في ضيافة فلاح ياباني
قال محدثي : وكان الليل تقدم . واخذ التثاؤب بنتابني ، انا الضيف وينتاب صاحب الدار فاقترحت النوم ، فما أسرع ما وافق صاحبي .
أما سبب موافقته فهو أن الغد كان عطلة رسمية ، وأنه كان يريد ان يذهب إلي المدينة ليري اخا له لم يكن رآه منذ سنوات . وكان من اغراض هذه الزيارة أيضا أن تتيح لي فرصة أري فيها مصنعا لأخيه ، يصنع فيه ذاك الطلاء الياباني الأسود الجميل المعروف في العالم كله باللاكيه ،
وتتيح لي الفرصة أري فيها كيف امتزجت المدنية الحديثة في اليابان بالذي فيها من عرف ومن تقاليد . وعلى هذا الأمل ذهبت إلي حجرة نومي اريح رأسي وعظامي ، فوجدت الفراش قد افترش الأرض ، والكملة التي تدفع الناموس قد تدلت من السقف ، والأبواب جميعا قد اوصدت حتى الصباح الطالع .
واستيقظت في البكرة الباكرة ، فوجدت صحابي قد لبسوا احسن الثياب ، واستعاروا لهذا اليوم المختار من الآداب . وتركنا المنزل بالقرية في الثامنة ، وركبنا الترام ليذهب بنا إلى القطار الذي يحملنا إلى المدينة . فوجدت في المحطة جمعا كبيرا ، فد لبسوا الجديد هم ايضا كما ليس أصحابي ، وظلوا على الرصيف ينتظرون .
وحضر القطار ، فاسرع إليه هذا الجمع دفعة واحدة وازدحموا على مداخلة وعندئذ سأل صديقي زوجته أن تزحم في الزاحمين ، وان تحجز لنا أما كن ثلاثة حتى نجئ. فأخذت الزوجة تخرم طريقها في هذا الزحام ، براسها تارة ، وبمرفقها تارة اخرى . فلما دخلنا العربية وجدناها قد جلست
في شيء من العجب والرضاء على مقعد ، وبسطت متاعها على المقعدين الآخرين احتفاظا بهما . وجلسنا . ثم أخذت انظر فيمن حولي ، فوجدت جمعا من الناس قد ارتدوا مثل الثياب التي ارتداها صاحبي الفلاح . فكلهم لا شك فلاحون ذاهبون إلي المدينة ليستمتعوا فيها بعض حين . وكلهم لبس السواد ، فهذا هو اللون الرسمى المختار . وكلهم تزينوا وتجملوا ، ولكن ما لبث أن قصر جمال السلوك وجمال الآداب ، عن جمال الثياب .
ولم يكن بينهم من أفسد الشراب طبعه بعد ، ولكن كان فيهم من اوشك ان يفسده ، فقعدنا من هؤلاء على حذر . وكان مع الاثرياء ، أو من بان عليهم الثراء ، بنات لا ريب استأجروهن على العادة ، لتكون ساعات النهار بهن ، على البهجة ، اقصر ، وظلها أخف
وما بدأ القطار بتحرك حتى اخذ الرجال يتحققون من ملابسهم ، فخلوا منها ما علا ، واضطجموا فيما تحتها وهم يروحون بالراوح على الوجوه استبرادا . ثم ما لبث ان غط بعضهم في النوم غطيطا
وجري الأطفال في العربة بين المقاعد من طرف إلي طرف ، أو هم ركبوا على المقاعد واطلوا من النوافذ ، وفي أيديهم جميعا أكياس واحدة من الحلوي ، بعضها الصغير بخمسة مليمات ، وبعضها الكبير بعشرة .
وكان القطار يجري بالكهرباء وكانت عرباته من نوع اليونان . وكانت المسافة إلي المدينة نحوا من اربعين ميلا ، قطعها القطار في خمس واربعين دقيقة لم يتوقف اثناءها غير وقفتين . ولم يتأخر عن بلوغ وقفاته او يتقدم عن الموعد المضروب أكثر من دقيقة أو دقيقتين
ونظرنا إلى المحطات ، وإلي رجالها ، فوجدناها ووجدناهم ، غاية في النظافة ، غاية في الاناقة . واختصارا إن سكك حديد اليابان عظيمة فائقة .
وما بلغ القطار المدينة حتى هجم علينا الحمالون ، ولهم
ملابس حمراء يعرفون بها . ولم يكن بنا إليهم حاجة ، فذهبنا قدما إلي حاجز المحطة وعنده سلمنا التذاكر . وما نفذنا من الحاجز حتى هجم علينا فئة اخري من الناس تطلب وتصر وتصطخب ، واحيانا تهدد . فهؤلاء ، هم اصحاب التكسيات . ولم يكن بنا إليهم حاجة ، فأغفلناهم ، وخرجنا من المحطة إلي ساحة عظيمة . ساحة اختلطت فيها الحركة واشتدت ، جري فيها الترام ، وجرت البصات ، وجرت التكسيات ، وفي خلال كل هذه جرت العجلات ) البسكلتات ( آلافا . فهذا ولد على عجلة قد أمسك يدها وهي جارية بشماله ، وحمل على يمينه في اتزان بارع صينية حملت غداء بعض الناس . وهذا صبي على عجلة اخري بجر وراءها عربة قد امتلأت فحما وهذا رجل على عجلة ثالثة ، في جاكتة سوداء وبنطلون اسود ) ادركنا يا مجمع اللغة ادركنا ! ( ، وعلى رأسه قبعة سمراء ، فلعله محام قد هرع إلي بعض زبائنه .
إن المجلات في اليابان رخيصة . وعليها ضريبة ولكنها غير معجزة . وهي وسيلة للتنقل السريع شائعة ، يقبل عليها كل من لا يجد غضاضة في استخدام عضله ، وكل من يأنس في نفسه القدرة على الخلاص برقبته سليمة بين الترامات والتكسيات والبصات .
وصمدنا الترام فلم نجد به الراحة . ففيه الزحام شديدا . والناس من كثرتهم يقفون فيه على كل موقع لقدم . ويستندون بأيديهم إلى كل مسند . وخير من الترام البصة فهي أخفض صوتا وأروح مجلسا ، ولو أنها أعلى اجرأ . وكمساريو الترام من الرجال . وكمساريو البصات من النساء وهن يتناولن أجورا دون أجور الرجال ، على الرغم من مشقة الأعمال ، ولكنهن بذلك راضيات ، لانه عمل خير من عمل الروتين ، وهو يحتاج إلي شي كثير من اليقظة ، ومن الفهم ومن علم المدينة وإطلاع على نواحيها .
وبالمدينة ترامات تحت الأرض ، هي قطر كهربائية ،
وهي واسعة نظيفة سريعة ، وفيها التهوية كافية . ولكنها لم تعم بعد ، ومع هذا فقد خفضت ضغط المرور تخفيضا كثيرا
وبينما نحن في الترام - فوق الأرض لفتنى مضيفي إلي كثير مهما في المدينة من اشياء . لفتني إلى كل ما هو غربي لفتني إلى الشوار ع الواسعة ، والأبنية الضخمة المالية ، وإلى ما في المدينة من حدائق يستكن فيها الناس من زناط وصخب . وقد رأيت من ذلك الشئ الكثير . ولكن رغبتي كانت في استطلاع جوانب المدينة البلدية . جوانبها اليابانية الصميمة .
وقد كنا نأتي بين تلك الابنية الحديثة الفارعة ، على أبنية قصيرة عتيقة خيل إلي أنها تنتظر هبة من ريح المسجد سجودا ليس من بعده قيام او لعلها تنتظر هزة من تلك الهزات الأرضية التي صنعت لليابان الخير الكثير في عهودها الحديثة ، فكان منها هدم جاء من ورائه بناء وتجديد ، فهكذا تجددت ليوكوهاما . وهكذا تجددت توكيو العاصمه
حدث هذا في عام ١٩٢٣ . وكنت عندئد في مصيف بالجبل وبدا الزازال في الأول من سبتمبر ، واشتد غاية الشدة ، وظل يروح ويغدو سبع ساعات . وكان مصيفنا على بعد مائة ميل من طوكيو ، ولكنا رأينا أسرتنا تجري في حجراننا على عجلاتها من حائط إلى حائط ، ومن ركن إلى ركن واباريق الماء انكفأت وانصب ما فيها . ونظرنا نظرة مجاه العاصمة ، وتجاه يوكوهاما ، فوجدنا اللهب الاحمر بتصاعد منهما بدخانه إلى السماء وانقطعت الأسلاك التليفونية ،
وانقطعت الأسلاك التلغرافية ، ولم يأتنا خبر عن هذه ، المدينة أو تلك ثم أخذت الأخبار تتنفذ إلينا رويدا رويدا لقد دمرت العاصمة إلا قليلا . وفقد فيها الالوف الحياة . وخرج الناس إلى الساحات ، والى الحدائق ، يطلبون النجاة ، فما اسعفتهم دائما نجاة فمئات في الحدائق أصابهم اللهب الطويل من كل جانب فاحترقوا . ودخل بعضهم
بحيرة الحديقة يختبئ في مائها ، فغلي الماء مهم حتى تبخر
وما سكن الزلزال حتى ركب الناس القطر من كل صوب يطلبون توكيو ، ويطلبون يوكوهاما يطلبون فيهما بيوتهم ، ويطلبون اسرهم واصدقاءهم وتكدست على جوانب الطرق جثث الموتى . وسار الاحياء بين الركام يحملون لافتات عليها اسماء من يطلبون من اباء او امهات أو ابناء او اخوات . وقل الطعام ، وقل الدواء ، واخذت الآوبئة ترعي غير محجوزة أو مردودة
وبقيت حيث كنت حتي تهدأ الأمور وتستقر الأحوال . ومن بعد اشهر وقف بي القطار في يوكوهاما ، او ما كان
يوكوهاما ، وهي ميناء اليابان الإعظم . ونظرت فلم يحجب بصري في الأفق حاجب . لم أر إلا رمادا باردا قد امتد مع العين امتدادا
وذهبت إلي طوكيو فوجدتها على نحو هذا الخراب واليوم ) الحديث قبل عام ١٩٣٩ ( ، كيف نجد هاتين المدينتين ؟ نجد مكان هذا الخراب البيوت قد علت ، والطرقات قد اتسعت ، واستقر على تلك الساحات مدينتان تنافسان المدن رصانه بناء ، وحسن تصميم ، وعزا ورقها وهكذا تمهد المصائب للتقدم ، وتخلق من الالم اللذة ، ومن الخراب العمار
