هدنة
من أعسر العسر أن يخرج المرء بفكره ، أو يهرب الكاتب بقلمه ، مما حوله من صراخ هذا السلام ، وأنباء هذا الاستسلام .
لقد قضيت السنوات مع من حولى ، أتمنى احتفالا بهذا العهد ، وأتصور الأسلوب الذى اقضيه عليه ، واتخيل كيف أرسل النفس فيه على سجيتها ، وهي من سجية الحيوان ، وآذن لها أن تفور بالذى فيها فوران القردة أطلقت من أقفاصها ، ثم إذا بى أجدنى يوم اعلان هذه الهدنة المرتقبة فى الأسكندرية ، وإذا بى عند صديق . وجاء منتصف الساعة الثامنة ، فأراد الصديق على غير عزم كبير أن نسمع ما قد يقول المذيع ، فأدار مقبض المذباع ، وإذا بنا فى دهشة مما نسمع . ففى كلمات قصيرة ، وفى ثوان أقصر ، أنزل الرجل الطيب الستار على ستة أعوام من شر ما امتحنت به الدنيا فى عمرها الطويل . وطلبت من النفس أن تزأط ، فوجدتها متخاذلة . وطلبت من القلب أن يفور ، فوجدته فاترا خامدا . وطلبت العهد الذى
قطعته بالخروج عن الوعى ساعة ، وطئ العرف واللياقة حينا ، فوجدتنى أكثر ما أكون بالوعى استمساكا ، وبالعرف واللياقة احتفاظا . أو قل لم تكن بى رغبة فى حفظهما أو تضييعهما . لم تكن بى للوعى رغبة فى الخروج عنه أو الدخول فيه . لقد استسلم فكرى عوضا عن ذلك للدهشة المقرونة بانحطاط فى النفس شديد .
هذه هى النهاية التى تشوفناها وتمنيناها ، فلما حطت بيننا تقبلتها النفس بالرضاء الخامد .
وفى الصباح التالى ، صباح الثلاثاء ، نزلت من الفندق أطلب أقرب جريدة أجدها ، فوجدت العربى والأفرنجى ، فجمعت ما وجدت . وعلمت من نهمى هذا أن النفس ظاهرة الخمود ، ولكنها جياشة الباطن . وإلا فما معنى شراء أربع جرائد كلها لا شك تحمل معنى واحدا .
وعدت إلى الفندق بيضاعتي ، وفى المصعد صحبنى ضابطان انجليزيان . فلما أبصرا ما أحمل ، وعرفا من ذلك فرط اهتمامى على الرغم من برود وجهى وبطء خطوى ، حييانى ، وتكلما عن الحرب كلمة قصيرة ، أردفها أحدهما بقوله ، فى جد الواجم : نعم كسبنا الحرب ، والأن علينا أن نحارب لنكسب السلم أيضا . فقلت فى نفسى ليت ألفا وألفا من أمثالكما يقولون هذا .
وجاء وقت النداء . وعلى الغداء جمعنا المذيع الأجنبى ينبئنا بأن المستر تشرشل سيقول كلمة فى الساعة الرابعة . وذهبنا للقيولة . وما كادت تقترب الرابعة حتى هرعنا إلى المذياع .
دخلت الحجرة فوجدت جماعة سبقونا إليه : ضابط بجرى عظيم مع زوجه وهى شابة . وفتاة مجندة فى قماشها الكاكى وستة ضباط أو سبعة من ضباط انجلترا ، بعضهم من ضباط الأرض ، وبعضهم من ضباط السماء . وكان فى الجمع الصغير امرأتان أوربيتان من غير الانجليز . وكانت الموسيقى تعزف من لندن عزفا متواصلا . وعند الساعة الرابعة تماما صاح المذيع اللندنى يقول : هذا رئيس الوزراء !
واستمعنا لكلمة الوزير الانجليزى الذى احتمل من عناء الحرب مالم يحتمله رجل سواه . هذا الرجل الذى ادخرته الأقدار لانجلترا فى يوم محنتها ، يوم لم يكن بين ركبتها والأرض غير شبر واحد ، فيقوم فى تلك المحنة ببعث الأمل فى قلوب كاد يمنيها اليأس ، وليس بين يديه من أسباب الأمل الحاضر غير مدافع عتيقة أخرجها من المتاحف فنشرها على الساحل يخيف بها العدو المتوثب . كل هذا ريثما تستعد المصاعر للاخراج ، وتتهيأ المصانع للانتاج . ثم ظل عاما وحده يغالب عدوا قهر الدنيا أخافها فلم يبق فى وجهه من عائق .
قام الوزير البريطانى الذى هذه كانت محنته ، وهذا كان أكتواؤء ، قام آخر الأمر يذيع للعالم ، لا (( بدء النهاية )) ولا (( نهاية البدء )) . ولكن نهاية النهاية التى ظل يترقبها ، ويترقبها معه العالم ست سنوات .
وكنا نحسب أنها ستكون كلمة طويلة ، فيها الفرح الكثير ، وفيها الغبطة الفياضة ، بل فيها الاشتفاء من العدو على أكمل صوره . والاشتفاء ضرورة إنسانية لإحياء
الأنفس المريضة عند الغلبة . ولكننا استمعنا بدل كل هذا إلى كلمة قصيرة هادئة خلت حتى مما اعتدنا سماعه من الخطيب فى سنوات الحرب ، من تهكم لاذع ، أو رفع الصوت فى توكيد أمل أو استحثاث همة ، وكان كل ما قاله عن الفرح : إنه يحق لنا فى هذه الساعة أن نفرح قليلا . يحق له ! ! وطلبنا كلمة قاسية مرذولة عن الأعداء فلم نجد شيئا .
فقلت فى نفسى : لو كان هذا الذى يتحدث فلانا أو فلانا لاحترق المذياع مما ينفذ فيه .
وفى ختام هذا الحديث عزفوا نشيد الملك - الملك البريطانى - فوقف الجمع الذى أنا فيه كله . وتحمس بعض الحاضرين فأخذ يتغنى بالنشيد البريطانى على أنغام الموسيقى ، فلم يجد من القوم من يصاحبه ، فوقف غناءه مبهوتا . ونظرت إليه فوجدته غير انجليزى . والإنجليز جميعا وقوف صموت لا يلتفتون ميمنة أو يسرة ، ولا يهمسون همسة . وعلى وجوههم رجالا ونساء كآبة الموت . فكأنما كانت الساعة للتعزية لا للتهنئة .
وفلتت منى نظرة إلى الفتاة المجندة ، فوجدت بيدها منديلا ، وقد كان ذهب إلى شىء من وجهها الكئيب ثم عاد . وساءلت نفسى مساءلة ذى الفضول : على أى شىء جرت من عينها تلك الدمعات ؟ وحسبت أنها جرت على رجل لن يعود فى العائدين - أب أو أخ أو زوج كان أو يكون ، أو لعلها أم أوأخت ذهبت قديما تحت الأنقاض . أو لعله لا هذا ولا هذا ، وإنما هو تصورها أسرتها التى فرقتها الحوادث فى كل بقعة من بقاع الأرض ، وعبر البحار وفوق الجبال وفى الأدغال ، وقد اجتمعت كلها إلى مثل مذياعها تستمع مع الدنيا إلى الكلمة التى تلم الشمل ، وترأب الصدع ، وتجمع من الاناء المهشم ما تستطيع جمعه من بقاياه . ولعلها تصورت
صورة الإناء وقت انجباره ، فأخذت تبكى جزءه الذى طاح . والقدر قد تطيح عروتها ، وقد تطيح عند رأسها بعض حافتها ، ثم هى تستطيع مع هذا أن تحمل الماء ولكنها لا يكون فيها نفع إذا كان الذى طاح من قاعها . وعندئذ تود الأجزاء الباقية كلها لو عادت صلصالا لتكون من جديد شيئا جديدا فيه نفع وله حياة . وخطر لى أن هذه الفتاة ربما بكت لأن هذه الحرب صدعت قدرها ، فخرجت هى منها شقافة لا نفع بها ، ولا جدوى لها ، ولا معنى لوجودها ، إلا أن يرتد الخزف إلى قوامه الرخص القديم ليتشكل شكلا جديدا ، يؤدى فى حياة ما بعد الحرب غرضا فى العيش جديدا . ولكن بقى للفتاة المجندة أن تتساءل على الدمع الجارى ؛ وهل يرخص الخزف ويلين من بعد احتراقه وانطباخه ؟ !
وعدت إلى المذيع أستمع للذى يقول .
إنه يقول إنه سيحملنا إلى العاصمة الانجليزية ، فالعاصمة الإسكتلندية ، ثم إلى عاصمة أرلندة الشمالية ليصف لنا واصف بكل منها ما يجرى فيها .
وحملنا أول ما حمل إلى قصر الملك ، ووصف الواصف الجماهير الغفيرة التى تجمعت حول القصر ، مركز الامبراطورية التى كادت تذهب مع الريح ، ثم أعفتها الأقدار ولم تكد . إنهم عدد الرمال فى الصحراء . وإن فيهم على السرور البادى رزانة لا تخف بهم إلى طرب . وهم توجهوا فى تلك الساعة التى هى أخطر ساعات البلاد إلى الرمز الذى اختاروه طوعا علما على البلاد ، ذلك الملك . وكان الملك قد خرج إلى بعض شرفات القصر هو والملكة والأميرات يحيون الجماهير . ثم قال المذيع : (( ودخل رب هذه الأسرة الهائلة إلى القصر )) . فأعجبنى هذا التعبير أيما إعجاب ، لأنه الصدق الذى لامرية فيه . فقد صار ملك الانجليز فى العصور الحاضرة مرادفا للرجل الطيب الذى يقود شعبه إلى الكنيسة فى المآسى ، ويقود شعبه إلى الكنيسة فى الأفراح . ويخرج
بهم إلى الملاعب حيث تربى الأخلاق من جلد وتسامح . وهو السباق بأسرته عند التضحية ، والضارب المثل بالصبر عند الجزع .
وحملنا المذيع إلى غير لندن من العواصم فكانت كلها مثلا واحدا .
وانقضى النهار ، ودخل الليل . وعدنا إلى المذيع البريطانى نطلب خبرا . فإذا انجلترا قد تحولت إلى معبد بعيد الأرجاء واسع الجنبات . فحيثما توجهت وجدت صوت قس يذكرالله ، ويشكر الله على ما حباهم من نعمة ، وانتصفت العاشرة فأتى كبير قساوستهم يختم الصلوات بموعظة شاملة . وشاقنى من موعظته أنه نسب كل الذى كان فى الحرب إلى الله لا الإنسان . فالله هو الذى امتحنهم ، والله هو الذى صبرهم ؛ وهم إذ ضربوا العدو فأصموه لم تضربه أيديهم وإنما ضربته يد الله .
لقد تصورت بعض المصريين المستحدثين إلى جانبى يستمع لهذا ، ثم يقول لى : إن هؤلاء القوم أهل خرافة ، وحسبتنى أرد عليه فأقول : وهم على الخرافة التى تذكر أهل مجد أيضا .
وبعد ، فقد ذهبت الحرب فى أوربا ، وجاءت السلم ، وانكشف لنا من الحرب غامضها ، وسينكشف لنا من السلم أغمضها . وتلك الأيام كالكتاب ينطوى صفحة من بعد صفحة ، فى سرعة لا يزيد فيها بالتلهف إنسان ، ولا يبطئ فيها بقلة المبالاة إنسان ، وقد تشوقك الصفحة المطوية حتى يميل معها صبرك ، ولكنها إذا انكشفت فقدت صفة الإلذاذ والإمتاع . وذهب معها التحرق الذى كان لها ، كالليمونة المعصورة لا يطلبها طالب بعد عصر . والحياة محتملة على الخير والشر ما بقى فى كتابها صفحات مطوية ستنكشف .
جعل الله شر صفحاتنا الذى فات .

