الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 340الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

الحب فى السوق السوداء

تحدثنا فى العدد الماضى عن دافعين من أهم دوافع الحياة ، دافع الجوع ودافع الشهوة ، أو الدافع إلى الرغيف والدافع إلى المرأة ( أو إلى الرجل إن كان الخطاب إلى امرأة )

وعرفنا بالتجربة العلمية كيف أن الدافع إلى الرغيف أقوى من الدافع إلى المرأة

وقد كتب لى كاتب كريم يقول : ما هكذا كانت تجربتنا فى الحياة

وقد صدق الكاتب الكريم فى الذى قال ، فدافع الجنس كما يتراءى للناظر فى المجتمع المصرى وغير المصرى أشد من دافع الجوع . ولكن كذلك صدق الشاعر الذى

قال :       إذا جعت أنسى حبها . .

ولكنى أحسب أن الشاعر أصدق فيما زعم ، لأنه لابد قد بلغ أقصى درجات الجوع حتى نسى حب صاحبته ، وهذا شرط المقارنة . فلا بد أن تبلغ بالجوع المدى أقصاه وبالجوع الجنسى أقصاه ، حتى تجوز المقارنة

وصاحبنا الذى نظر فى هذا المجتمع وذاك ، فوجد دافع الجنس هو المسيطر ، إنما وجد ذلك لأن أفراد المجتمع لا يبلغون أقصى درجات الجوع البطنى أبدا وهنا ندور بالحديث إلى دوافع فى النفس أصيلة تشبع ، ودوافع أخرى لا تشبع

ودوافع الحياة أشتات . وإذا نحن قصرنا القول على الأصيلة منها ، ذكرنا فيما يذكر الذاكر ، الدافع إلى الهواء والدافع إلى الدفء إذا برد الجو ، أو إلى التبرد إذا اشتد الحر ، والدافع إلى النوم ، والدافع إلى تجنب الألم ، وهلم جرا

وأقوى هذه الدوافع لا شك دافع الهواء . فهو أقوى من دافع الرغيف ، وأقوى من دافع المرأة . وإن ئقت تجربة فاختر صديقا ، أو عدوا ، واختره من الثقال ، ذوى الوقار ، الذين لا يتحركون إلا للعظائم من الأعمال ، ثم قم إليه وكتم أنفاسه ثانية أو ثانيتين ، تجد أن الوقار قد طار ، وأن الحركة التى كانت عزيزة قد هانت ، وتجد أن الرجل الثقيل قد خاف يدفع عن نفسه كأحقر حيوان وأتفهه ليفتح مجارى هذه الأنفاس التى سدت

فدافع الهواء أشد دوافع الحياة ، ولكن لا يظهر أثره فى الحياة العادية ، لأن الهواء أيسر الأمور منالا ، ولأنه أرخص الأشياء

كذلك الماء ، وهو يأتى بعد الهواء دفعا ، لا يحد لمرتبته هذه الثانية أثرا فى الحياة الجارية ، لأن الماء ذو منال قريب ، وهو يكاد لا يعز أحدا أبدا . ولكن أخرج إلى الصحراء مرة ، تجد أنك لا تخرج إليها مرة أخرى

إلا والماء أول زادك ، وصاحب النصيب الأول من عنايتك .

إن دوافع الحياة لا يظهر أثرها فى الحياة على مقدار شدتها الأصلية أيضا ، وإنما يظهر أثرها بمقدار ما نفتقد منها .

فإذا نحن ارتوينا منها ارتواء بطل أثرها حتى ننساها وننسى وجودها . ولعله من أجل ذلك ، أو من بعضه ، ضل الناس عن الهواء فلم يكتشفوه ، وهو فى أفواههم ، قرونا طوالا

ومن الدوافع التى لا تشبع فى الإنسان دافع الجنس . فهو على الأقل فى حياتنا المدنية الحاضرة ، وفى كل مجتمع ينتمى إلى شىء من الحضارة ، لا يشبع إشباعه فى الحيوان الأعجم ، لأن قواعد المجتمع تحد من ذلك وكلما زاد المجتمع توغلا فى هذه المدنية التى أصف ، قامت عقبات كثيرة فى سبيل هذا الإشباع فزادت شدة هذا الدافع ظهورا . ومن أول العقبات فى ذلك ارتفاع سن الزواج . وسن الزواج ارتفعت لأن نظام هذا المجتمع يقضى بأن الرجل يعول المرأة ، دون إشراكها فى المعونة ، وهو يزيد فى صعوبة الرزق حتى لا يتأهل له الكاسب إلا بعد زمان طويل . فهو نظام يتصف بالتحضر ، ولكنه يجرى على غير ما توده الطبيعة من إرواء تلك الدوافع الأولى . وأمل الأمر سائر على غير هذا في الروسيا حيث القوم يحاولون أن ينشئوا حضارة جديدة تكون أكثر التئاما والطبيعة . ففى الروسيا يتزوج الأبناء والبنات عند ما يبلغون الحلم ، أو يشتد بهم الدافع الجنسى . أو على الأقل يجاز لهم ذلك ، وهم من أجل ذلك يتزوجون وهم لا يزالون فى حجرات المدارس والجامعات يدرسون .

إن فى إشباع هذا الدافع الطبيعى فى تلك السن الباكرة إضافة لشدة ظهوره فى الناس يقينا . فهو لن يعود من بعد ذلك يكون مشغلة الشاب ، يملأ يقظته بالأحلام نهارا ويملأ نومه بالأحلام ليلا . وهو بهذا ينزل من خطورته

التقليدية الكبيرة ، إلى الخطورة المتواضعة ، خطورة الهواء وخطورة الماء ، وهما بحيث لا يكاد يفطن إليهما إنسان

ويرتوى منه الفتى ، وترتوى منه الفتاة ، من مشارع سهلة طاهرة مشروعة ، فلا يكون حوله تلك اللعنة التى بقيمها الناس حوله ، بعدا عن الطبيعة ، وإمعانا فى الظلم والبهتان

ولا يخسر من هذا إلا الشاعر الذى يريد أن يبيع شعره لذوى القلوب الملهبة الذين لا يجدون الراحة إلا فى زيادة إلهابها

ولا يخسر من هذا إلا القصاص الذى يطلب القرش . يجمعه ألوفا وملايين يتصور تلك المأساة الجنسية التى يقتبسها ممن يرى حوله من ناس . وفيها يرى كل أحد نفسه ، فى بطل القصة أو بطلتها ، كأنما يراها فى المرآة . لأن الحال فى توزعه على الناس واحد : رجل محب راغب وفتاة محبوبة غير راغبة - أو هكذا شاء لها المجتمع ، لاسيما اقتصاد المجتمع ، ان تكون غير راغبة

ولا يخسر من هذا إلا الغنى الذى يرتزق من النواح على حبيب مغاضب وعلى آخر مفارق ، وثالث يود ولكنه يصد . ثم العذول الذى لم أجد له فى الحياة وجودا إلا أن يكون هذا رمزا إلى المجتمع

ولا يخسر من هذا إلا التجار العديدون الذين اتخذوا من يقظة الجنس الدائمة عند الناس سببا لترويج تجارتهم . الأمثال كثيرة ، ولكن بحسبى أن أذكر طائفة من التجار كنت أحسب أنهم أبعد ما يكونون عن خلق التجار ، وأعنى بهم تجار الأدب . لقد اتخذ أكثرهم عواطف لجنس معابر يعبرون عليها إلى الرزق الكثير . افتح صحف اليوم ، وافتح مجلاتها ، فماذا ترى ؟ ترى موضوعا جنسيا فى كل عدد إن كان محرر الجريدة ذا استحياء . وإن لم

يكن ، تعددت الموضوعات واحترت حتى تكاد تحترق بها الأوراق . ثم الصور . نجد صور النساء فى عرى أو شبه عرى فى هذا الركن أو ذاك ، وفى مناسبة وفى غير مناسبة ، وفى مناسبة مفتعلة افتعالا . وأؤكد لك أنها صور تلعب على عواطف قوم مساكين ، لم يكفهم ظلم المجتمع حتى جاءت هذه الصحيفة أو تلك توقظ فيهم إحساسا بذلك الغائم قد يكون هوم أو هو نام

ولا يحسبن أحد أن الكتاب وأصحاب الكتب والصحف يفعلون هذا عن غير عمد . إنهم يتعمدونه كما يتعمد التاجر أن يبيعك الشىء الذى اشتراه بجنيه بعشرة جنيهات ، لأن هذا الشىء قد قل فى السوق أو هو اختفى إنه قانون السوق وكفى .

ولقد قام ناشر بتجربة على الأسلوب العلمى ليعرف منها كم تؤثر دغدغته للدافع الجنسى فى مقدرة الشراء عند الجماهير :

نشر كتابا أسماه " كرة من شحم " ، فباع من الكتاب 15000 نسخة ، ولكنه غير اسم الكتاب فصيره " عاهرة فرنسية نضحى " فباع منه ٥4٧٠٠ نسخة . ونشر كتابا أسماه " شعر ذهبى" فباع منه ٦٠٠٠ نسخة ، ولكنه غير اسمه فصار " يبحث عن عشيقة ذات شعر ذهبى" فباع منه 50000 نسخة

ونشر كتابا أسماه " سر القناع الحديدى " ، فباع منه ١١٠٠٠ ، ولكنه أسماه بعد ذلك " سر الرجل ذى القناع الحديدى " فباع منه 30000 .

ونشر كتابا أسماه " الملك يمنع نفسه " فباع منه ٨٠٠٠ فلما أسماه " الملك الشبق يمتع نفسه " باع منه ٣٨٠٠٠.

ونشر كتابا أسماه " ليس من بعد الملك أحد " ، فباع منه 6000. فلما أسماه " ليس من بعد الملك أحد يقبل هذه الفتاة " ، باع منه ٣٤٠٠٠٠.

وهذه الكتب كلها ليست فى مصر . ولكن فى بعض كتاب مصر من يحسنون التقليد . وكنت أود أن آتى على بعض كتبهم ، وهى مشهورة معروفة ، لا سيما عند الفتيان والفتيات ، لو أن عندى من قوة ابتياعها أرقاما .

ولا تحسبن أيها القارىء أنى أسوق إليك موعظة لتغمض من بعدها عينيك فلا تفتحهما على هذه الصحف ، أو هذه الكتب . وذلك لأنى لست بالواعظ . ولأن الوعظ فى مثل هذا لا ينفع ، بل يترجح عندى أنك لا بد فاتح عينيك وسعهما فى تلك الأوراق من بعد قول هذا أكبر الفتح . وأنا عاذرك لأن النظم الاجتماعية وضعت أمر الجنس على الرف وأمسكت بعصا تنذر الناس أن لا يقربوه ولو نقاشا . والشاعر يقول : أحب شىء إلى الإنسان ما منعا

إنى إن دعوت إلى شىء ، فإلى تغيير هذا النظام المدنى الغربى . مهدوا للشباب الرزق ، وفى نفس الوقت زيدوء قوة على الكسب بالتعلم ، ليجرى هذا مع هذا فى خطو واحد . وبذلك يمكن القران بين الجنسين قرانا حلالا ، وتمتنع أمراض النفوس ، وتنحل عقدها . وما أكثر العقد التى يعقدها دافع الجنس فى النفس الصغيرة فى طراوة العمر وبراءته .

اشترك في نشرتنا البريدية