الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 335 الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

محجوب ثابت :

أقرأ الصحيفة في بكور كل يوم - في بكوره الباكر فابدا بأخبار الحياة واخبار الأحباء ، ثم ادرج حتى اصل إلى ذلك الركن الأخير من الصحيفة الذي خصصه أصحابها عن حصافة مقصودة لاخبار الراحلين الذين لن يكون لهم بالصحف خبر غير هذا . وهو ركن يتألف من عمد تطول وتقصر على مقدار ما جني حاصد الانفس في ذلك الامس الداب وهم قد خطوا الخط الأسود العريض بين هذه  العمد ، وفيها النشاط الذي خمد ، وبين تلك العمد السابقة الاخري ، وهي فوارة بالحياة ، توكيدا لاختلاف ما بين النوعين ، وإمعانا في إبانة الفرق بين المعنيين ، إقبال وإدبار

وأنا إذ أخطو علي هذا الخط الأسود العريض أحس دائماكأن ادخل بابا مجلسا بالسواد ، هو باب ما بين الدنيا والآخرة . احس كأني ادخل مقبرة تتألف من مدافن . وأدور عليها مدفنا مدفنا فأنكر بعض أسمائها فأمضى وأعرف بعضها فأستمهل . وبعضها استمهل عنده في غير طول ، وبعضها استمهل عنده في طول كثير . وقد اخرج من هذه الجبانة التى تتغير كل يوم ، فيعلق بالرأس والقلب منها علائق تبقى أياما .

ومن هذه العلائق ما لصق بقلبي وفكري من قراءة اسم " محجوب ثابت " على باب أحد هذه المدافن بجبانة اليوم الثاني والعشرين من مايو الحاضر

وفتشت قلبي عن سبب  هذا اللصوق والإلحاح لتلك الذكري ، فعلمت أنهما سببان .

أما أولهما فلان " محجوب ثابت " كان في حياة مصر بهذا العقد ، ولا سيما بالعقد الذي سبق ، فالذي سبق هذا ، كان من بعض معالم هذه الحياة . ومعالم الحياة في معانيها ،

كمعالم المدن التي تألفها في مبانيها . وليس ضروريا ان يكون معلم المدن دائما عاليا سامقا . فسقوط الدكتور محجوب " كان سقوط معلم عرفناه زمانا ، والفناه حينا ، ودخل به السرور إلي قلوبنا دهرا ومن قبله سقط البشري واشباهه ، وكانوا جميعا من معالم هذا العيش . ولعله من الأسي لهذه المعالم ، اعني لفراق النفس المنتظر ، حين تتداعي كل تلك المعالم ، لا معلما معلما ، ولكن دفعة واحدة باغماض العين التي تبصرها .

أما السبب الآخر فالتأثر من ذكري جزع اظهره الدكتور في السنوات الأخيرة من حياته بسبب ما خاله من جور الزمان . لقد كان للدكتور الفقيد نفس لاشك أمالة ، طمعت في الكثير ، ولكن خيبها قصر الوسائل وقلتها إلي هذا الكثير . وراي ايامه تنطوي فبدأ يصرخ على صفحات الصحف صراخا احزن الأصدقاء ، فقد كان صراخا للخيبة ليس له من غياث .

ألا ما أجمل ، إذا فرغت حياة المرء أو هي أذنت ، ان يقنع المرء بالذي كان ، وان يرضي عن الأيام بالذي تعطي ، وأن يستقبل الليل الذي ليس له من صباح باطمئنان الرجل الذي يتهيأ للهجوع ، ويودها رقدة رخية هادئة هانئة إلي ان يشاء الله .

في أذيال الموسيقى

تلك حكاية قديمة قرأتها من بين الأساطير الألمانية العتيقة الكثيرة :

في قرية من قراهم ظهر يوما رجل طويل القامة منسرح القوام ، على رأسه قبعة مريشة ، وعلى جسمه قميص قصير ضم مائة رقعة بمائة لون . ومن فوق القميص وعلي اكتافه انخلعت عباءة سوداء لها ذيل مجرور . ومشي ، فخطا علي حارات القرية ، وهي من حجر ، بأقدامه العارية

فلما نظره القرويون أدركوا انه " جماع فئران " . ونذر له عمدة القرية انه لو جمع فئران القرية جميعها ،

فأهلكها ، فله كذا وكذا من الدنانير

وأخرج هذا الرجل الغريب صفارته من جيبه ، وأخذ يصفر ، فما ثبت ان خرجت الفئران من كل دار ، ومن كل جدار ، وتبعته على انغام الموسيقي وتكاثر جمع الفئران حوله كلما زاد بالقربة تجوالا ، وأخيرا سار بهذا الجمع الحاشد من الفئران إلي نهر الوزر ، وكان إلى جوار القرية ، وعنده خلع ملابسه ودخل إلي الماء ، ودخلت الفئران تتبعه . فغرقت جميعها

ورجع الرجل الصفار إلي العمدة يستنجز وعده ، فما كان من العمدة إلا أن أنكره . فذهب الرجل غاضبا

وبعد أسابيع ظهر هذا الرجل عينه مرة اخري في القرية ، ولكن على غير هيئته الأولى ، وأخرج من جيبه زمارة ، وأخذ يزمر  بها نغما غير نغمته الأولى ، فخرجت هذه المرة اطفال القرية جميعا في اذيال الموسيقي تتبعه كما تبعته الفئران ، وكان من بين هؤلاء ابن صغير لعمدة القرية ، وسار بهم الرجل لا إلى النهر ، ولكن إلي جبل بعيد ، ونزل بهم إلى حفرة فيه يشق منها على الصاعد الصعود . ثم اختفي وتركهم في حفرتهم يعمهون .

وتفقد أهل القرية أبناءهم فخرجوا . وعثروا أخيرا علي ولدين كانا قد تخلفا عن الجمع . وكان احدهم اعمى والأخر أبكم أصم أما الأعمى فسمع ولم ير . وأما الأصم الابكم فرأي ولكنه لم يسمع . ولم يكن ايهما قد بلغ مع الزمار الغاية ؛ ومن هذا وهذا استطاع القوم أن يعرفوا شيئا مما حدث . وبعد البحث اياما طلعوا في النهاية على الحفرة فوجدوا الأطفال الثلاثمائة جميعا قد هلكوا .

هذه أسطورة لاشك . أمام مغزاها الخلقي فظاهر ، وأما اللون الآخر الذي يظهر زاهيا من الوان معانيها ، فأثر الموسيقي ، اثرها في الحيوان والإنسان على السواء . وقد لا يعجب المرء لموسيقى تأخذ بأذن إنسان أو اذن حيوان . ولكنى ذكرت هذه الأسطورة عندما قرأت بالأمس الغابر

أن الأصوات الموسيقية من بعض لغات الحشر ، وانه بالكشف عن هذه الأصوات - عن هذه الموسيقى ، يستطيع الانسان ان يقود الحشر إلى التهلكة كما قاد صاحبنا الزمار فئران القرية وأطفالها

أما الخبر الطازج فمن نيويورك وهو يقول إن الدكتور فان بجامعة كدنل ، استطاع أن يتعرف النغمة التي تدعو بها إناث البعوض ذكوره لمطارحتهن الهوي والغرام . واستطاع ان يسجلها ، ثم ان يعيدها صوتا مسموعا ، كما تسجل أصوات الناس وتعاد في الحاكي وفي المذياع . وجمع عدة من ذكر البعوض في قفص كبير . وفي ركن من اركان القفص اطلق الصوت من سجله . فما سمعه الذكور حتى هووا إليه هويا. أو علي ما وصف الدكتور  حتى انقضوا إليه كما تنقض عشرات الطائرات بقنابلها على الهدف الواحد

وقدر الدكتور أنه بذلك قد يستطيع العلماء جمع ذكور البعوض بالنغم ، فاهلاكهم ، وباهلاكهم ينشل الحب وبانشلال الحب ينقطع الوجود .

قنبلة من ذرة

وخبر اخر ترويه مما روي الرواة في اعقاب هذه الحرب التي انتهت في أوروبا . ذلك صراع دام ما دامت الحرب بين الطرفين المتنازعين ، من حلفاء ، والمان ، على أيهما يصل إلى ما أسموه القنبلة الذرية اسبق من منازعه . ولو أن أحدهما وصل إلي كشف ذلك قبل منافسه لضمن النصر نصرا مبينا ، ورخيصا قصيرا في آن .

ولقد علمنا وعلم الناس ما كان لعلماء الالمان من عبقرية في اكتشاف اسباب التهلكة في هذه الحرب . ولكن هذا الذي قصدوا إليه هذه المرة ، وقصد الحلفاء ، لو أتيح لهؤلاء ، وأولئك لكانت النكبة بهذا الابتداع شرا من اي نكبة عرفها الناس في حرب من الحروب .

ولتفسير القنبلة الذرية ، التى عمدوا إلى إبداعها

نقول إن ذرة كل جسم مما نري من الأجسام تتألف من مجموعة من الكهارب ضم بعضها إلي بعض ، فتماسك ، قوة عظيمة ، لو انها تفككت ، وانفصمت عراها ، لانبعثت من محبسها القليل الصغير في الذرة هائلة مفزعة وانفجرت باكثر مما تنفجر به عظيمات المفرقعات .

وقد وجدوا من سائل تفكيك تلك القوي ، وقصم تلك العمري ، من ذرات عنصر اليورانيوم ، أن يسلطوا عليها قوة الماء تحت ضغط كبير . ولكن الماء الذي يسلطونه ليس الماء العادي الخفيف ، ولكن ما تضمنه من نسبة قليلة من ماء كثيف . ولن نقف لتفسير ما بين الماءين من اختلاف . وبحسبنا أن نقول إن تحضير الماء الثقيل بمقادير وافرة ليس من الأعمال السهلة الميسورة . لكن أهل نرويج ، بمدينة رجوكان Rjukan نجحوا في إقامة معمل لهم يقوم بتحضير هذا الماء بكميات ذات بال .

ونزل الألمان في حربهم تلك المنصرمة بلاد النرويج ، فاتجه علماؤهم أول ما اتجهوا إلى تلك البلدة يسألون علماءها ما عندهم مما ابتغوا . وكان على رأسهم الأستاذ النرويجي ترونشتاد Lef tronstad فما أحس بمجيئهم حتى احرق اوراقه ، إلا بقية تستر عليه سوء القصد . ولم يكن في هذه البقية جديد ذو خطر . واستجوبوه واستجوبوا اعوانه فما خرجوا منهم بطائل .

وأقام الألمان بالمصنع يستتمون أبحاثهم في سبيل  إبداع تلك القنبلة الصغيرة المبنى ، الهائلة المعنى .

وهرب الأستاذ ترونشتاد وأعوانه إلي انجلترا ، وأخبروهم الخبر ، وفي انجلترا بدأوا بحوثهم من جديد . فكان بحث هؤلاء في انجلترا ، وكان بحث الألمان في النرويج . وكانت الغلبة في الحرب لابد كائنة للسابق منهما .

إلا ان قلق الانجليز أنهضهم إلى عمل حربي غير البحوث . فمن يدري ؟ .

وفي ذات ليلة من ديسمبر خرجت طائرتان ، تجر كل واحدة وراءها طائرة منزلقة . وفي إحدي المنزلقتين كان عتاد الهدم ،

وفي المنزلقة الأخرى كان خمسة وعشرون إخصائيا في فن التخريب . وكان بينهم بعض النرويجيين . وشاء الحظ السيء أن يبلغوا البلدة التى قصدوا في زوبعة ثلجية هوجاء لم ير الناس مثلها أبدا . فتحطمت الطائرة الأولى وتحطم ماسحبت وراءها من عدة . وأطلق طيار الطائرة الثانية منزلقته للريح فهبطت بالذي فيها من رجال على أرض لا يعرفونها . وانكشف أمر هؤلاء بعد ضلال أيام ثلاثة ، وهرب منهم في مخابيء الجبال النرويجية من هرب ، وجاءتهم إشارة من اسكتلندة باللاسلكي ، أن يصمدوا ، فالعود أحمد ، وهو غير بعيد .

وكان لابد من عودة لشئ له كل هذا الخطر .

وفي منتصف فبراير ابرق الأثير إليهم بأن يرقبوا السماء . ونزل من السماء في الموعد المضروب ستة رجال معهم كل عتاد لازم . وأجمع الرجال جميعا امرهم ، ورسموا الخطة ، لأن العمل كان مخفورا خفرا شديدا . وفي الساعة المعلومة بالليل ، اشرف بعضهم على الخفر ببنادقهم الرشاشة ودخل الآخرون المعمل ، وبعضهم من كان عاش فيه . ولقيهم في داخل المعمل عامل نرويجى . فما رآهم حتى أخرج منديلا يمسح ما تصبب على جبينه من عرق . وكان لهم من هذا العامل عون ، ولم يمض عشرون دقيقة حتي لم يبق للألمان معمل ، ولا ماء ثقيل ، ولا خفيف ، ولا يورانيوم ، ولا راديوم . تمزق كل شئ في السماء فلم يبق لشئ قيام . ولكن هل انقضى بذلك هذا الحلم المزعج للانسانية بالطبع لا . ومن أجل هذا قيل إن الحرب القادمة حرب لن تكون للافناء ، ولكن للتفاني . ولعل من تلك

المعاني معنى القيامة التي يصفون

اشترك في نشرتنا البريدية