الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 459الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

الحرية وراء القضبان

الحرية أثمن شئ في الحياة ، وهذه حقيقة لا أظن أن أحدا يجادل فيها فإن جادل فما علي إلا أن أحيله إلي ما يصنع الناس باللباس ، إذا اذي بعضهم بعضا . إنه عندما يبلغ الأذي اشده ، تبلغ العقوبة أشدها ، فيحكم على صاحب الأذي بالموت . فإذا لم يبلغ إذاء النهاية ، نزلوا والعقوبة درجة ، فحكموا عليه بالسجن إلى الأمد . والعقوبة الأولى سلب الحياة ، والعقوبة الثانية سلب الحرية . فالحرية تأتي من حيث الأشياء القيمة التي يمكن انتزاعها من الإنسان في المقام الثاني بعد الحياة .

على أن كثيرا من الناس ذوي المزاج الرقيق ، إذا حكم عليهم بالسجن المؤبد ، آثروا عليه بطن الأرض المؤبد . . آثروا الموت ، لأنهم في الموت يكونون على حال لا يفتقدون معها الحرية ، ولا يطلبون نسائمها وهي تتأبي عليهم من وراء الحوائط العالية ، ومن بين القضبان وهي من حديد

ولقدم هذه العقوبة ، عقوبة السجن ، لا أكاد أدفع التي الإغراء بأن اقول : إن الإنسان لا بد فطن لقيمة هذه الحرية من قديم الزمان أيضا . لهذا سبق إلي سلبها ، أتمن ما يسلب أخاه الإنسان من شيء .

ولقد حاول الأحدثون ان يخففوا من وطأة السجن بما يدخلون على أصحابه من رفه ؛ فالخرانة الفسيحة ، والسرير الوثير ، والطعام الشهى . ومن الأمم من ادخل حتى الموسيقى تأتي السجناء على اجنحة الهواء ، بالراديو ، فلا يمنعها حائط أو قضيب . ولكن السجن سجن ولو كان في قصر .

ولقد فطنت إلي ذلك أمة من الأمم ، رأت أن إزالة أسواء السجون ليس بتطرية الطعام ، ولا إساغة الشراب ، ولا توثير الفراش ، ولكن بإعطاء السجناء قدرا كبيرا من الحرية ، كالذي يكون للناس في إصباحهم وإمسائهم ، وعند مباشرتهم شئون الحياة . حتى الخروج من السجن مؤقتا يكون عند ما تتطلبه الحاجة

مثال ذلك : رجل سجين تريد أسرته ان يخرج بها للنزهة يوما . فما عليه إلا ان يستأذن أرباب السلطان في السجن ، فما أسرع ما تأتي الموافقة . فيخرج مع الاسرة الكريمة حيث شاء ، فيأكلون ، ويشربون ، ويزأطون ، وتدق في المساء الساعة الخامسة ، فتسمعها ابنته بين السامعين والسامعات ، فتصيح بأمها : إن الساعة تقول إن زيارتنا لأبينا قد فرغت لهذا الأسبوع ، فهيا بنا نتمشي معه إلي باب السجن وإلى باب السجن يبلغون ، فيودع بعضهم بعضا ولكنه وداع من سيلتقون بعد حين

وللسجين أن يدعو الضيوف أن محل عليه في السجن ، وأن تبيت ، وأولو الأمر يحببون دائما ، ما كانت الضيفة الزوجة ، وهم ينظرون في أمر غيرها من الأضياف .

وتبيح إدارة السجون لنزلائها - وأظن أن نزلاء لفظة أرق تليق بهذا الجو الذي نصف - تبيح الإدارة للنزلاء ان يمارسوا الصناعة التى كانوا يمارسونها وهم طلقاء ، فالنجار يمارس نجارته ، والحداد حدادته ، وهلم جرا . والقانون القائم يحميهم أن يستغلوا ، فيضمن لهؤلاء الأجر الأدنى الذي يضمنه لكل عامل ، أين كان ، وأي هواء تنفس

وتسأل : فماذا يصنع النزيل إذا كان عمله في الحياة تجارة أو عطارة أو نحوها ؟

فأقول : الأمر هين جدا . فهو يستطيع أن يمارس هذه الصناعات ايضا . ومن هؤلاء ، رجل فتح دكان بقال . . نعم في السجن . ففي السجون شارع أيد خصيصا لهذا

كشوارع المدينة . وأهل المدينة بأتون للشراء منه . وأول هؤلاء الأهل والأقارب والأعزاء . إنها فرصة اللقاء الحبيبة . ويأتي غيرهم من غير الأقارب والاعزة ، يغريهم انخفاض الأثمان ، وان اصحاب هذه الدكاكين اقل جشعا وأنقى ضمائر وأقل سرعة من أصحاب دكاكين لا تحيطها الحوائط والأسوار .

ويباهي التجار بما يصنعون ، وتري هذه المباهاة فيما يكتبون على دكاكينهم من دعايات . كتب احدهم على باب دكانه : " إذا انت لم ترض ، فمالك مردود " . وكتب اخر " عشر سنوات لم يشك فيها منا أحد "

وفي هذا الشارع تجد دكان القبعات ، إلى جانب دكان الحلاق ، إلى جانب الحذاء ، وقد كتب على بابه " نصنع الأحذية ونرقعها " . ورغم انه في السجن ، فصناعته للأحذية أكثر من رقعها ، والأمر في المدينة عكس ذلك

وقد يوجد في أحد هذه السجون محام - وأنا أقدم اعتذارا طويلا عريضا لقرائي عن هذا الفرض الذي إن أمكن فهو غير محتمل أصلا - أقول إن كان في هذه السجون محام ، فهو لا يعدم الوسيلة إلى الترويح عن نفسه بالعمل . وقد خان أحد هؤلاء الحظ ، فما حل هذه الساحة الكريمة حتى قام يكتب للأمبين من المساجين ما يريدون أن يرسلوه من خطابات إلي أهلهم . وهو يكتب كذلك كل ما يريدون أن يرسلوه من شكاوي إلي السلطات وإلي الحاكم . كتب أحد هؤلاء المحامين على باب مكتبه : " الوقت من ذهب ، فلا تضيع وقتي " . وكان هذا المحاي النابغة لا يعرف الاستعارة في اللغات .

ومما يضيفي علي هذه السجون جو الأسرة منظر البنين والبنات يروحون فيه إلى المدارس ويغدون ، في صحبة أمهاتهم . . السجينات . فانه إذا حكم على أم بالسجن لم تحرم من أولادها ، فهي تأخذهم معها ، وإدارة السجن

تهيئ لهم حياة كحياة كانت لهم من قبل . فالتعليم يؤدى ، والغذاء والملبس ، واللعب لا بد منه أيضا .

وللعمال في هذه السجون أن يؤلفوا النقابات ، وللنقابة حق المفاوضة مع أهل السلطان كما لكل نقابة لإنهاء أي خصومة . وهم يعملون لتحسين احوال السجن ؟ ولارائهم عند من يزنون الآراء وزن كبير

ويقضي قانون السجون بتلك الأمة ان الذي يكسبه نزيل السحين من ممارسة صناعة أو تجارة ، يذهب أربعون في المائة منه إلى من أساء إليهم هذا النزيل فحكم عليه بالسجن من أجل هذه الأساءة أما الستون الباقية ، فثلاثون منها تذهب إلى أهله ، والثلاثون الباقية تدخر له . وإذا حكم على النزيل بالسجن المؤبد بسبب قتل ، ظل يدفع إلي أهل القتبل معاشا هو نصف ما يكسبه طول الحياة . ويخرج النزيل بعد وفاء مدته وهو أكثر تثقفا . فحضور المدرسة من فروض السجن . والذين لا يعرفون الكتابة يتعلمونها فيه والمثقفون يعلمون ، وعلي تعليمهم يؤجرون

بقي سؤال لا بد هو حائر يريد مخرجا : في أي بقعة من الأرض تكون هذه الأمة ؟ إنها المكسيك

قال أحد زوارها من الأمريكان : لقد تقدمنا نحن الأمريكان في حسن تصميم السجون وتنسيقها ، أما من حيث القيم الإنسانية فبقي لدينا الكثير الذي نقتبسه من وراء حدودنا يعني المكسيك .

وبالطبع لا يفيد علم مكان هذه السجون السجناء ، في مصر او في غير مصر ، إلا أن تصبح السجون دولية . ويصبح بينها جوازات سفر . ودون هذا الوقت الطويل . على أنه لا حياة إلا مع الأمل

اشترك في نشرتنا البريدية