الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 339الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

الرغيف والمرأة

بأى شئ نعيش ، أو لأى شئ نعيش ؟ سمعت عالما يقول : ان الجوع والشهوة يحكمان العالم . ولا أظن أن أحدا خبر الحياة ، وصفا نظرة ، وصدق لسانا ، يقول بغير هذا فليس أشد دفعا فى الحياة للرجل من المرأة وليس أشد دفعا فى الحياة للمرأة من الرجل . وليس أشد دفعا للرجل والمرأة فى الحياة من الرغيف .

وعلى إرواء الشهوة الجنسية الكريمة يستند الاحتفاظ بحياة الجنس ، الاحتفاظ بحياة المجموع وبسد الجوع تحفظ حياة الفرد ، ومن حياة الفرد حياة المجموع .

وعندئد يتوق العقل النهم إلى زيادة المعرفة ، فيسأل : فأى هذين الدافعين أقوى ؟ وأيهما ، على تأصلهما فى النفس ، أكثر تأصلا ؟

وتستطيع أن تأخذ سبيلك إلى الجواب عن طريق البحث النظرى ، فتأخذ توقظ فى نفسك كل قواعد الفلسفة والمنطق ، أو أنك تستعين على الحكم بأن نلتجئ إلى الذاكرة لتكشف لك عن بعض اختباراتك الماضية فى هذا وذاك ولكن علماء اليوم يأبون النظر الصرف حكما ، فلا بد عندهم فى كل حكم من التجريب .

وتقول كيف نجرب فى أمر الجوع ، وعلى الأخص فى أمر الشهوة ، شهوة الرجل للمرأة ، وشهوة المرأة للرجل ؟

الأمر هين ما نظرنا إلى أن إشباعا من جوع طعامى ، وأن اشباعا من جوع جنسى ، أمران قدسيان ، قدسهما أنهما سبيل الناس إلى الحياة والتكاثر الذى شاءه الله .

وأستطيع أن أتصور لك تصورا تجريبيا بسيطا يؤدى بك إلى ما تطلب من هذه المقارنة المنشودة لو أنك استطعت إجراءه .

هات رجلا بلغ أقصى درجات الجوع ، من رغيفى ونسوى ، وضعه فى حجرة ، على أحد جانبها حجرة بها امرأة ، قد أظهرت زينتها ، وعلى الجانب الآخر حجرة بها أرغفة طازجة ساخنة يخرج منها البخار . واجعل للرجل إلى الحجرتين طاقة ينظر منها إلى هذه وإلى تلك . وانظر كم عددا من المرات يطل إلى المرأة ، وكم عددا يطل إلى الرغيف .

أو تجربة أخرى أشد إحكاما : ضع الرجل فى حجرة ، وضع أرغفة الخبز فى حجرة أخرى ، واجعل بين الحجرتين ممرا ضيفا ، واجعل بهذا الممرأبوابا نقل وتكثر على الحاجة ، واجعل عند كل باب عصا ، ثم افتح الأبواب ، فإذا انطلق الرجل إلى حيث الأرغفة ، فانزل على أكتافه بالعصا ثقيلة عند كل باب ، وانظر كم من الضربات يحتمل لبلوغ الرغيف ، وعند أى ضربة يعجز فيولى الأدبار .

وافعل هذا به مرة أخرى ، ولكن ضع مكان الأرغفة النساء .

وقارن بين عدد العصى التى أفرغت على جلده فرده عن بلوغ الخبز ، وبين عدد العصى التى أفرغت على جلده فردته عن بلوغ المرأة ، فذو العدد الأكبر يكون هو الدافع الأكبر .

ولكن ما هكذا صنع العلماء التجارب أو يصنعون فما على الإنسان تصنع التجارب ، لأنه على فرض نجاحها فيه ، وعلى فرض إمكانها ، فلن يخرج العالم منها برأى وثيق عن تلك الدوافع التى تحكى ، لأن الإنسان معقد أكبر التعقيد ، والدوافع فيه مختلطة أكبر اختلاط .

ومن أجل هذا عمدوا إلى الفئران . ففى الفئران أجروا تلك التجربة التى وصفت . ولم يكن فى التجربة عصى ، ولكن كان مكانها قضبان مستعرضة بخطو عليها الفأر إلى طعامه ، أو يخطو عليها إلى أنثاه . وأجروا الكهرباء فى القضبان ، حتى إذا خطا عليها الفار أحس لذعا أليما . وعدوا كم قضيبا يخطو عليه الفأر حتى يبلغه اليأس .

وطبعا كرروا هذه التجارب على الفأر الواحد ، وعلى غيره من الفئران ، لكى يخرجوا من تجاربهم على متوسطات لتمثل قبيل الفئران تمثيلا صادقا ، وتمحو أسباب الخطأ الذى قد ينجم عن حالة طارئة خاصة فى فأر خاص .

فهل تعرف على أى نتيجة خرجوا ؟ خرجوا على أن الرغيف أقوى دفعا من المرأة . كان متوسط الخطوات التى خطاها الفأر على الألم إلى أنثاه الفأرة ١٣ خطوة ، أى قضيبا ، ثم تبددت رغبته وباخ عزمه .

ولكن عزمه إلى الرغيف لم يبخ ، ورغبته إليه لم تتبدد ، إلا بعد أن عدوا من القضبان المكهربة التى خطا عليها ١٩ قضيبا .

وكانت الفئران فى الحالة الأولى أفرغ ما تكون معدة

وكانت الفئران فى الحالة الثانية أملأ ما تكون غدة . ويزيد فى صحة هذه التجربة ، ويزيد فى وثوقنا بنتائجها أن أكثر من باحث أجراها ، فخرجوا على اختلافهم ، واختلاف ظروفهم ، مكانا وتجربة وتراثا ، على ارقام غاية فى التقارب .

وبعد ما تقول التجربة كلمتها ، يجوز لكل من هب ودب أن يعلل بالفكر النظرى تلك النتائج بما يشاء ، وعلى أى وجه شاء .

وأحب أن أكون بين من هب ودب ، فأقول إن جوع الطعام كان لابد أن يكون أقوى من جوع الشهوة . نعم إن كليهما ضرورى لاطراد الحياة ، ولكن جوع الطعام أسرع فى التأدية بصاحبه إلى الفناء من جوع الشهوة . بل نحن ما سمعنا قط أن جوع الشهوة أدى إلى الفناء أبدا - فناء الفرد - ولو أنه طبعا يؤدى إلى فناء الجنس أخيرا .

وتحدثنا عن الجوع ، ولم نتحدث عن العطش فعلى أيهما يكون الإنسان أصبر؟ .

وأحسب هذا لا يحتاج إلى التجربة ، فخبرة كل الناس فى هذا الأمر غير منقوصة . فكلنا لابد قائلون إن الرجل أصبر على الطعام الصلب منه على الماء السائل . وقد دلت التجربة التى وصفنا على أن الرجل إن خطا إلى الرغيف على الألم ١٨ خطوة ، خطا على الألم إلى الماء عشرين خطوة ، بينما هو يخطو إلى المرأة ١٣ خطوة . ومن نتائج هذه التجارب حقيقة أخرى تزيدك عجبا : تلك أن الأنثى تخطو إلى ولدها اثنتين وعشرين خطوة ، فالأمومة أقوى من دافع الشهوة - وهى تنتج الولد - وأقوى من دافع الطعام ودافع الشراب .

ومعنى هذا أن المرأة أقوى ارتباطا بولدها منها برجلها . فليذكر الأزواج هذا ، ولتذكره المحاكم وقضاتها .

اشترك في نشرتنا البريدية