صبر
الجاويش فريدرك بون ، جاويش بوليس في حي الصحافة في لندن . عرف الصحفيون وجهه خمسة وعشرين عاما . يمر عليه المحررون صباحا فيصيحون به :
- عم صباحا ياعم فريد . - عم صباحا يا سيدي وتقاعد الرجل قبل الحرب الحاضرة بخمس سنوات . فلما اشتعلت نيرانها استجاب داعي الوطن والتحق بقوة البوليس اللندني ، وعاد إلي مضربه الجديد من شارع فليت شارع الصحافة ، فرأي من وجوه أهله ما اعتاد ان يراه ، ورأوا من وجهه وجها افتقدوه زمانا .
ولكن في هذه المرة صاحبه سوء الحظ ، فقد اصابت القنابل بيته أربع مرات ، وبأنه الزميل وهو في دورته من الشارع يخبر ما اصاب بيته ، فيطلب إلى زميله ان يأخذ مكانه ساعة ، ويذهب إلى منزله ، فيتناول المكنسة ويكنس ما يسد مداوس الأقدام من التراب والأنقاض . ويعود توا إلي عمله بشير شارع فليت طولا وعرضا . حتى إذا دخل الليل ذهب إلى منزله فقضى الساعات يصلح ما افسدته القنابل ، ويحمد الله ان لم تكن من تلك التي ترفع سافل البيت وتخفض عاليه في ثانية .
وفي رابع مرة أتاه الخبر بإصابة بيته . فابتسم ونظر لزميله وقال : " وهو كذلك . لن أغيب طويلا . وسأكتب إلى هتلر هذه المرة خطابا أسأله فيه أن يغير حجم قنابله . فإنا اكره الروتين . وبيتي لن يصبر على طعام واحد " .
وهو إلى الآن ينتظر القنبلة التي تذهب بالبقية القليلة الباقية من بيته دفعة واحدة ، ولكنها لا تجيء .
ثلاثة نوام :
هي ثلاثة أسماء خرجت بهما أخبار الحرب من بطون الكتب التاريخية إلي كل فكر مثقف ذاكر . تلك هي : مدينة بيزا ؛ ثم برجها المائل الشهير ؛ ثم العلامة الرياضي الأشهر جاليليو ، وهو الذي زاد هذا البرج ذكرا سيبقى على الأيام ما بقي العلم والعلماء
بيزا المدينة :
مدينة على نهر الارنو بشمال إيطاليا ، وهي في الغرب من فلورنسا ، وفي الجنوب الشرقي من جنوا . وقد ذكرنا هذين البلدين بالذات للخصومة القديمة ، خصومة القرون الوسطى ، التى كانت بينهما وبين بيزا ، حين كان الحكم إقطاعيا ، حكم الدوقات والأشراف .
وبيزا اليوم ليست بالبلد الكبير ، فسكانها لا يتجاوزون ١٠٠٠٠٠نسمة . وكل ما يعرف عنها الناس اليوم ان المسافر من روما إلى جنوا يغير عندها القطار طلبا لمدينة فلورنسا ، وان السائحين يتوقفون عندها لرؤية آثارها . فهي قطعة من الماضي ، ولكنه الماضي العتيق الجميل .
وآثارها أربعة : حائطها وطولها في ٦ من الاميال ، وكتدرائيتها ، ومغطس التعميد فيها ، ثم برجها المائل . وكلها مأثر للدارس الفنان ، وهي في تاريخ الفن اولى ماثره التي قامت في إيطاليا في القرون الوسطى ، اي هي الطليعة في الفنون الإيطالية ، ومن بعدها تابع فن المعمار الإيطالي إلى الإحسان النادر طريقه المعروف . ومأثرة خامسة لهذا البلد يحبها كل عالم ، وكل طالب علم ، انها مولد جاليليو .
ودارس تاريخ الشرق لا ينسى بيزا . فمن بيزا ، وهي جزء من دوقية تسكاني ، خرجت الجيوش في القرن الميلادي الحادي عشر تدفع جيش العرب الذي أراد أن يغزو القارة الأوروبية من جزيرة سردنيا وجزيرة صقلية وكان على رأس الجيش العربي قائد يسميه الإيطاليون
) موجيتو " ويسميه العرب مجاهدا ، ومن بيزا ، عام ١٠٩٩ ميلادية ، خرجت الجيوش تحارب الشرق علي ارض فلسطين ، في الحروب الصليبية الثانية . ومن هذه الحروب افادت بيزا ، لاتصالها بالشرق ، كثيرا من علم وتجارة وثروة ، جعلها تتابع حملاتها على الشرق في القرن الثاني عشر ، فتهاجم العرب بأسطول ذي قوة عند الأندلس ، في جزر البليار .
والقرن الثاني عشر هو القرن الذي بلغت فيه يبزا اوج مجدها الفني ، فمآثر الفن فيها تمت في هذا القرن ، وبأيدي رجالها
البرج المائل :
وهو مستدير الشكل طويل ، كما وضعت أسطوانة فوق اختها . ويبلغ طوله نحو ٥٥ مترا ، أي نحوا من ١٤ دورا من ادوار المنازل الحديثة . اما ادواره هو الذي تقسم إليها فثمانية ، يحيط كل دور منها أعمدة ثلاثون تحمل أقواسا ثلاثين ، إلا الدور الأرضي فأعمدته ١٥ ؛ وإلا الدور العلوي الذي تسكنه الآجراس فيحمل ١٢ عمودا
والبرج كله من الرخام الأبيض . وشهرة البرج في اثنتين : انه مائل ، وما تقام الابنية مائلة ، وما هي تقام لتميل ؛ وانه في هذا البرج ، وفي ادواره على اختلاف علوها ، قام جاليليو بأبحاثه الشهيرة عن جاذبية الأرض .
أما عن ميل البرج فلا يعرف التاريخ عن سببه شيئا وثيقا . ولكنه إذا تحقق ان بانيه لم يكن رجلا مخبولا ، فلا يبقى إلا الزعم بأن الأرض من تحته مالت في ناحية فمال معها . ويزيد هذا الزعم صوابا ان اساس هذا البرج الطويل لا يغور في الأرض اكثر من ثلاثة امتار وبعض المتر ، وان ميله هذا يزيد على القرون . فراس البرج كان قد انزاح في الاتجاه الأفقي عن محوره الراسي ١٥ قدما في عام ١٨٢٩ . ولما قيس انزياحه عام ١٩١٠ كان ١٦ قدما ، أي أنه زاد قدما أفقيا في نحو قرن
أما عن الجاذبية وأبحاثها فقد أسقط جاليليو من فوق البرج اتقالا من اجسام مختلفة ، اثبت بها ان هذه الأجسام الساقطة ، صغيرة كانت أو كبيرة ، خفيفة كانت او ثقيلة ، تصل إلى الأرض من علو واحد في زمن واحد . وتابع بعد ذلك ابحاثا اثبت فيها علاقة ما بين سرعة السقوط وزمنه ومسافته ، كانت هي اساس علم الحركة ، والمبشر بقوانينها التى نطق بها نيوتن من بعد ذلك
جاليليو
هو أول الفزيائيين ، أي علماء الفيزيقي ، أو ما نسميه بالطبيعة . أولهم في العصر الحديث .
ولد بمدينة بيزا عام ١٥٦٤ ، ومات عام ١٦٤٢ ، أي أنه عاش ٧٨ عاما . دخل جامعة بيزا في سن السابعة عشرة ، وفي سن الخامسة والعشرين عين استاذا للرياضة فيها . وأعلن كفره بتعاليم أرسطو ، وكانت إنجيل القوم في العلم والفلسفة عند ذاك ، فتحرج مركزه في بيزا ، فغادرها إلى جامعة بدوا أستاذا للرياضة فيها عام ١٥٩٢ . ولكن عادت جامعة بيزا فاستدعته إليها عام ١٦١٠ .
وقد بحث في الحركة وقوانينها ، وفي البندول وذبذبته . ولفت نظره إلي بحوث البندول ما لاحظه بكتدرائية بيزا وهو في سن التاسعة عشرة من ذبذبة قناديلها . فقد وقع عندئذ في نفسه ان البناديل ذات الاطوال الواحدة تقطع الذبذبة الواحدة في زمن واحد مهما كان ثقل البندول .
وبحث في السماء وأجرامها وفي دوران الأرض . وفي هذا اصطدم بالكنيسة وبعد المحاكمة ، والحكم بكفره ، اضطرته محكمة التفتيش ، وهو الشيخ العاجز ، إلى أن يركع ويقول علنا ببطلان عقيدته في أجرام السماء ودوران الأرض . فركع وأعلن بطلان كل ذلك . وعندما وقف ضرب الأرض بقدمه وتمتم من بين أضراسه : ولكنها برغم ذلك تدور
وزجوا به في السجن ولكن لم يلبث فيه أياما حتي استبدل سجنه بالنفي . ثم عاد إلي بيته وقضي ايامه الأخيرة
في بحوث علم الميكانيكا والقذائف . ثم جاءه الصمم ، وجاءه العمى ، وجاءه اضطراب السلام في بيته ، ومسه الضر شديدا قبل أن يفارق هذه الدنيا .
من نصف قرن
" شلل الأطفال ، اسم لمرض يعتري نخاع الظهر فيترك الجسم مشلولا ثلثه أو ثلثاه أو أكثر من ذلك او اقل ، تبعا لدرجة ذهاب المرض علوا في النخاع . وهو يصيب الأطفال والرجال ، وإنما غلب على الأطفال فسمى باسمهم .
فمن نصف قرن بينا الطفلة الصغيرة فلورنس ، وعمرها اثنتا عشرة سنة ، تسير في الصباح إلى مدرستها ، احست رجليها تثقل ، ثم عجزتا عن السير فقعدت . فحملت إلي المستشفى . واليوم ، في نفس المستشفى ، قد احتفلت واحتفلوا بعيد ميلادها الثاني والستين .
وهي لا تستطيع ان تحرك من يديها غير يدها اليسري . وبهذه اليد برعت في فن التطريز ، تطرز على الا كثر أغطية الموائد ، تعمل فيها بيدها الصالحة ، وتسند القماش على سائر جسمها وفي بطء طويل وجلد كثير تبلغ غايتها .
ومنذ شبت الحرب أخذت تجد في عملها وتبيع من صناعتها الكثير فتهدي ثمنه اتحاد رجال الأسطول التجاري للترفيه عنهم ، فهي تعجب بهم كثيرا . قالت في ذلك : إنها طريقتي المتواضعة في إسداء الخير القليل إلي أبطالنا
خمسون عاما في مستشفى ؛ لست ادري ايهما امتدح ، هذه النفس المريضة المخذولة التي لا تريد أن تمرض ولا ان تخذل ، ام ذاك النظام الإنساني الاجتماعي البديع ، في تلك المدينة في غرب إنجلترا من جنوب ، مدينة بات ، ذاك النظام الذي يأبي ان يحمل المرضى حملا إلى الطريق قبل شفاء ، ولو تطلب هذا الشفاء قرنا أو بعض قرن .
جدة ميكانيكية
أي نعم جدة ، لها بعل ، ولها أبناء ، لهم ابناء . كلهم في اسطول الولايات أو في جيشها يؤدون واجبهم في هذه الحرب . والجدة تؤدي هي الأخرى واجبها . ولكن اين ؟ في مخبز ؟ في مغسل ؟ في مطعم ؟ لا . ولكن في جراج حربي ، تؤدي فيه ما كان يؤديه الرجل الميكانيكى من اصلاح السيارات . وتدخل الجراج فتجد هذه الام التي انسلت للدنيا جيلين قد ارتمت على ظهرها على الأرض ، في سروالها الأزرق ، بين عجل السيارة ، وفي يدها مفك مسمار أو مفتاح صامولة .
وامرأة اخري ، كانت قبل الحرب تنعم بإدارة مغزل كبير ، فإذا بها اليوم تنعم بوظيفة مفتشة في مصنع يخرج الآلات الحربية الدقيقة
وهكذا دواليك ٣ ملايين من النساء بالولايات حلت محل الرجال في الصناعات ، فمكنت من هذا الفيض الذي لا يفتر من عتاد الحرب
ليت شعري ما يكون أثر هذا في تلك المجتمعات بعد الحرب ؟ إنها ثورة نسائية ستكون ، ما كان ليبلغها الف كاتب وكاتب لو شحذوا اقلامهم وشهروها قرنا من الزمان .
ونحن هنا سنرقب هذه الثورة من بعيد ونقول : فساد ورب الكعبة
" شو" يستعد للموت :
جورج برناردشو ، أشهر مؤلف الإنجليز وادبائهم لأحقاب خلت أتم عامه الثامن والثمانين ، واحتفل بتمامه في الأسبوع الماضي في السادس والعشرين من يوليو .
وقد حرص الا يجيء هذا اليوم حتى يكون قد اتم كتابة كتاب جديد ، ورواية جديدة ، قال إنهما آخر
ما يكتب . وقد فعل . وقال إنه إنما فعل هذا لأنه لن يحيا من علمه التاسع والثمانين غير ثلاثة أيام .
ورتب " شو " أموره استعدادا للنومة الأخيرة التي ليس لها على هذه الأرض من صباح ومما فعله انه وهب بيته للامة البريطانية بما فيه من اثاث ، وما فيه من كتب . وكذلك بعض المخطوط الباقي من رواياته المطبوعة
وعلى الرغم من سنه لم تفارقه النكتة التي صحبته دائما أبدا كتب كتابه الأخير عن الاشتراكية ، فسماه : " الف باء الاشتراكية " فلما سئل في ذلك قال : سميته هكذا لان الناس كلهم قد عرفوا واوها وياءها

