لا أشكو المرض ، فصحتي عادية ، ولكن الذي اشكوه حساسة نفسى إنى أتوق أشد التوق إلى أصدقاء خلصاء من مثلي هات لي رفقة قليلة من رجال يستمعون لي
ويفقهون ما أقول ، يذهب كل مابي من مرض .
وعاش من بعد جنونه مع امه في نمبرج muumburg بألمانيا حتى ماتت ، ثم مع اخته المترملة في فيمار weimar إلى ان مات في كنفها عام ١٩٠٠ ، بالغا من العمر ستة وخمسين عاما ، عاش منها في يقظة الحياة خمسة وأربعين عاما قبل أن ينزل النقاب علي عقله أسود كثيفا .
بينه وبين شوبنهور والموسيقار فجنر
كانت نفس نتشة من تلك الأنفس القلقة المستعدة لأن تنقلب أى انقلاب في ساعة - نشأ وترعرع على الدين . فما كاد يقرأ بالمصادفة كتابا للفيلسوف الألماني شوبنهور وقد لحقه يافعا في شيخوخته ، حتى خرج على الدين في طراوة من العمر لم يكن ينتظر فيها كفر مؤمن أو إيمان كافر . واتخذ لنفسه هذا الفيلسوف الالماني من بعد هذا معلما وإماما . والتقي بالموسيقي العالمي الشهير فجنر wagner فاتفقت افكارهما وتمازجت ، واحب موسيقاه وأغرم بها .
ثم إذا به بعد حين ينقلب على هذا الفيلسوف وهذا الموسيقار . أما الأول فلأن الدراسة هدته إلى أن في فلسفته مغامز للضعف ، وهو بعيد القوة ؛ وفيها ذلك الإرث القديم البالي ، إرث المسيحية ، من تعاطف وتراحم ،
وهو لا يرضي العيش إلا عنيفا جبارا ؛ وفيها تلك السوداوية المزمنة ، وهو لا يرى الحياة إلا البهجة في قوة وصراع . أما الثاني ، صاحبنا الموسيقار ، فقد اعطاه ظهره ، لأنه اكتشف ان موسيقاه ، تلك التي أحب كثيرا ، وأغرم بها طويلا ، ليست إلا دغدغة لأقوام لينى الظهور ، ضعفاء الشكائم مخنثين ؛ ليست إلا عقارا يتعاطاه جيل هذا الناس ليذهب بالوعي عن نفسه ، فيغفل الجيل بذهاب الوعي عما به من فساد وانحطاط وانحلال
مصدر فلسفة
استمد نتشة فلسفته من مصدرين : من الإغريق الأقدمين ، فيما قبل سقراط ؛ ومن المبدأ الدرويني الحديث ، مبدأ النشوء والارتقاء . أما الإغريق فقد أعطوه
معنى القوة في الإنسان ، ومعنى المغامرة في الحياة واعطوه الإعجاب بهرقل والآلهة ، وان الحياة سلسلة من أحداث فوارة بالحياة ، فياضة بالحركة ، في قمم الجبال وفي أغوار الوديان ، تستقبل عصف الرياح وانتفاخ الموج بقلب غلاب وصدر رحب ووجه متهلل . وأما دروين فأعطاء معنى التطور فالإنسان حيوان متطور ، بلغ مبلغ القرود ، ثم مبلغ الرجال ، وهو لاشك سائر إلى غايته من هذا التطور إلي الهدف الأسمي - إلي الإنسان الأكمل .
معايير القيم في المسيحية
واعتبر نتشة ما حوله من رجال ، وما حوله من امم أمم القرن الماضي ، القرن التاسع عشر ورجاله ، فساءوه حالا ، وأغضبوه رجالا ! وعلم انهم في طور سكن عن التطور ، بل تراجع وكان من حقه ان يتقدم . ونظر في اسباب هذا الهمود وهذا الجمود ، فعلم انه جمود قديم كان مذ كانت المسيحية ، وان قيم الأشياء التي سنتها المسيحية هي السبب في وقف هذا التقدم . ونظر في تلك القيم فتركز على ما أعطته المسيحية من معني للخير والحق والجمال . ورأي في تلك المعاني سببا للضعف ، والضعف ليس سبيل الترقي .
وأنحي على هذه المعاني بأنها معان كواذب ، لا تمت إلي طبيعة الإنسان بسبب ، ولا تربطها بغرائزه الاولى رابطة ، إلا الرابطة التي تخلقها الدعاية التي دامت عشرين قرنا من الزمان ، وتخلقها اصطناعا فليس في الرجل القح ، الذي يجري علي سجيته ، من ميل للخير إلا ان يكون خداعا وانخداعا ؛ وليس به من إيمان بالحق إلا أن يكون ذلة وإزعانا ؟ وليس به من متعة الجمال إلا لذة مائعة هي اشبه بالرجل المنحل منها بالرجل الفحل الذي يهدف إلى الغاية الإنسانية الكبرى .
معايير المسيحية معايير يهودية
ومن أوجد كل هذه القيم لمعاني الخير والحق والجمال الذي خدع بها الإنسان طول هذه المئين من السنين ؟ أوجدها اليهود لما ضعفوا فضربوا في رحاب الأرض
أشتانا . وهم ما كانوا كذلك ، وما كانت هذه قيمهم لما كان لهم ملك عزيز وملوك جبابرة أعزة . فالخير عند ذاك كان ماتراءى لهم جريئا عنيفا قاسيا هزاما ، وهو مع هذا ذو فرحة ضحاك .
ثم ذهب ملكهم فخضعوا وذلوا ، وغيروا قيمهم تبعا لذلك ، فصار الخير عندهم ما كان حذرا وتواضعا ومداورة وسلاما ، وصفعة على الخد الأيمن تتلوها اختها على الخد الأيسر . وصار الشر عندهم اعتدادا بالنفس ومشية القوة ، والضحكة العالية الفاجرة ، أو التي اسموها فاجرة ، لأنها ضحكة الأسد لايبالي أي إذن اسمع ، ولا اي مضجع أقلق ونوم جفن أطار .
والرأي عند نتشة أنها هذه اليهودية السامية هي التي نشرها الدين المسيحي في الأرض ، وقام عليها قساوسته بالدعاية كما يقوم دعاة الساسة ، فساد الضعف والخذلان ، وتراجع الإنسان عن غايته الكبرى تراجعا كبيرا . فهؤلاء القساوسة هودوا اوروبا وهم لا يشعرون . والناس تهودوا وهم لا يحسبون .
الديمقراطية يهودية مسيحية
ومن جراء هذه القيم للخير والحق والجمال كانت الديمقراطية ، اليست هذه القيم تقضي بالحنو علي الضعيف ؟ اليس ان المسيح شاء لنفسه ان يصلب ويعذب ويمتهن الخلاص الضعفاء ، ؟ ! اليس صاحب القوة والسلطان وصاحب المال إلي النار ؟ ! وهل في معنى الحق غير المساواة ؟ !
وخرج الناس من كل هذا على المساواة بين أعالي الناس وأسافلهم ، وبين القادرين والعجزة ، فصاروا قطيعا واحدا أشبه بالخراف سمة ومظهرا . فبدل أن يتطور الإنسان بالتقدم والتوثب ، ربطوه بالنعاج التي ارتبطت بالأرض وقنعت بالخسيس من حشائشها . وما بالرجل المتطور مكث في أرض أو قناعة بعيش ! إنه لا خلاص للدنيا ، ولا عودة بالإنسان إلى ما أرادته الطبيعة له من بلوغ الكمال إلا باطراح ما خلفته اليهودية من قيم اخلاقية ،
وباطراح مانتج عن هذه القيم من ديمقراطية تأباها حوافز الإنسان الطبيعية .
شعب الله المختار :
ومن اقوى هذه الحوافز حب الغلبة ، ومشيئة الإنسان لحيازة القوة .
والقوة لن يحوزها كل الناس ، ولا كل الأجناس . إنما يحوزها من الناس من أهلتهم الطبيعية لهذا قوة أجسام وقوة عقول . فهذا الجنس لابد أن يتقدم وتتأخر الأجناس . لابد ان يعيش ويسيطر وتنضمر الأجناس من بعد حين وتموت ؛ كما يحدث في تطور الطير والحيوان تماما . وهذا الجنس الأقوي ، شعب الله المختار هذا ، هو الذي يكون له حكم الأرض من بعد ذلك .
خاتمة :
وبعد ، افليست هذه النازية بعينها ، ومسألة الدماء ، الدماء الأرية والسامية ، اليست هذه غير ثياب جديدة ألبسها القرن العشرون للصنم القديم ، صنم القرن التاسع عشر الذي نحته نتشة فسواه واقامه ؟ ! والعداء للديمقراطية ، وفتح مدارس لتنشئة الحكام لا يدخله من الالمان غير كل مختار ، اليست هذه إلا نوافح نتشة وتواصيه ؟ ! وشعب الله المختار ، اليس هو الشعب الهتلري ؟ ! والعجب العجاب أن نتشة لم يكن ألمانيا أصيلا . وما أحسبه أنه أراد بشعب الله المختار الشعب الألماني
فقد كان نتشة من اصل بولندي بعيد ؛ وكان يصف نفسه بأنه أرستقراطي بولندي .
ومع هذا يأبي الألمان على نتشة إلا ألمانيته . وهم يحتفلون بذكراه كلما حان حينها . واليوم ، في ذكراه المئينية ما أحراهم باحياء هذه الذكرى . ولكني أحسبهم اليوم في حال غير ما وصف فيلسوفهم من حال ، وإلى مآل ما تنبأ به متنبئهم من مآل !
