الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 329 الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

وفاء

إلى الطبيب الذى عالج كلبى ، فما أبرأ علته . إلى الطبيب الذى لقى كلبى فى غير بشاشة ، وعادله فى غير حضر فى بقسوة ، ذكرها الكلب فرفض أن يعود إليه رغم رجائى والحاحي ولسان حاله بقول : لا أذهب إلى هذا ال ...  ولو كان عنده طب حالينوس . إلى هذا الطبيب أسوق ما قرأته عن طبيب من أهل مهنته ، اختلف عنه فى نظرته ، فوفته شر خيبته :

     لابد لطبيب الكلاب من أن يحب الكلاب ، ولابد لحبه اياهم من أن يتفهمهم . نعم يتفهمهم ولا أقول يتفهمها وسيجد ان تفهمه الكلب أيسر من تفهم الإنسان ، وان حب ذلك أقرب إليه من حب هذا .

إن عقلية الكلاب تختلف فيما بينهم اختلافا كبيرا ، والذكاء فيهم انواع وأقسام ، ويتراءى أكثر ذلك فى عيونهم ، فكأنها هى عيون الناس ، حتى فى صغرهم وهم جراء ؛ وتتراءى الفطنة بريقا فى هذه الأعين ، وقد يصحبها الخبث ، وقد تصحبها الطبية ، وقد يصحبها السكون والوقار كما فى الأشياخ عاما من بنى الانسان . وفيهم الغباء أيضا ، ولكن بنسبة أقل مما فينا.

ومن الميسور للرجل منا ، وللمرأة طبعا ، أن يفهم من أغلب الكلاب ما الذي تمنيه الكلاب ، ومن الميسور أن يتعلم قراءة أفكارهم ؛ فالكلب لا يعرف التصنع ولا يعرف الغش ، ثم هو لا يعرف الكذب لانه لا يعرف الكلام . وقد جبل على الصراحة ، وهو بطبعه أمين

وقد تبقى فى الكلب بقية ورثها عن جدوده الأقدمين ، فتظهر منه أحيانا مظاهر المكر والحيلة مما كان لابد منه لآبائه المستوحشين ، حين كان المكر والخديعة بعض

حيلة الصائد فيما يصيد ، وبعض سبيله إلى الرزق لمداومة العيش ، ولكن حتى هذه البقية تختفى عند ما يطمئن الكلب إلى العدالة منا وحسن المعاملة .

والكلب يقر لسيده بالسيادة ، ويقبل قضاءه فيما يقضى فيه ، ولا يطلب له استثناء . وهو مع هذا ليس بالعبد ، وهو لا يقبل العبودية أيضا إنه يخضع لنا عن طواعية ، وبلد له هذا الخضوع ، ولكنه مع ذلك ينتظر لحقوقه أن تحترم . إنه ينظر إلى سيده نظرة الناس إلى ملوكهم ، وحتي نظرة العبد إلى ربه ، ولا يسيئه من ملكه أو ربه ان يكون قاسيا إذا دعا الداعى ، ولكنه دائما ينتظر منه العدل .

ويعلم أن ربه مطلع على ما يدور برأسه ، فهو لا يحاول أن يخفى ذلك أبدا .

وإذا قرأ الرب فكر الكلب ، فكذلك فى استطاعة الكلب أن يقرأ فكر الرب - فكر صاحبه وسيده . وهو لا يقرأ فكر صاحبه فحسب ، بل هو يحس بمزاجه الحاضر أيضا .

وهو يعلم متى يريد صاحبه ان يشتغل به ، ومتى يود أن يشتغل عنه . فأنت مجلس إلى مكتبك فتتهمك فى عملك ، كتابة أو قراءة ، فيعلم كلبك ذلك منك ، فيقبع إلى جانبك ، فلا يصوت ، ولا يتحرك ، حتى الذنسب ببسب به مبالغة فى تسكين السكان ومهدئته . وقد بذلك الهم ، ويثقل بك الفسكر ، فتجلس مغموما حزينا ، فيعلم ذلك منك ، فيسترق الخطر إليك حتى ما محسه ، وإذا هو يحيط راسه على فخذك معزا مواسيا ، ولسان حاله يقول لك : لا نفم ولا نهتم ؛ إن تركك الاصدقاء فاني باق احتل مكانهم جميعا ، وإن قصدك الأعداء فاني باقي ادفع عنك الاعداء جميعا فرج عن نفسك ، وهيا بنا إلى الخروج ففي الخروج التفريح

وهل رأيت قط كيف ينفعل الكلب إذا مرض

صاحبه ؟ إن الكلب بطبعه يخاف المرض ، ويفزع من الموت . وقد يعتاد الكلب أن ينام عند موضع الأقدام من فراش سيده ، فإذا مرض سيده ترك مكانه الذى اعتاد من هذا الفراش . وقد يتردد ، ثم يفضى بالبقاء فيه ، ولكنه لا شك تاركه إذا اقترب الموت . وأقول إذا اقترب الموت لإ إذا وقع . وعندئذ تنساءل : و وكيف يعرف الكلب اقترابه . واستدري كيف يعرف . وليس يدري أحد كيف يعرف ذلك إلا الله .

حكى الطبيب قال : إنه عرف امرأة فقيرة حلت غريبة فى قرية . وبعد حين أصابها السل ، وجرى فى جثمانها بطيئا ، فرقدت طويلا حتى ملها الزوار ، ولم يبق لها غير كلبها ، فلم يترك قط مكانه عند قدمها . وهو لو أراد تركه ما وجد لنفسه فى الحجرة مرقدا . فقد كانت من العرى بحيث لم يكن لأرضها التربة الرطبة من غطاء .

وذات يوم زارها الطبيب ، فوجد عندها أحد قساوسة القرية ، وهو القسيس الوحيد من بين القساوسة العشرة الذى أعطى شيئا من ماله للفقراء . فسأل القس الطبيب : أما آن الآوان فيتقدم لها بالقربان . ففحصها الطبيب فلم يجد أن حالها زادت سوءا ، بل وجد أن نبضها قد تحسن قليلا . وسألاها فقالت : إنها شعرت فى الأيام الثلاثة الأخيرة براحة أكثر مما شعرت فيما سبق من أيام . فقال الطبيب : إنه يقدر لها أن تعيش أسبوعا أو أسبوعين . فرضى القس بتأجيل قربانه .

وهم الإثنان بالخروج من حجرة المرأة التعسة . ولكن فجأة قفز الكلب من فراش المرأة صارخا معولا ، وهرول إلى ركن الحجرة فى بكاء كبكاء الثكالى ، وقبع فى الركن فى فزع شديد .

فرجع الطبيب يبحث عما جرى . ونظر إلى المرأة فلم يجد شيئا تغير فى مظهرها . ولكنه عندما أحس نبضها ، لم يجده إلا بعد جهد كبير . لقد خفت حتى ما يكاد يحس . وأرادت المرأة أن تفوه بشىء ، فعجزت ، ولم يدر الطبيب

ماذا نوت أن تقول . فنظرت إليه ، وفتحت عينيها وسعهما ؛ ويدها الكليلة رفعتها على ضعف زائد تشير إلى الكلب فى ركن البيت . ففهم الطبيب أنها توصى به ، فمال إلى أذنها فقال لها : إنه لن ينال الكلب سوء ، وإنه آخذ إياه إلى داره . وعندئذ قرت المرأة وبان عليها الرضى . تنفست نفسا طويلا خرجت على أثره من بين شفتيها قطرات من الدم . ثم أسبلت عينها وشاع فى وجهها سلام الموت .

أما السبب القريب لموتها فنزيف فى صدرها . فكيف عرف الكلب ذلك منها قبل أن يعرفه الطبيب ؟ ! وجاء القوم فى المساء يحملونها إلى قبرها ، فمشى الكلب وراء نعشها حتى واروها التراب . وكان المشيع الأوحد .

وبقى الكلب عند القبر ، ولم يستطع أحد أن يزحزحه عنه . وأمطرت السماء ، وأبرد الجو ، والكلب جاثم مكانه يوما وليلة . وأرسل الطبيب له حارس المقبرة بسلسلة يقوده بها ، بعد ملاطفته ومداراته ، ولكن الكلب نبح فيه نباحا قاسيا خشى أعقابه . فلم يكن بد للطبيب فى اليوم الثالث من أن يذهب إليه بنفسه ، ويغريه بمغادرة القبر وكان يعرف الطبيب ، فنجح بعد لأى بإغرائه فاصطحبه إلى بيته .

وكان عند الطبيب كلاب أخرى فدخل فى أسرتها ، وعاش فيها هنيئا سنتين . ثم جاء الكلب قضاء الله ، فدفنه الطبيب فى ظل شجرة دفن فى ظلها من كان سبقه إلى الموت من كلابه .

كنا نقرأ صغارا قول الأعرابى :

أنت كالكلب فى حيفاظك للود

                                     وكالتيس فى قراع الخطوب

وعندها نضحك ، ولا نفهم ، لأننا لم نكن تعودنا عشرة الكلاب . أما وقد تعودناها ، ولو على كبر ، فإنا نجد أقصى المديح أن يقول الصديق لصديقه : أنت كالكلب ...

اشترك في نشرتنا البريدية