طبيبب يقول فتسكنه النساء
لقد عرفت مصر اليوم ما المحاضن . ففي المحاضن تترك الأمهات اطفالهن يوما أو بعض يوم ، لتتحرر من قيد البيت بعض الزمان . وقد كثرت المحاضن في مواطن المدنية كثرة كبيرة ، بسبب ما أقبلت الأمهات عليها ، لاسيما العاملات والفقيرات ، وحتى متوسطات الحال اللاتي ليس لهن في منازلهن من يرعى الطفل مكانهن ، من قريبة أو مربية
ومنذ قريب كتب دكتور تقريرا ذم فيه هذه المحاضن ، واقترح إلغاءها ، فما اسرع ما انهالت عليه النساء تسخف رأيه حتى سكت فلم يحر جوابا . وأنهالت عليه الخطابات من كل فج فما استطاع لها ردا . والويل كل الويل لرجل يقحم نفسه هكذا بين النساء ، فهو إن هرب فسلم من نعالهن واقلامهن لم يسلم على البعد من السنتهن وأفلامهن ولا ينجيه ان يكون قد اقحم نفسه باسم العلم والعلماء
قال الطبيب فيما قال : إنى لأرجو الا تنتشر هذه المحاضن في الآمة ابدا . فترك الطفل بين اغراب عمدا قسوة لا تأتيها أم عاطفة . وتركه بين أطفال يعرضه للعدوي في سن تقل فيها المناعة
ولكن لعل أكثر ما أساء إلي النساء في نقد طبيبنا هذا ، انه شبه تركهن للأطفال في المحاضن ، بترك صاحب السيارة سيارته في مواقفها من الشوارع حتى يعود ، أو إسكانها الجراج . فسمى المحاضن مواقف كمواقف الحمير والعربات ، وسماها جراجات .
وانبرت له فيمن انبرين من ذوات اللسان المعتدل ، سكرتيرة الشرف لجمعية المحاضن القومية البريطانية . قالت : " إني لم أسمع في حياتي سخفا كهذا ، أيحسب حضرة الدكتور البارع ان المرأة إذا انجبت غلاما ، وجب عليها ان ترتبط من أجله بالمنزل في اليوم اربعا وعشرين ساعة ، فلا يكون لها منه خروج ، ولا يكون لها في الحياة استمتاع ؛ حتى الخروج مع زوجها تحرمه ، لأنها عندما يأتي المساء تكون قد بلغت من التعب مبلغا يقعدها ويعجزها ؟ ! اما عن العدوي ، فأين تكون العدوي أكثر احتمالا ؟ في المحاضن ، أم في الترامات والعربات والشوارع والسينما ، أو حتى في بيت الطفل ذاته ؟ " .
وقالت سيدة اخري ، من ذوات اللسان الخفيف ، تجيب أيضا . قالت : " إن الام لا تود ان " تجرج " ولدها أبدأ في أي مكان كان ، وإنما هي تريد لنفسها فراغا بين حين وحين . وهي إن حرمت هذا الفراغ فكيف تحصل معرفتها بالدنيا التي هي خارج منزلها ، وبالحياة ، وبالناس ؟ ثم كيف يرجي منها أن تشترك في الحياة العامة وتؤدي واجبها في التصويت لنائب في مجلس المدينة او نائب في البرلمان ؟ إن هذه الحرب زادت في عدد المحاضن زيادة كبرى ، بسبب ما اضطر إليه النساء من الخروج للعمل في المصانع والمكاتب والأسواق . ورجائي أن تزيد هذه المحاضن بعد الحرب ، لا ان تنقص ، وتزيد في واجباتها فتكون فوق
حضانتها للطفل مناصح تستنصحها الامهات فيما يعرض لهن من أمور الطفولة وشئون الأمومة " .
وهرع رجال الصحافة إلى الدكتور المسكين يسألونه هل عنده من رد على هذه الحملة ، فقال : لا . فقد علمني الكلام قيمة السكوت ، وأصبحت أومن بالمثل القديم الذي يقول : إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب !
السجل الاكبر
قضت المدنية أن يكون لكل بيت عدد ، ولكل عربة ولكل سيارة عدد ، ورخص الحمير لها اعدادها ورجال الشرطة لهم أعدادهم . ومن يزجهم البوليس من الناس في السجون لهم أعدادهم
فلم لا يكون لي ولك ولكل أحد عدد يعرف به في الأمة ؟
فإذا كتبت لك خطابا عنونته بحضرة رقم ٥٦٢٩ بالمنزل رقم ١٥ بالشارع رقم ١٠ مثلا ، ستضحك من هذا وتهزأ ، ولكن المدنية أراها صائرة إلى ذلك لضبط الناس وضبط امورهم ، في الحرب والسلم على السواء . وسيكون بالطبع للناس ما يشاءون من أسماء فيما بينهم . ولكن للحكومة الضابطة ، سيكون الفرد معروفا عندها بعدده وباسمه ، ولكن بعدده أكثر من اسمه
وحكاية هذا أن الحرب ، في الأمم المتحضرة التي دخلت الحرب ، فرضت على الناس نظام البطاقات . وقد الف الناس البطاقة يحملونها للتموين ، وصار الرجل الذي لا يحمل بطاقة يجوع . فالبطاقة صارت له أهم من ملبوسه ومركوبه .
واليوم يراد ان تكون البطاقة للسلم ايضا . ولن تسمى بطاقة تموين ولكن بطاقة تشخيص ، او بطاقة تعريف بالشخصية ؛ وهي تولد مع الرجل في يوم ولادته ، فيعطى للمولود عدد كما يعطي له اسم ، ثم تصير هذه البطاقة من بعد ذلك اشبه شئ بملخص من تاريخ حياة الشخص ،
يكتب فيها كل ما يحدث له في الحياة من احداث ، مما لا يخجل المرء من إعلانه ، وتتوق الإدارات الحكومية إلي عرفانه
ويجمع كل ما في البطاقات في سجل للدولة عظيم ، يحتوي من ملايين الصفحات بقدر ما بالامة من ملايين الأفراد . كل بعدده . فيصبح عددا كالاسم لا ينساه صاحبه أبدا
ومن الأشياء التي تكتب في هذه البطاقات المولد طبعا ، والزواج ، وبأي " عدد " تزوج ، وكم خلف من الأبناء ومن خلف ، وفيها يكتب الطلاق . ويزاد إليها غير ذلك على الزمن كل علم بشيء يؤدي إلى تسهيل الإدارة ، لاسيما بعد الحرب ، عند ما تنفذ قوانين الإصلاح الاجتماعي الجديد . وتغني هذه البطاقة عما عداها من بطاقات . فتغني عن بطاقة الانتخاب ؛ فبها يستطيع أن يذهب المرء ، إلى مركز الانتخاب فيبديها فتفتح له الأبواب . .
وآخر ما يكتب في البطاقة تاريخ موت حاملها . وقد أخذت إنجلترا في تنفيذ هذا النظام من سبتمبر عام ١٩٣٩ ، أي منذ بدء الحرب الحاضرة ؛ فكل طفل ولد من هذا التاريخ صارت له بطاقة برقم مسلسل ، لا غني له عنه في بلد منظم ، ليحيا ، ثم ليموت
أستاذ بجامعة :
قرأت لكاتب اجنبي وصفا لاستاذ بجامعة ما في أوروبا ، واختار لقلمه أستاذا بكلية آداب
قال إنه أستاذ في أوسط العمر ، يشغل كرسيا للأستاذية مأمونا مضمونا ؛ وقال إنه لوشاء لجعل عيشه اطيب عيش ، وعمله اخف عمل في الدنيا . فهو يستطيع ان يسكن الأميال بعيدا عن الجامعة ، فهو لا يأتي الجامعة كل يوم ؛ وهو يستطيع أن يترك المدينة والجامعة ظهر الجمعة إلي الريف ليعود إليها مساء الثلاثاء . وإذا فرضنا ان عليه دروسا ، وله طلبة - وبعض الأساتذة ليس له طلاب ، وبعضهم لا يحبذ الفكرة فلا يسعي لها - فقد يكون كل
واجبه ان يعطي ما بين محاضرتين إلي عشر في الأسبوع . وإن كان حيا ضميره ، اتفق مع مدرسيه على تناوب الموضوعات عاما بعد عام ؛ وهو كل عام ينقح ما يعطي من محاضرات حتى لا تتأخر ويتقدم الزمن . وإن كان من ذوي الضمائر الناعسة ، فهو يظل يلقي محاضرات الموضوع الواحد عاما بعد عام ؛ وهو يلقيها على صورتها التى كانت لها منذ عشرين من الأعوام ، حتى ليصبح كل ما عليه ان يذهب إلي درج مكتبه ، عند كل محاضرة ، فيخرج اوراقها لينفض التراب من فوقها مرة كل اثني عشر شهرا .
وللأستاذ إلي جانب المحاضرات ، واجبات أخري ، يتوقف عليه كل التوقف اسلوب ادائها . فهو قد يجعل منها شيئا ، وقد يجعل منها لا شئ .
وأول هذه الواجبات الابحاث يقوم بها بنفسه . فهذه يستطيع أن يغفلها كل الإغفال ما ضمن كرسيه ، وهو في العادة مضمون طول الحياة . ثم ابحاث طلبته يشرف عليها ؛ وهذه تتوقف على مقدار إثارته لرغبة البحث في الطلبة . فان كان عند الأستاذ جذوة ، قبس الطلبة منها . وإن كان ليس عنده غير الثلج والزمهرير ، فقد كفاه الله مؤونة ذلك ولم يعتب بابه طالب واحد
ومن واجباته الأخرى ، التى لا يستطيع منها إفلاتا ، تصحيح الأوراق عند الامتحان . وهذه تكون مرة في العام أو مرتين .
وقد يطلب إليه الطالب شهادة عن حسن سير ، أو نجاح في عمل ، فهذه في الغالب يكتبها الأستاذ على نمط معروف مرسوم . وقد تضطره الحال إلى استقبال طالب سقط في الامتحان لينصحه ويحصنه للفرصة التالية ، وقد يستقبل الطالب من أجل تغيير برنامح ، أو تخليص من ورطة ، وهذه لن تتطلب وقتا طويلا .
ثم حضور مجالس الكلية ومجالس الجامعة ، فهذه تأتيه الطلبات بحضورها كل حين وحين ، وعندئذ قد يخطف رجله إلى مكان الاجتماع ينفق فيه ساعتين أو ثلاث ، ولو أنه شاء ما حضر ، فهذا واجب يقضي به
الأدب والعرف ولا يقضي به القانون .
فهذه فيما أحسب كل واجبات الأستاذ ، وقد رأيت إلى أي الحدود الدنيا يستطيع أن ينزل بها . ثم لا تنسي أن السنة نحو من خمسين أسبوعا ، تبلغ الإجازات والعطلات فيها عشرين أسبوعا ، فلا يبقى منها للعمل غير ثلاثين .
وهو ، لو رضى ضميره ما اشتغل في هذه الأسابيع الثلاثين أ كثر من عشر ساعات في الأسبوع ؛ ولو ضممت هذه الساعات بعضها إلى بعض ، وقسمتها على ثمانية ، وهي عدد الساعات التى يفرض على العامل اشتغالها في اليوم الواحد في هذا القرن الحاضر ، لكان الناتج ٣٥ يوما ، هي كل ما يعملها الاستاذ بهذا المعيار في العام الذي تبلغ أيامه ٣٦٥ يوما .
فإن كان الأستاذ ممن ليس لديهم فصول ، وليس لهم طلبة ، اختفى حتى هذا القليل الأقل من العمل .
قرأت لهذا الكاتب الأجنبي هذا الذي قال في وصف هذا الأستاذ الأجنبي ، كتبه على ضفاف السين ، أو ضفاف التاميز . فأغمضت عينى أتصور أي صورة يتخذ هذا الوصف لو كتبه كاتب على ضفاف النيل ؟ !
ثم ساءلت نفسي : ولم أستاذ كلية الآداب وحده ؟ لم لا يكون هذا الوصف لأستاذ الطب أو أستاذ الهندسة أو أستاذ التجارة ، إلى ما هنالك من أساتذة كليات ؟
ولم يغب عن بالي بالطبع ان هناك نفرا من الآساتذة على نقيض ما وصف صاحبنا . ولكن هنا يعرض سؤال آخر : أين يقع مركز الثقل من هذا العائق الذي تعلق به أقدار الأساتذة ؛ إلى يمين أم إلى يسار ؟ فموضع هذا المركز هو الدليل على فلاح كلية أو فشلها . ولكن من يطلب هذا الدليل ؟ لا أحد .
ففي داخل الجامعات تمنع منه المجاملات والمقارضات . وفي خارجها يمنع منها استقلال الجامعات . والاستقلال الذي ينطوي على فساد ، سواء في الأمم أو في الجامعات ، لا يلبث أن يأتيه العنف ، من داخله
أو من خارجه ، فيمزقه تمزيقا .
