ففل يسأل ، وأب بالسؤال يضيق
سرت والصديقين فى الطريق ، وبيننا هذا الطفل الثرثار الذى ما فتى يقذف أيام بالسؤال من بعد السؤال حتى ضاق الوالد بالأسئلة صبرا . وكان كلما ضاف ألقم الطفل قطعة من الحلوى ليشغل فمه بها فيعجز عن الكلام . وكان الطفل قد أدرك أن السؤال هو السبيل إلى الحلوى ، فأخذ يتفنن فى السؤال حتى صار الدواء داء .
ونظرت فى أسئلة الطفل ، فكان منها الواضح المفهوم ، وكان منها غير الواضح غير المفهوم ، وكان منها السهل ، وكان منها المعجز ؛ وكانت يد الوالد أسرع إلى حبيبه بالحلوى كلا رماه الطفل بالمعجز ، أو بالذى قد جهيل ومورنا بطلا ، عند سور بيت ، يطلى حديده بطلاء أحمر .
قال الطفل : ماذا يصنع هذا الرجل يا بابا ؟ الوالد : يطلى السور الولد : بأي شىء يطليه ؟ الوالد : بالبويه . الولد : ولم كانت حمراء ؟ الوالد : لأن فيها لون الولد : ولم لم تكن خضراء ؟ الوالد : يصح أن تكون خضراء أو صفراء أو زرقاء أو أى شىء تريد .
وعندها غمزت الوالد ، فما كاد يلتفت إلى حتى كان الطفل قد لاحقه بالحلقة التالية من السلسلة الولد : ولم يطليه بالبويه ؟ الوالد : لكىيحفظ الحديد فيعيش طويلا الولد : أنت تحب أن تعيش طويلا يا بابا ؟ الوالد : أظن هذا
الولد : إذن لم لا تطلي نفسك ببوبة حمراء ؟ . الوالد : خذ قطعة شوكولاتة وهنا نظر إلى الوالد وهو يقول : ياأخى شىء يجنن .
ولكنى نظرت من بعد ذلك فى سؤال هذا الطفل فلم أجد فيه جنونا كثيرا . فالواقع أن هذا الطلاء الأحمر ، لم يكن فى استطاعة الطلاء أن يجعله أخضر أو أصفر . فاللون هذا لم يكن مقصودا ، وإنما المقصود هو تغطية الحديد بتلك المادة الحمراء - وهي اكسيد الحديد أو أكسيد الرصاص - لتقى الجديد من أكسدة الهواء ، أى تقيه من الصدأ فالفساد وما كانت الخمرة هنا إلا عرضا . وما كان الطلاء إلا بطانة ، بضع الطلاء فوقها اللون الذى يريد من أخضر أو أصفر وعندئذ تكون البطانة للحفظ ويكون ما يعلوها للزينة .
وهكذا جرى الإنسان فى استخدامه الأطلية - البوبات - لهذين الغرضين : الحفظ ، والزينة .
والإنسان يطلب الأطلية للزينة أكثر كثيرا مما يطلبها للحفظ دلت على ذلك الألوان الكثيرة التى ابتدعتها الصناعة منذ مهدت لها الكيمياء بالكشف عما قد يكون فى أكاسيد العناصر وأملاحها من ألوان .
ودلت عليها تلك الملابين التى تنفق سنويا فى شراء تلك الألوان ، والإنسان لو طلب الحفظ وحده لكفالو ثان أو ثلاثة عما أثبت ما فى تلك الألوان وأطولها عمرا . ولكنه يطلب الرونق . والرونق يصحبه قصر الممر ، حتى فى الأطلية . ولكن لا بأس عليه أن بعيد الكرة كل عام أو عامين ، فيعيد الطلاء ، ويمهد النفقة من جديد . وهو بهذه النفقة يشترى متعة العين ، متعة الجمال . ولقد بلغ من تأليف الألوان عند هؤلاء الناس ، فى الحديقة ، وفى الدار ، ظاهرها وباطها ، مبلغا لو رآه راء ممن يؤمنون بالنقمة الصرفة ، والحفظ وحده ، إذن لتنزل منطقه ، وأغراء هذا الجمال فقال : على النفع ، وعلى الحفظ ، العفاء
وإن هو قال هذا ، فقديما قال الناس مثل هذا فى أطلية المرأة . فأسموا من تتطلى بأنها مصنوعة مصبوغة . ودعوا إلى الطبيعة . ثم رأينا على السنين ، هذه العرائك الشديدة تلين ، وإذا بالشفاه تصبع ، والعيون تكحل ، والوجوه تبذر وتمسحق ، ويقبل كل هذا على منافاته للظيعة كما يقبل قص الشعر وتقليم الأظفار . ويقبله الفتيان فى أزواجهم ، والشيوخ في بناتهم ، ويقبله أهل الدنيا وأهل الدين .
ذلك أن الأحساس بالجمال ، ولو مصنوعا ، شديد فى بنى الإنسان . وأغير عبث كانت هذه الشدة ، وليس على الإنسان بمستنكر أن يمد الطبيعة بالذى أعوزها من حسن . وإن قال ناس إنه الخداع ، قلنا وهل أكثر الدنيا وأكثر العيش غير ذلك وما ضر هذا إن كانت الخديعة حلوة والحقيقة مرة . وما ضر هذا إن كان المصنوع مما تنفتح له القلوب ، وكان المطبوع مما تنقفل من قذاء الجفون كما تنفقل من التراب الساقى .
على هذه السجية الأولية جرى الإنسان فى اختيار أطليته ، فطلبها للزينة أصلا ، فجاءت للنفع تبعا .
وليس الحديد ، هذا الذى رآه طفل صديقى ، بالشىء الوحيد الذى يحفظه الطلاء فالمعادن كلها تصدأ فى الهواء فلا بد لها من الطلاء .
وكذلك غير ذلك من الجوامد تحتاج إلى الطلاء . فالخشب لابد من طلبه لحفظه . فالخشب لا يكون على حال واحدة شتاء وصيفا . تعلم هذا من فتح الأدراج وإفقالها . فهى أسهل فتحا صيفا ، وهى أعسر شتاء . ذلك أن الرطوبة تدخل الخشب شتاء فتمدده ، وهى تخرج منه صيفا فتكمشه . من أجل هذا كان الطلاء ليدفع عن الخشب هذا وذاك ما استطاع وهو كذلك يمنعه أن يلتف بحرارة الصيف .
والمنازل تكلس وتطلى لتذهب عنها غائلة الأجواء . وهنا نعود إلي سؤال الطفل : لم لا تطلى نفسك يا بابا
بالبوية الحمراء ؟ .
وصدق الطفل فإذا كان الجماد لا بد له من طلاء - من غطاء ، فكيف بالحى ؟ وما عز الحى الغطاء أبدا ، من نبات أو حيوان .
أما الشجر فغطاؤه اللحاء وهو غطاؤه وطلاؤه معا . إنه وقاؤه كما أن هذا الغشاء الرقيق من البوية الحمراء التى رآها الطفل كانت وقاه الحديد .
أما الحيوان والإنسان فغطاؤهما وطلاؤهما ووقاؤهما الجلد لا محالة .
والجلد يبلى كما يبلى الطلاء . ولكنه يتجدد كما يتجدد الطلاء . إنما تجديد الطلاء من الخارج ، بتحصير طلاء جديد ، أما طلاء الأجسام - الجلد، فتجديده من الداخل ، كلما زالت عن الجلد طبقة قامت مكانها أخرى محلها ، وتقى وقاءها .
والطلاء غشاء إذا تبئر وانحرق ، لم يلق له الانسان بالا . أما غشاء الجسم إذا انخرق فقد يكون الويل كل الويل فى انحراقه ، وقد يكون فيه الموت . فمن خرقه تدخل الجراثيم وتبدأ الأدواء .
والجلد غشاء ، أو هو غطاء ، أحكم إلباسه للجسم إحكاما . وإن شئت فقارنه بما يلبس الناس . وإنك لتجد الترهل فى الملابس ، ولا تجدها فى الجلد الصبى أبدا . ذلك لأن الجلد مطاط . ثم لأنه كثير الحشو كثير البطانة حيث يحتاج الامي إلى حشو وبطانة . وما بطانته إلا من الدهن . وهو طبقات ترق وتتخن حيث تطلب الرقة أو تطلب الثخونة . وهو يذوب كلما ذابت السنون ، فيفرغ منه الجلد ، فيتسع . وإذا اتسع الجلد على لا بسه انطوى وتجمد وهكذا هو عند الشيوخ والشيخات .
والدهن لحشو الجلد ، وهو كذلك لدفع البرد . لهذا كان العجائز أحس بالبرد من الصبية والصبايا .
وطبقة الجلد على الأجسام ليست سمكا واحدا كغشاء الطلاء على النوافذ والأبواب .
فالفرشة التى فرشت هذا الطلاء الانسانى - هذا الغشاء الجلدى ، عرفت كيف تخفه حيث يطلب الإخفاف ، وكيف تثقله حيث يطلب الاثقال . ومن أرق مناطق الجلد جفن العين ، فهو يبلغ المليمتر أو دونه سمكا . وهو أغلظ ما يكون فى كعب القدم ، فهو فيه قد يزيد على الاثنى عشر ملليمترا ، وكذلك الآحذية ، هى أغلظ ما تكون كعبا .
والسيدات أرق من الرجال جلدا ، وهذا أقل نصيبهن من الرقة . والسودان ، على غير ما يتبادر إلى الذهن ، أرق جلودا من البيضان .
والجلد عضو حى كسائر الأعضاء ، وله وظائف خطيرة كوظائفها .
ومن وظائفه أنه الحارس على حرارة الجسم ، فهو يبخل بها فى الشتاء ، وهو يجود بها فى الصيف . وذلك بأن به أعصابا إذا أحست البرد كمشت الجلد ، فضيقت من أوعية الدم فيه ، فقل جريان الدم بها ، فقلت الحرارة الضائعة منه بالإشعاع . أما إذا أحست هذه الأعصاب إحترارا ، بسطت الجلد ، ووسعت من أوعية الدم فيه ، فزاد جريانه فيها ، فزادت الحرارة الضائعة منه بالإشعاع وبغير الاشعاع ، ومن أجل هذا تحمر الوجوه البيض صيفا فتكون كالورد .
ومما يستعين الجلد على ضبط حرارة الجسم نحو المليونين من الثقوب فيه ، يتصل كل ثقب منها بغدة داخل الجلد تفرز الماء عند الحاجة ، ونسمى هذا الماء عرقا . وهو ينغضب شتاء ، ويتصبب صيفا . وبانصبابه يتبخر فيبترد الجسم أيما ابتراد .
وجلد نملك تهمله زمانا دون دهان فيجف ويتصلب . وجلد جسمك يقوم عليه مليونان من الثقوب يجودان بالدهن الذى يحفظ عليه ملاسته وطراوته . ومن أجل هذا كان الغسل بالصابون كل يوم وكل ساعة شيئا لا ترضاء الطبيعة أبدا .
والجلد هو الذي يصنع لك الشعر ويصنع الظفر ، وقد كان الشعر للرجل وقاء ، وكان الظفر سلاحا ، فصار الشعر المرأة زينة ، وبقي الظفر سلاحا وزينه .
ولما كانت الأمور تؤخذ بظواهرها ، وكان أكثر الجمال المنظور ، وكان الجلد ظاهر الانسان ومنظوره ، اتجهت إليه عناية المرأة تحفظ نعومته ، وتزيد طراوته ، وتحسنه بالمساحيق والالوان .
ولا عجب ، فجلد المرأة مفرش تعرض عليه صنوف الفتنة ، وبدائع الجمال . فان لم يكن جمال يعرض أو فتنة تذاع ، فلا أقل من مفرش طرى ناعم ، تقوم نعومته وطراوته وملاسته وحسن انسجامه ، وتسلسله كتسلسل الماء فى الغدران ، تقوم جميعا مقام الفتنة المفقودة والجمال الضائع . وكم عجوز ضيع العمر منها كل شىء ، إلا جمال الجلد ، فبقى يكاد يقطر من صفاء ، فزاد وقار الشيخوخة عظمة وبهاء .
وقد تعجب أن تسمع أن بعض أمم الغرب ينفق فى سبيل طلب جمال الجلد ، على الادهنة والمساحيق ، أكثر من مائة مليون جنيه .
فهذا حديث الاطلية ، حديث الجلود . والاحاديث شجون وشجون .
أحمد زكى

