الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 336 الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

دمشق

لا أريد أن أصف ما حدث في دمشق الدامية ، وفي غير دمشق ، من احداث ، فهذا شئ عرف الناس تفاصيله . ولكني اريد ان اعلق تعليقا سريعا هادئا على بعض عناصر الموقف .

فأول شئ يقع في خاطري ان اعتداء الفرنسيين هذا ليس الاول من نوعه . فقد وقع مثيله بعد الحرب الماضية كان فيه مافي مثل هذا من غدر وقسوة وسوء تدبير . ودلالة هذا ان العقلية الفرنسية هي هي ، ما زالت تحركها ليوم نفس العوامل التي حركتها بالأمس . وأشد هذه العوامل تأصلا امتهان العرب . فقد شاء القدر المر ان يقع العرب في ربقة الفرنسيين في شمال افريقيا أجيالا طوالا مرنوا فيها على تذليل العاصي ، وقصم الشرف العاتي

ومع بغضهم للعرب ، لا يفتأون يجندونهم في السلم والحرب على السواء . وفي السلم نجد دائما فرسان مراكش في عمائمهم ، وفي اثوابهم البيضاء الضافية ، وهم يعرضون هذه الأفراس ، بالذين عليها من ناس ، وهم يعرضونها ويعرضونهم ، ليثبتوا للعالم انهم امبراطورية ، يأتون من ادناها وأقصاها بالسود والبيض ، وبالعبيد .

وهي مع كل هذا أمة الحرية والمساواة والإخاء . وقد أوغل الفرنسيون بثقافتهم في الشرق الأوسط أى إيغال . وحرصوا على ان يرسلوا إليه خير الرجال ، يعلمونهم ادب هوجو وموسيه ، فيتجرون به على كثير من عقول الشباب والكهول ، وهي ساذجة بريئة ، بماض كريم لا يتفق مع حاضر غير كريم . ويدرسون لهم تلك الحقبة

الناصعة من تاريخ فرنسا ، تاريخ الثورة الفرنسية ، التي كانت بمثابة الفجر الذي طلع على أوربا بأكثر من معنى شريف من معاني الانسانية ، يدرسونهم إياها ليستغلوا عقول هؤلاء البلهاء وأقلامهم في مناصرة حال لهم اليوم لا يتفق مع ماضيهم ذلك البعيد ، إلا بمقدار ما يتفق الليل والنهار

فهذا هو السبب الاول في تلك النقمة التي صبتها باريس على رأس دمشق ، ورءوس ما حولها من مدن وبقاع : كراهة للعرب أصيلة .

ثم إني أتصور فرنسا الضعيفة الكسيحة ، تقوم على احد عكازيها لتضرب بالعكاز الآخر . وتلوح بالعكاز كأنه سيف ذي يزن . فببضع دبابات لا يدري أحد اين صنعتها ، ولا من اين اقترضتها ، وببضع طائرات لايدري أحد لمن كانت ، تغير على أمة تشاركها الضعف ولكن بحظ أوفر ، وتقاسمها الذلة إلا ذلة النفس ، فتريد أن تظهر عليها بالجبروت الكاذب في وقت قال الناس فيه بغير الجيروت وسيلة . وتقوم بهذا الذي تقوم به على الرغم من نصيحة أمة اعتي .

أتصور فرنسا هكذا ، فتظهر في خاطري صورة من ذلك الشخص الذي كان يدور قديما في بعض حارات القاهرة بتلك العصي الغليظة التى يسمونها بالنبوت ، ويسمونه بالفتوة ، فيطيح في الناس العزل ، فيصمي ويدمي لا لشئ سوى احداث الشغب . حي إذا حضر البوليس فر . فهذا هو الذي فعلته وتفعله فرنسا الآن تماما . فقد اقدمت ، وهي لابد محجمة بعد ان كشر البوليس عن نابه

وهذا التشبيه أكمل مما كنت أحسب ، ) فالفتوة ( قوته في عضله وليست في راسه . وإن لم يكن هذا حال فرنسا ، فكيف نفسر إذا ذلك العمل الطائش الذي كسبت به سخط الشرق وسخط الدنيا معه ، وهي تعلم انها لا تستطيع

أن تغالب الشرق في ضعفه إلي الأبد ، وان تغالب الدنيا في قوتها وهي تعلم كذلك ان الذريعة القديمة التى كانت تتذرع بها لتأجيج عواطف الغرب ضد الشرق بما تزعمه من حماية الأقلية المسيحية قد أبلتها الآيام ، وعصفت بها التجارب ، وأطارها رجوع أهل الأديان إلي اصول الآديان يستقون منها المحبة والود لبنى الانسان .

لو كانت لفرنسا في رأسها تلك القوة التى خالتها حتى في ذراعها وهي قصيرة ، لما تطوعت إلي جانب قتل الدمشقيين وهدم دورهم واحتلال برلمانهم ، لما تطوعت بامتهان الانجليز ، حتي بلغ من ذلك ان يقفوا سيارة امرأة ، هي زوجة عميدهم بتلك العاصمة المرزوءة ، ليصفروا لها ، ثم يوجهوا الرصاص إلى دار هذا العميد فينال الزجاج من تلك السيدة عينها .

لم يكن بد بعد ذلك من رد السفه . فكان في صبيحة الجمعية ما كان : طلب الانجليز إلى الفرنسيين ان يلزموا ثكناتهم . ثم بعد استكمال الأمن واستقراره ، يأتون لمفاوضة - لا ثنائية ، ولكن ثلاثية ، بعد الذي جري . واين تكون المفاوضة هذه المرة ؟ لا في باريس ، ام الدنيا ، ولكن في لندن ، تلك التى صفر الصافرون الصبية الأغرار لمعتمدها

ألا ما أقبح الصغير المتعالي ، بغير الحق . والا ما أخوي القليل المتضخم ، وليس في اثوابه غير ما يتفقع فيها من أهوية تخرج عن فساد ما تضمنته من نزعات بهيمية لاتنم إلي الطهارة الإنسانية بشئ .

إن فرنسا خاصمت الأمم المتحدة في أمرين : السار والجزء الغربي من نهر الرين ، ثم السيادة على دولتي سوريا ولبنان . وتعلم فرنسا أن علاقة ما بين الدول في هذه الأيام ليست على أحسن ما يرام . فوجدت الفرصة مؤاتية في مهاجمة الأمم ، واستباق مائدة

السلام . وكان عليها أن تختار أحد الميدانين ، لتجرب قوتها ، وكان احدهما شرقيا والأخر غربيا ، فاختارت ماحسبته أسهل الميدانين ، وأبعدهما من ملتقي الأنظار . وهي مخيبة في هذا ، لا شك أبدا ، وهي بهذه الخيبة قد ورطت حظوظها في ذلك الميدان الآخر ، بل لقد ورطت حظوظها في سائر العالم عندما تدرس بحاره الواسعة وأراضيه الشاسعة .

واختارت لتجربة قوتها أبعد الأوقات عن التوفيق فقد اختارته والأمم مجتمعة في امريكا ترسم السبيل إلي سلام دائم بين الامم جميعا لا يكون فيه اعتداء ، وهي باختيارها هذا الوقت قد تحدت تلك الامم جميعها بتعريضهم جميعا للسخرية العارية التى تقول للناس خذوني ، وهي اعتدت على امتين ، بل على أم العرب جميعها ، في الوقت الذي فيه مندوبو تلك الأمم ، بسان فرنسكو ، في سوق كسوق عكاظ ، جمعت رءوس الامم والنابهين فيهم ، ونسيت ان الأمم إذا قرصت ، صرخت ، وفي هذه الحالة تصرخ فيسمع دويها في الآفاق .

فتلك سياسة قوم في السياسة بادئين ، إنها سياسة عسكريين

ومن السياسة الفجة أنهم أشعلوها عندما انفرط الحكم الائتلافي فى إنجلترا ، وحسبوا ان بانفراطه ستعجز الحكومة الإنجليزية القائمة من الحسم ، خوفا منها أن يكون فيه المخاطرة بحظها عند الناخبين . فكان رد انجلترا على هذا هو ما توقعه الخبيرون : أدلى رئيس الوزراء برسالته إلى ديجول في مجلس النواب ، فقام رئيس المعارضة توا يعززها ويقويها ، وهو خصيمه عند الأمة من بعد أسابيع . وتلت الحكومة نفس الرسالة في مجلس اللوردات فقامت المعارضة لتوها تزكيها . إن الانجليز يعرفون كيف ينقسمون في الداخل ، ولكنهم لا ينقسمون في

الخارج ، لاسيما في الأزمات ، أبدا ، فكيف فات الفرنسيين ، حتى العسكريين ، ذلك ؟ !

وكلمة أخيرة لا بد منها في هذا الظرف إلى أصدقائنا الإنجليز

إن أسهم الانجليز لم ترتفع في الشرق كما ارتفعت في هذه الأيام فهو في لبنان وسوريا قد ناصرت الحق . ونرجو ان تتم نصرتها له على الذي يفهمه الشرقيون من المناصرة ، اعني المناصرة التامة الصريحة التى لا تردد فيها ولا ميوعة ، والبى لا يقال فيها حقوق ثقافية وحقوق دفاعية ، أعني تلك المناصرة التي لا يكون فيها الحق مشروطا بتلك الشرائط التي تجعل منه باطلا . وهي لذلك كانت أول الملبين إلى الرغبة في الخروج بعسكرها عن إيران لما طلبت إيران من الدول المتحالفة ذلك في امس هذا الذاهب . وهي بموقفها

في فلسطين ظهرت بمظهر الذي لا يود للعرب بها إفناء . فرجاؤنا إليها ، إلى القائمين بإدارة السياسة في الشرق الأوسط منهم ، أن يتبعوا هذه السياسة الحصيفة الكريمة في سائر أممه ، فيبادروا إلى تقليص آخر ظل لهم من حماية ووصاية وحضانة عن أمم الشرق جميعها ، ليكون لهم من امم الشرق جميعها من بعد ذلك كله عضد قوي ، في السلم والحرب ، يستمد قوته من محبة القلوب أكثر مما يستمدها في مداد الأوراق . إن أهل الشرق أهل عواطف ، يؤسرون بالعمل الطيب ، ويجازون بالحسنة على فقرهم حسنات . وهم لا يعمون من الحقائق من فقر وضعف ، ولكن الحرية في أصلابهم ودمائهم ، وفي آدابهم . فهم إلى الحرية أعطش . وهم من بعد هذا يحمدون اليد الإنسانية التي تبدلهم على الحرية من فقر غني ، ومن ضعف قوة .

اشترك في نشرتنا البريدية