الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 308 الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

حظوظ حظوظ

لقد عرف الناس أن حظوظ أبناء آدم دائمة الاختلاف ، كذلك حظوظ بناته . وتبدأ هذه الحظوظ عند الميلاد فنطفة تتشكل في مصر ، ونطلفة تتشكل في كوخ ؛ ونطفة تصدر عن طباع تكفي لثردها إلي سواء السبيل الإشارة الحقيقة السمحة ، ونطفة تصدر عن طباع لا يكفى لردها إذا زلت ضرب النعال ثقيلة صفيفة وهي من بعد الميلاد تتبدل حظوظها تبدل الأجواء .

وكذلك تختلف حظوظ الحيوان ، فكلب الغني غير كاب الفقير ، وهذان لهم حظ فوق حظ الكلب الذي لا صاحب له . فالأول له طعامه يشتري خصيصا كبعض مؤونة البيت الكبير ، وله بين الطعام البسكوت والحلوى بتفكه بها ، وله المأوي الطيب الدافيء يأوى إليه شتاء ، وله خضرة الحشيش الطري الندي يقيع عليه في البستان الواسع إذا احتر الصيف . وأما الثاني فطعامه ما بقي من مائدة البيت الصغير وهي قليلة ، ثم هو يستكمل طعامه من بقايا موائد الجيران إن كان فيها بقية ، وهو من بعد هذا يطوي أكثر الليالي نصف جوعان . أما الثالث الذي لا صاحب له فسكنه الشوارع والحارات جميعاً ، وأرض الله الواسعة القضاء . ولكن الطعام لا يوجد على قارعة الطريق إلا في لمزابل ، فمن هذه طعامه . وإلا مما يسنح له الفينة بعد الفينة من شقوق البيوت والحوانيت ، فمن هذه اختلاسه واختطافه . وهو من بعد هذا رقيق الحسم ، فارغ الحلد ، ذابل الشعر ، وضيع الذيل ، مخفوض الرأس من صيام وذلة !! وكحظ الكلاب حظوظ القطط ، وحظوظ الخيل والبقر ،

وحتي حظوظ الذباب . ولكن حظ هذا الأخير حظ

معكوس ، فهو أرغد عيشا عند الفقراء منه عند الأثرياء ،

فهو ينعم على القذر الكثير ، ويشقي حيث الصابون يسير والماء غزير .

والنبات له حظ كحظ الحيوان من أعجم وفصيح .

فهذا الشجر له التربة الحصيبة السمينة ، وذاك له التربة العجفاء وهذا له الهواء الطلق والشمس الغامرة ، وذاك يتلوي ذات اليمين وذات الشمال بطلب فسحة في الهواء وفرجة إلي أشعة السماء . وكذلك المزروع من النبات له حظوظه في الحقل كحظ ما يدب عليه من ماشية ، ومن يدب عليه من إنسان . فهو في حقل الصعلوك يتغذي من الأرض بمقدار ما فيها ، ويشرب من الماء على قدر ما تسمح وسائله إليه ؛ وقد لا يجد الماء في أوانه ، ثم يجده في غير أوانه ؛

وقد يأتيه الوباء فيذهب به ، كما يذهب بصاحبه ، وبهيمة صاحبه ، في ليلة وضحاها . أما هو في حقل الأمير فيتغذي من الأرض بمقدار مايهوي - بمقدار ما يضع فيها الأمير من سماد . وهو يشرب الماء عند مايهوي الماء ،

من قناة جارية أو آلة رافعة . وهو إذا اعتل تحرك له القصر الرفيع بالتطبيب ، فمن كبريت يذر ، إلى أدخنة تساق ، إلى أدوية ترش ، إلى أنامل كعدد الحصى تمنى  بالشجر والشجيرات ، فرادي ، كما تعنى أنامل الممرضات خفيفة رخصة بأجسام المرضي في المستشفيات .

وكحظ النبات حظ الجماد ، هذا ينعم ويشقي بصاحبه ، وهذا ينعم ويشقي بساكنه . ورب بيت سكنته ، كان له منا الإعزاز والتدليل ، وكان لبستانه من بستانينا التنسيق والتنميق ألوانا وأفانين ، زرته من بعد زمان فأنكرته ، ثم من بعد لأي عرفته ، فرتبت له كما يرثى  الصديق لصديق قديم ذل من بعد عزة ، وتطامن من بعد ترفع وإدلال.

ومنذ أيام هزنى الشوق إلى زيارة أحياء مصر العتيقة ،

حي القلعة فما دونها ؛ فجسست خلالها بين ماض كبير كريم ، وحاضر صغير حقير . فاجتمع لي مما رأيت ، وما ذكرت وتصورت ، مقارنات أليمة بين حظوظ للبشر ، وحظوظ للحجر ، وحتي حظوظ للشجر . وكان أكثر ما فعل في نفسى شجرة ترامت لي على المدى عتيقة ، مدت أعناقها إلي السماء في جهد الشيخوخة ، تحاول أن تتنفس من بين بيوت تكاثرت عليها ، أكثرها العتيق الرفيع السامق ،

وهي جميعاً تكاد تهم بالسجود قدما واقتربت منها فتراءت لي تلك الشجرة في زهو الصبي ، قبل قرن من الزمان ، في اغصان لينة وريفة ، وأوراق ناضرة خضراء ، في فسحة من الهواء وغمرة من الضياء ، ينعم تحت ظلالها الحور والولدان ، ويعيق في جوها العطر والريحان ؛ ثم مد الزمن في عمرها حتى خرجت عن زمانها ، إلى زمن ضاقت فيه من تحتها مسالك الناس سعيا وراء الرزق الحقير ، وانبعث فيه إلى أنفاسها اللاهثة بخار الزيت في المقلاة ، وانفاس العفن من روث البهائم ، وروائح الفقر البالغ المتراكم .

ونظرت إليها فارعة الطول ، متهدمة الأوصال ، قليلة الأغصان ، على أوراقها القليلة صفرة تخالطها على استحياء خضرة ، وهي تتطاول على ضعف تريد أن تسمو علي ما حولها من ضيق ، وتهرب مما اكتنفها من فقر ؛ وأنى لها السمو ،

وأنى لها الهرب ، وأقدامها في أرض ذلك القصر ، أو ما كان قصراً ، دفينة ، وجذورها في تلك الغربية العتيقة بحكم العشرة الطويلة مقيدة رهينة ؟! لقد اجتمع على هذه الشجرة السيئتان ، الفاقة والشيخوخة ، من بعد ما اجتمع عليها الحسنتان ، النعمة وطراوة العمر ، وبئس البديلان  وبئست العقبى .

فهذه حظوظ الإنسان والحيوان ، وهذه حظوظ النبات والجماد ، متباينة متحولة . وحتى ما لم يكن حباً أو جماداً له كذلك حظوظه ؛ فالكلمات المنطوقة لها هي الأخرى حظوظها وأقسامها . فكلمة الجمال ، وكلمة الرشاقة

والحسن والدعج ، والنغم والموسيقي ، والغبطة والسرور ، كلها ألفاظ ينفتح لها السمع ، وتهش لها الوجوه وتنبسط الأسارير . وكلمة القبح والدمامة والبدانة ، والنشاز ، والحسرة والحزن ، كلمات تنسد منها الأسماع ، وتتجهم لها الوجوه وتنقبض الصدور . وقد لا يسعف الحظ الكلمات كل الإسعاف . فمن الكلمات ما قد يحسن معنى ويسوء سمعاً .

فالخميصة ، وهي الضامرة البطن ، تحسن فهما وتسوء جرساً ، وهي بمعنى الخبيصة والتخبيص أشبه . ومن الكلمات ما يسوء معني ويحسن لفظاً . فكلمة الموت ما أخفها على اللسان ، وهي تخرج من بين الشفاء خفيفة كالنسيم ، ولكن ما أكثر ما يشقي الخلق بها من راحل وقطين ! حتى الأعداد ، لها هي الاخري أقسام وأرزاق .

فالعشرة الطيبة ؛ ولم أسمع قط أحدا يقول العشرة السيئة . والثلاثة عشر عدد الشوم ، فهي في العصر الحديث كتعيق الغراب وصياح اليوم في العصر الحاضر القديم .

والسبعة امتازت بين الأعداد بالخلود ، فهي خالدة كالدهر ذلك أن الدهر يتألف من أسابيع ، والأسبوع سبعة أيام . فوحدة العيش سبعة ، ينقلب الناس عليها بين العمل والفراغ ، وبين الفراغ والعمل ، وعليها يؤجر كثير من الناس في كثير من الأمم . والسماوات سبع طباق . وعجائب الأرض سبعة ، ولا تسألتي عنها فتحرجني ، فالذي أعرف عنها أنها مثل خالدة من روائع الفن ،

أو هكذا اعتبرها القدماء من أهل الإسكندرية ، في عهدها الإغريقى . وقد أذكر نصيب مصر منها . فلمصر منها أهرام الجيزة وفنار الإسكندرية . وثالث ، حضرني ، وهو برج بابل ، وقيل لا بل حدائقها ، وأسموها حدائق سيميراميس Semiramis نسبة إلى أميرة بابل وملكتها التى زعموها بانية بابل وصاحبة مجدها . وباسمها سمي فندق القاهرة الشهير ، وقد أطل على النيل ، وكان من حقه أن يطل على الفرات .

وللسبعة تكريمات وتشريفات أخري ؛ فالسنوات العجاف التي حلت بمصر ويوسف صاحب خزائنها كانت سبعاً ؛ وأهل الكهف كانوا سبعة . ولست أدري أهؤلاء من ذكر القرآن أم غير هؤلاء . فالقرأن الكريم يقول :

إن الله أعلم بعدتهم ، ولكن القصة التي جرت على السنة أهل روما من النصرانيين كانت غير ذلك . وحكايتها أن سبعة من الشباب المسيحي حكم عليهم الطغاة الكافرون بأن يدفنوا في الكهف أحياء . كان هذا في القرن الثالث من الميلاد . فلما دخلوا الكهف جاءهم النوم فناموا مائتي عام كاملة . حتى إذا مر بالكهف راع دخله ، فاستيقظوا على دخوله . وقاموا فبعثوا واحداً منهم إلى المدينة يشتري خبزاً . فلما بلغ أسوارها راعه أن يري الصلبان على أبوابها . ونقد صاحب الخبز ثمنه ، فإذا به دراهم لا عهد له بها .

فاختصما إلى رجال الشرطة ، فقص عليهم قصته ، وساقهم إلى الكهف حيث كان أصحابه . وذهب القيصر إلى الكهف ، فقال له الشيان السبعة إنها مشيئة الله بعثهم من بعد دهر طويل آية لقوم لا يؤمنون .

وإذ ادوا رسالتهم عادوا إلي الكهف فأتخذوا فيه مراقدهم ، فجاءهم النوم هذه المرة إلى غير استيقاظ .

ومن مأثور السبعة أنها عدد المرات التي يطوفها الطائف بالشئ إذا أراد له تكريما جاء في قصيدة حافظ التي نشرتها له الثقافة في عددها الماضي ، في الرثاء قوله :

تالله لولا أن يقال أنى          بدعا لطفت بغيره سبعا

والطواف بالبيت العتيق سبع مرات .

ومن مأثور السبعة أن خلايا الجسم تتجدد كلها كل سبع سنين ، أو هكذا قالوا . ومن مأثورها أن وقفات المرء في عمره تكون عند السبعة فمضاعفاتها . فعند السبع يخرج الطفل من عهد الطفولة الأولى ، وأظن أن عندها يوجب عليه الإسلام الصلاة . وفي الرابعة عشرة يكون البلوغ فيفترق

الجنسان إناثا وذكورا . وعند الحادية والعشرين يكون تمام الرشد . وعند ضعف هذه السن أي عند الثانية والأربعين تتم الرجولة ويأخذ صاحبها ينحدر إلى الكهولة . وعند السبعين يكون بأس الحي من الحياة.

وعلى ذكر الموت والحياة ، أذكر أن الولد يبقى في بطن أمه تسعة شهور ، فإن سئم البقاء نزل في العادة بعد سبعة . وهو عندها فلما يعيش ، وإن عاش فقلما يقوى ويشتد ،

والخمسة تنافس السبعة منافسة قريبة ، فتكاد تسبقها . وهي خالدة مثلها ، وكيف لا يخلد عدد جاءت أصابع اليد على وفقه . وهي ليست أصابع اليد بل اليدين ، بل الرجل ، بل الرجلين ، في الإنسان وكثير من الحيوان .

وكيف لا يخلد عدد خلق كل الأعداد ، فهو أبوها جميعاً . فالعشرة من خلقه ، والعشرون والثلاثون ، والمائة والألوف . ويسمى هذا التعداد بالتعداد العشرى ، وهو بالخمسي أولى . فالذي سماه عشريا عد أصابع اليدين جميعاً ، والذي يسميه خمسيا يعد أصابع يد واحدة .

وكيف لا يخلد عدد تشكل سطح الأرض على حسبته . فالقارات خمس والمحيطات خمسة

وأركان الإسلام خمسة ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا . والصلاة نفسها خمس صلوات .

وبالأمس قرأت مقالاً جاء فيه أن دول المحور أخطأت أخطاء فقدت بسببها الحرب ، وأن هذه الأخطاء خمسة . فقلت ولم الخمسة ، ولم لم تكن ستة أو سبعة أو ثمانية ، فكان هذا المقال . ولعلى إذكر هذه الخمسة الجديدة مفصلة في فرصة أخرى

اشترك في نشرتنا البريدية