الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 337الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

لغة السياسة :

يظهر أن لغة السياسة ، كسائر اللغات ، وكاللغة العربية خاصة ، جامدة الاسلوب ، بطيئة التحول . ومن أجل هذا نسمع فى لغات الساسة هذه الأيام ، بعد مضى ٤٥ فى المائة من القرن العشرين حتى كاد هذا القرن أن ينتصف ، وبعد الحرب العالمية الثانية التى أقنعت الأمم بأن الحروب الحديثة صائرة إلى التدمير الكامل الشامل لكل مظهر من مظاهر المدنية ، وكل نتاج من انتجة الفكر الذى به تميز الإنسان وبه إلى غايته المجيدة المنشودة يسير ، من بعد هذا وهذا لا نزال نسمع فى لغات السياسة أساليب تقع فى الأذن الحديثة موقع أساليب الحاهلية الأولى قدما وعتاقة ، أو موقع أساليب القرون الوسطى التى أسموها قرون الظلام ، قلة منطق وإمعانا فى تحدى الأفهام .

والأمثلة فى ذلك كثيرة ولكن بحسي أن أقتبس مثلا واحدا من هذه الأساليب ، وأختار له تلك الحملة إلى أدار الانجليز عليها حججهم فى تبرير ذلك الصنيع الجميل الذى اصطنعوه فى سوريا ولبنان لما دخلوا كلا البلدين بدباباتهم وسفنهم فحموها من غضب تلك الفئة الضالة من أخانف باريس . قالوا إنهم دخلوهما : ليحموا خط مواصلاتهم مع الشرق الأقصى إنجيازا  لحرب اليابان .

فهذه جملة لا شك تعاقد القوم عليها قبل إطلاقها . أو لعل بها إمامهم أولا ، ثم رددها المؤتمون من ورائه ، فهى جملة قالها رئيس وزرائهم ، ثم وزير خارجيتهم ، ثم حامل لواء المعارضة فى برلمانهم . ثم قالتها أمريكا . ثم قالتها الدنيا .

وأنت إذا فتشت هذه الجملة بفكر الطالب الصغير البرىء ، الذى يتعلم جمع الأعداد وطرحها ، لم تجد بها منطق هذه الأعداد . ولكن الساسة واجدون فيها المنطق

كله ، منطق الساسة لا منطق الناس . إن الساسة يضعون السياسة أولا ، ثم هم من بعد ذلك يبحثون عن منطقها . فهكذا فعلوا . وهكذا يفعلون إلى أن تتبدل الحال .

إني لا أقول إن هذه الجملة تخلو من حجة . فالانجليز حقا فى حرب مع اليابان . ومواصلاتهم تخترق الشرق الأوسط حقا ، فهي فى حاجة إلى التأمين .

ولكن مفهوم هذا أيضاأنه إن لم تكن هذه الحرب اليابانية ، ما كانت مجدة ، ولترك الفرنسيون وشأنهم يقتلون ويهدمون .

ومفهوم هذا أيضا أنه إذا فرغت الحرب اليابانية غدا فالفرنسيين  جبال لبنان وبقاع الشام يسودون فيها ويسودون .

ومفهوم هذا ايضا أن سفك الدماء البريئة وتخريب البيوت الآمنة ليس من شأن أمة ثالثة ما دام اأه لا يمس صوالحها من قريب . ألم يقل الفرنسيون عندما سمعوا بتدخل مولانا الفاروق فى الأمر : وما شأن مصر فى هذا الأمر ! ؟

ومفهوم هذا أيضا أن الأمم العظمى لم يدخل فى قاموس لغتها إلى اليوم أنها تتدخل للإبقاء على الدماء أن تسيل ، لأنها دماء إنسانية عزيزة ، وكفى ، وللابقاء على الدور أن تهدم لأنها مشاتل الحياة الإنسانية وملجأ الأطفال وحصن المجائز ، وحسب .

أنا لا أحسب أن انجلترا فعلت ما فعلت من جميل لهذه الغاية الوحيدة التى أعلتها : " حماية المواصلات " ، ولكنها تستطع أن تنطق بعلة غير هذه العلة ، لأنها العلة الوحيدة التى تفهمها فرنسا ويفهمها ساسة الدنيا إلى هذا اليوم .

إن القطة الفرنسية أمسكت فأرا . فما للأنجليز أن يتدخلوا بينها وبين فأرها . منطق فى الطبيعة معقول . ولكن من العقول أيضا أن الكلب يجرى وراء القط ، محفوزا بالقط لا الذى أمسك . فإذا جرى الكلب ألقى القبط بالذى أمسك . فليس لدى فرنسا ما تشكوه . إنه قانون الغابة الذى اسثنته بتمامه .

وقالوا ستغير جامعة الأمم المرتجاة كل هذا - ستستبدل

قانون الغابة بقانون المدينة ، قانون الإنسان . فان حدث هذا ، فعندئذ فقط تتغير لغة الساسة ، ويتغير منطقهم ، وتسعى الأشياء بأسمائها ، فيفهم معانيها دارس الأرقام ودارس السياسة على السواء .

فى تعدد الزوجات سعادة :

يتحدثون فى هذه الأيام عن الضرر الناجم من إطلاق الطلاق فى مصر ، ومن تعدد الزوجات للزوج الواحد . ويرى المصلحون ضرورة الحد من هنا وهذا ، ويرى الآخرون أن تبقى الحال على ما هى عليه لأنها خير حال .

أما الطلاق فأمره حير الأمم ، وسير القوانين ، وحير العقول . وفى جميع الأديان منه حيرة كذلك ، فليس تحريمه بالخير كله . وليس إطلاقه بالخير أبدا . ونقل أمره إلى قيعان المحاكم فيه اعتراف بأنه نزاع ككل النزاعات ، له أكثر من طرف . فالزوج طرف والزوجة طرف ، ثم الأولاد وهم أطراف أخرى . وكل هؤلاء لهم صوالح . والنزاع لابد له من حكم . ولا يصح الجمع بين الحكومة والخصومة أبدا ، إذا لكان الأمر استبدادا .

على أنى لا اقصد إلى العرض للطلاق ، ولكن قصدى أنأأعرض لتعدد الزوجات بمناسبة ما اطلعت عليه من صور حديثة لأسر نسلت جميعها من أزواج آمنوا جميعا بتعديد الزوجات .

وليست هذه الأسر بأسر شرقية ، ولكنها أسر غريبة ، وليست أسرا تعتنق الإسلام ، مجيز التعديد ، ولكنها تعتنق النصرانية ، محتمة التوحيد ، فى الزوجة .

وهى صور جميلة وايم الله . تضمنت أولاها وكبراها خمسة عشر رجلا زوجا ، وخمسا وخمسين امراة زوجة ، وثلاثة وثمانين ومائتين من أطفالهم . اجتمعوا جميعا فى بقعة جميلة رائعة ، يظللها الشجر الباسق ، ويكسو أرضها العشب السوى الناعم .

ونظرت إلى أجسامهم ، جسما جسما ، فوجدت فيها

القوة . ونظرت فى وجوههم ، وجها وجها ، فوجدت فيها البشر باديا والمرح فياضا . ونظرت فى أثوابهم ، فوجدت الثروة والاناقة .

" إنى أقدم هذه الصورة هدية لمن يقول بالتوحيد ، وأقدمها لنفسى أولا .

وليس تعديد هؤلاء  لزوجاتهم خروجا على النصرانية . فهم يرون أن الأصل فى النصرانية التعديد ، وأن الذى حدث من بعد ذلك بدعة .    وقرأوا فى الكتاب المقدس قول الله لإسرائيل :

" أنا الله القوى . كن مثمرا وتعدد .  فسيخرج من صلبك أمة وأمم ، وسيخرج الملوك " . قراوا هذا فاطاعوه بالاثمار والتعديد .

وصحبت هذه الصورة الكبيرة الأولى صور أخرى لأسرة من هذه الأسر . فصورة تريك رب الأسرة على رأس المائدة الطويلة ، وحوله زوجاته الثلاث ، وأولاده الواحد والعشرون وكلهم مطرقون يصلون ، ويحمدون الله على ما آتاهم . وصورة أخرى تريك المطبخ الأبيض البهيج وفيه الزوجات الثلاث تتعاون على غسل الآنية التى تختلف عن المائدة ، فواحدة تغسل والأخريان تجففان . ثم صورة ثالثة تريك الأطفال فى الحمام الواحد ، يأخذون دورهم فى الاستحمام لما آذن الغروب ، والنسوة قو امات عليهم وعليهن يصبنون ويدعكون . ثم الصورة الرابعة وبها الاطفال اصطفوا صفا واحدا عند أبيهم ، يقبلهم قبلة المساء ، قبلة النوم ، واحدا من بعد واحدة    ثم الخامسة ، وهي تريك الفراغ الكامل بدخول الليل . تريك غرفة الجلوس ، وفيها الزوج وزوجانه ، ما بين قارئ أو عازف ، أو مسترخ استرخاء !

ثم الصورة الأخيرة ؛ وفيها الزوج أمام قاضى مدينة سلتلبك Salt Lake City ، بالولايات المتحدة ، وقد حكم عليه بالسجن أربع سنوات ، لتعديده زوجانه ، وهو يحتج بقوله : لن يغير القضاء مشيئة الله فى عباده .

ولا يفوتنى أن أقول إن حظ هؤلاء الناس من الإيمان عظيم .

وأريت زوجتى تلك الصور . وقلت لها مداعبا : يظهر أنهم سعداء فقالت : نعم ، ولكن يظهر أيضا أنهم كانوا فى حاجة شديدة إلى الدين ، فتلك حال لايقوى عليها إلا الأشداء المؤمنون .

لا ياسيدى :

كتبت فى العدد الأسبق من الثقافة أقول " إن انجلتر تجرب نفس التجربة التى تجربها روسيا . غير أن روسيا بدأت من اليسار واتجهت يمينا ، وانجلترا وأمريكا بدأتا من اليمين وتسيران يسارا . وهما جميعا ملتقون ما بقيت حرية الرأى قائمة عند نظام وسط فيه حرية الفرد بمقدار ، وسيطرة المجموع بمقدار "

كتبت هذا . فكتب إلى كاتب فاضل ينكر هذا ، ويقول إن سير انجلترا إلى اليسار انما كان بسبب الحرب ، وتحت ضغط الحرب ، وفى ظل حكومة ائتلافية فيها العمال أقوباء ، وإن الاشترا كية فى كل حكومة محافظة - وهى الحكومة الغالبة فى العصور الذاهبة الحديثة - لم تترعرع فى انجلترا قط .

وأنا اقول بدوري : لا سيدى . وليست المحافظة فى انجلترا بالتى نفهمها . فالمتتبع لسير الحوادث فيما بعد الحرب العالمية الأولى الماضية ، يدرك حتها أن مبادىء ، اليسار انتشرت فى انجلترا أكبر انتشار فى تلك العصور الحديثة المحافظة التى تحكى . ولقد تذكر ، إن كنت حضرت ذلك العصر ، أنه كان المحافظين رئيس وزراء حار الناس فى امره أ كانت دوافع اليمين هى التى تحركله ام دوافع اليسار . حتى أسموه المحافظ الاشتراكى . ذلك هو المستر يلدوين فالمحافظة فى انجلترا ليس لها اليوم ذلك المعنى القديم الذى ينعتونه بالرجعية . وليس لها ذلك المعنى القديم من الأنانية العمياء . إنها محافظة خيرة ، أخذت تدرك حقوق الفقر وواجبات الغنى ، ونكبر حق الفرد بأن بتسنم الذرى بمجهوده ،

ونقلل من حق الفرد فيما يرث من متاع ، أو حى فيما يكسب من عرق جبينه إذا فات هذا المألوف مما تكسبه جهود الأفراد .

انظر مقدار الضريبة عن دخل الفرد عندهم فى هذه الحرب لم يعفوا منها أحدا . فالذى دخله فى العام ٢٥٠ جنيها يدفع للحكومة ضريبة قدرها سبعة جنيهات فى العام . والذى دخله خمسمائة يدفع ضريبة قدرها ٧٣ جنيها ، والذى دخله ١٠٠٠ جنيه يدفع منها ٢٨٠ جنيها . والذى دخله ألفان يدفع ٧٧٤ جنيها والذى دخله ما بين الألفين إلى العشرة آلاف بدفع نحو نصف دخله ضريبة . والذى دخله ما بين العشرة آلاف والعشرين الفا يدفع نحو ثلاثة أرباع دخله ضريبة . أما إذا زاد الدخل عن عشرين ألفا فلا يبقى له منه غير ١٥ % من هذا الدخل .

وستقول يا سيدى إنها الحرب . وإن هذا أثر العمال فى الحكومة الائتلافية .

فانظر ما كان من ضريبة قبل الحرب ، والحكومة محافظة قحة :

الدخل ٢٥٠ جنيها ٥٠٠ ١٠٠٠ ٢٠٠٠٠ ١٠٠٠٠ ٢٠٠٠٠ أكثر

الضريبة     ٥ جنيهات ٥ ر ١٤           ١١١            ٣٤٠        ٢٨٩٠        ٨٧٤٠          ٥٧%

والذى يهمنى من هذا ليس مقدار الضريبة ، ولكن تدرجها من ضريبة خفيفة ، وصاحب الضريبة فقير ، ينتمى لفقره إلى أحزاب اليسار ، إلى ضريبة ثقيلة ، وصاحب الضريبة غنى ، ينتمى لغناء إلى أحزاب اليمين . وأصحاب اليمين هم حزب المحافظين صناع هذه الضريبة .

اشترك في نشرتنا البريدية