الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 341الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

شريان الحرب الأعظم

لقد علم الناس أن هذه الحرب كانت حرب علم وفن وحيل ، قبل أن تكون مساجلة فى قوة العضل الجثمانية ، وقوة الاحتمال الإنسانية . والحرب بعد لم تكشف لنا إلا قليلا عما صنعته العلوم وافشته الفنون وراء خطوط القتال

ولقد سمع الناس فيما سمعوا بهذا الخط من الأنابيب الذى مده الحلفاء ، بين ساحل انجلترا وساحل أوربا ، يحمل إلى المحاربين سائل الحرب الأول ، أو إن شئت قلت دمها الذى بدونه لا ينبض للحرب الحديثة قلب - ذلك البترول

وهذا الخط الذى مدوه طوله بضع عشرات من الأميال ولكن هناك خطاً أعظم وأعتى ، مدوه ، لا العشرات من الأميال ، ولكن الألوف . مدوه فعلا ألفى ميل ، فأصبح بذلك أطول خط فى العالم يحمل البترول .

وهو يحمل البترول من كلكتا فى الهند إلى الصين . ويحمله عبر الجبال ، وفى الوديان ، وعبر الأنهار . فهو يعبر نهر الروادى والسلوبن والكوانج ، ويحمل هذا السائل العزيز الغالى إلى مطارات الحرب فى الخطوط الأولى من قتال اليابان .

والخط مصنوع من أنابيب خفيفة الحمل ، قطر بعضها أربع بوصات ، وقطر بعضها ست بوصات . وهى سهلة الإخفاء عن أعين الرقباء من الأعداء    حتى وهى غير مدفونة لا يكون من السهل إصابتها ، إلا من قريب ، ومن قريب جدا . فالقذيفة التى تزن مائة من الأرطال لا تصيبها بالدمار إلا إذا نالت الأرض على أقل من أربع أقدام منها

وتقوم المضخات على أبعاد معلومة من هذا الخط ،

وهي تدفع البترول فى سبيله الجارى . فهى ترتفع به كلما طالبه السير بالارتفاع ، وتدعه يهبط كلما طالبه السير بالهبوط ، وتزيد فى حركته كلما أعجزه السير فى البسيط . فإذا أصيب الخط فى نقطة منه ، عرفت ذلك منه اقرب المحطات الضاخة ، وعرف ما تضمنته من آلات موضع الإصابة على التقريب . وإليه تنتقل فرق الإصلاح تواً حتى لا ينقطع شريان الحرب الأعظم ، وينقطع طويلا .

وهذا الخط ليس لحمل البنزين وحده ، فهو قد يحمل صنوفا أخرى من البترول . فهو قد يحمل زيت الديزل ، وقد تحمل زيت التشحيم والتزليق . ولكنه لا يحمل هذه الأصناف معا ، لأنه أنبوبة واحدة . ولكنه يحملها على التعاقب ، رأس هذا فى ذيل ذاك ، مع سائل ذى لون يفصل ما بين الرأس والذنب ، لونوه حتى يدرك محصل الزيت فى الناحية الأخرى أن صنفا قد جاء آخره ، وصنفا قد بدأ أوله .

ويعد هذا الخط قد ارتفع عن مجهود الحرب حمل ثقيل ، ارتفع عن كاهل الطيارات وظهور السيارات ، وهو فوق هذا أرخص نقلا بهذه الأنابيب .

جلود محفوظة :

ومن غرائب ما نسمع ، مما صنعه العلم والفن فى هذه الحرب ، أن الجلود الإنسانية تنزع من موتى الحرب ، تواً من بعد خروج أرواحها ، ثم تخلل كما يخلل البصل والخيار فى الزجاج ، إلى أن تكون إليها حاجة . وهذه الجلود لا تخلل فى الخل طبعا ، ولكنها تحفظ فى سوائل من الملح تشبه إلى حد كبير سوائل الجسم ، سوائل الحياة . وهى تحفظ مبردة حتى تطلب . وهى تطلب لفرشها على جلد ضحية من ضحايا الحرب - ضحايا نارها - لاسيما الطيارين الذين هبطوا فى طائراتهم المشتعلة وقد لفح الحر أجسامهم ،

وأنضجت النار جلودهم ، فانكشف اللحم وتعلاى فهذه الجلود المحفوظة تكون لكساء هذا اللحم العارى .

وهذه الجلود المحفوظة يبقى بها على الحفظ مقدار من الحياة يؤهلها لأن تندمج فى جسم المصاب الحى ، تدفع عنه خطر التلوث ، وتأذن للحياة أن تعود فتجر مجاريها حتى تقسم للرجل قسمة الحياة أو الموت . وكثيرا ما تكون قسمته بهذا الجلد المحفوظ قسمة الحياة .

خطر الأصابع :

وأعجوبة أخرى . وقبل أن أحكيها لك أسألك : إذا كان لابد من بتر إصبع من أصابع يدك الخمس ، فأى إصبع تختار ، إذا لم يكن لك بد من الخيار ؟ الخنصر ؟ البنصر ؟ الوسطى ؟ السبابة ؟ الإبهام ؟ ألا فاعلم أن أخطر هذه الأصابع الإبهام ، وان الخنصر أقلها خطرا . أما خطر الإبهام فهو أنها الإصبع التى تمسك بها الأشياء من ناحية . أما من الناحية الأخرى فتتعاون كل الأصابع على إمساك هذا الشئ ، فلو ضاع إصبع من هذه الأربع لما افتقدته كافتقادك الإبهام .

وفى هذه الحرب ضاعت أرجل وأذرع ، ورموش . وأهون ماضاع فيها الأصابع . وأخطر ماضاع فى الأصابع الإبهام ، فهى معجزة للجندى بقية حياته إذا خلع لباس الحرب وليس لباس السلم يطلب الرزق كما يطلبه الناس لهذا كان لابد من سد هذا النقص ما استطاعوا إليه سبيلا

وقد كان سده بتضحية السبابة . فقد خلعوها من موضعها من الكف ، وأثبتوها فى مكان الإبهام الضائعة ، ثم لائوها باللحم الحى حتى يتشكل ظاهر المفصل ويتم الالتئام

سألوا جنديا أجروا على يده هذه العملية : كيف تجد ؟ قال : إن سبابتى صارت إبهامى ، وأنا أستطيع اليوم بها أن أمسك بكوب الماء فأحملها وأحمل أشباهها .

والأضراس :

وأعجوبة رابعة لم ينكشف بعد عنها الحجاب ، ولكنه يوشك أن يفعل . وهي تختص بجزء آخر من أجزاء الجسم ، أعلى الأسنان . فمن أسباب ضياع الأسنان اليوم أن يتولد من تحتها ، وعند جذرها ، خراج لا يكون شفاؤه إلا بخلع الضرس وإضاعته .

والذى صنموه فى هذه الحرب ، لا بسبب الحرب ، ولكن بسبب العقار الجديد ، البنسلين ، انهم استطاعوا أن يخلعوا الضرس السليم ، فيقتطعوا من جذره مافسد ، ويزيلوا الخراج وما تجمع فيه من أسباب الفساد ، ثم يعالجون متسخ الضرس بالبنسلين ، ثم يثبتون الضرص فى مكانه من سنخه بعد أن يكونوا قد ملأوا ما أطاروا من جذر الضرس حشوا مناسبا . ثم يتركون الطبيعة تفعل فعلها .

وقد وجدوا أن الضرس يأخذ على الأيام فى الثبات . وقد ثبت ضرس من هذه الضروس واشتد ، حتى أنهم استطاعوا أن يتخذوه دعامة يسندون عليها جسرا لضرس آخر مصطنع ركبوه فى جواره .

نصيحة لطلاب الموت :

ويذكر الطب أذكر تجربة أجراها عامل إنجليزى على نفسه لما طلب الموت هربا من الفقر . وتطوع ، ولست أدرى عن عمد أو غير عمد ، فكتب ما أحس به وهو يهبط الى الموت .

اختار لنفسه سبيلا جديدة الى الفناء ، فاعتزم أن يتعاطى مادة يتعاطاها الناس عادة لدفع الأسواء - تلك الأسببيرين .

فأنت تبلع الأسبيرين قرصا أو قرصين لتذهب عن نفسك آلام الرأس ، ولكن صاحبنا بلغ الأسبيرين ،

أربعمائة قرص ، ليذهب عن جسمه كله ، وعن نفسه ، آلام الحياة .

وترك مكتوبا يشرح فيه ماوجد ، ووجه الخطاب الى النائب القضائى المحقق . قال :

عزيزى الأكرم . ليس لى رغبة فى الحياة . لست أود العيش فى هذه الدنيا ، فانها لاتوائمنى ، ولست أوائمها . لقد ولدت قبل مانة عام قبل زمانى . فأرجو منك ياسيدى بعد التحقيق السريع أن تنطق بالحكم المعتاد فى مثل هذه الحال - (( مات فى حال من العقل غير سليم )) . وإنى أؤكد لك يا سيدى أن عقلى فى هذه الساعة ليس به اختلال .

واستمر فى مذكرته بقول :

بلغ ما تعاطيته من الأسبرين إلى الساعة مائة قرص ، ولكنى لا أجد منه أثرا . تعاطيت مائتين . لا فائدة . تعاطيت ثلاثمائة . أحس بامتلاء فى جوفى . لابد من الإقدام ، فالنكوص الآن لا يغتفره لي الله .

واستمر يكتب حتي بلغ قوله :

إن الأقراص اللعينة لا تفتأ تلصق فى حلقى . سأقوم وأمشى أو أجري أو أركب دراجة ، فعسى الحركة تهز تلك الأقراص فتنزل من بلعومى .

ومضى بصف الذى يجد حتى أعجزته الكتابة !

ووجد الطب فى الذى كتب شيئا طريفا ما كان يجده بسبيل آخر غير هذا . والطب لا يوصى احدا بأن ينتحر ، ولكنى أحسست عند تصورى الحرص الذى لابد حرصه الأطباء للحصول على هذا الاعتراف النادر ، أنهم لا يأبون أن ينصحوا فى صوت خافت كل من يود الانتحار ، أن ينوع وسائله ، وأن يكتب اعترافا مفصلا كالذى كتبه صاحبنا هذا ، أو أكثر تفصيلا . والمنتحر ، إن كان لابد من إتلاف نفسه ، فقد يكون من بعض التكفير عن جرمه أن يسدى إلى العلم ضريبة الفداء

اشترك في نشرتنا البريدية