ساعة فى العمر لا تنسى
جلسنا فى البهو حول السيدة، جلوس من أخلد إلى الراحة بعض حين. وظللنا ننتظر فناجين الشاى المليئة أمامنا حتى تبرد. وجرى الحديث فنونا شتى، حتى وقفنا عند الجوهر. فأخذت السيدة الكريمة تنظر إلى ماسة فى خاتم بنصرها، ثم قالت: هذه آخر جوهرة كانت فى الدب. قلنا: فأى جوهرة وأى دب؟ فأخذت تقلب فنجانها بالذى فيه، كأنما تستوثق من ذوبان السكر فيه، وما كانت تقلب إلا صفحات الماضى البعيد لما طلبت الخروج من روسيا، فهيء لها الخروج، ولكن بعد أن ذاقت مرارة الموت فيه .
كانت السيدة روسية. وكان لها فى روسيا أهل ذوو خطر، وذوو مال. وجاء البلاشفة، فلقى زوجها منهم مثل ما لقى أمثاله. فلما تأيعت لم تجد فى روسيا غير الوحدة وغير الفقر، وغير تذكر النكبة تتلوها النكبة، فأرادت من كل هذا فرارا.
وفرغت من تقليب الشاى، فنظرت إلينا، وبدأت على مهل تقول:
قتل البلاشفة زوجى، وبعد مفاوضات طالت بضع سنين، جاءنى الإذن بمغادرة البلاد، وخطر لى الخاطر أول ما خطر، بأن أذهب إلى ألمانيا. ولكن لم يكن لى بها أهل ولا صحاب، وكان لابد لى من عمل أرتزق منه، والعمل فى البلد الغريب لا يأتى سريعا ولا سهلا. إذا وجب على قبل مغادرة روسيا أن أتزود. وخططت الخطة على الزاد القليل الحجم الكثير القيمة، ولم يجمع بين الحجم
القليل والقيمة الكبيرة غير الجوهر. فلما جاء أوان الرحيل وضعت كل ما كنت قد صنت وخبأت من ذلك فى دب محشو كانت تلعب به ابنتى، ولم تدر الابنة الساذجة ما صنعت أمها.
وركبنا القطار إلى الحدود. وفيه لقيت الكنية فلانة، وكانت تطلب الحدود مثلى، وبما أنه كانت لنا غاية واحدة، فقد اتفقنا على أن نتجاور ما استطعنا إلى المجاورة سبيلا. واقتربت الحدود، فأسرت الكنية إلى أنها خبأت فى طبقات ثوبها عقدا ثمينا من اللؤلؤ. فظهر على الوجل والذعر. قلت لها: ألا تدرين أن عقاب ذلك الوت؟ قالت: وماذا أصنع وهو الشئ الوحيد الذى بقى لى من متاع الحياة
وتوسلت إلى أن أعينها فيما هى فيه. وأخذنا نفكر فى الأمر، ونطلب المخرج ولا نجد مخرجا. والقطار سائر ينهب الأرض نهبا. وفى كل ساعة تقترب الحدود، ويقترب المحظور، ووقع بصر الكنية بثقة على زجاجة اللبن التى كانت لابنتى وكانت قد شربت من لبنها نصفه فما أسرع ما فتحت الكنية الزجاجة وأسقطت العقد فى اللبن، وحبات اللؤلؤ معتمة كإعتام اللبن، فلم تكد العين تتبينها فيه. وأعادت الكنية الزجاجة بلبنها وعقدها حيث كانت.
وبعد أن كانت لى خبيئة واحدة، صارت لى خبيئتان، وبعد أن كان عندى مصدر للقلق واحد، صار عندى مصدران.
وكلما اقتربنا من محطة الحدود ازددنا قلقا، وازدادت أعصابنا توترا ! فتلك الساعات الخمس أو الست التى سنقضيها هناك، سيقضى فيها علينا بالموت أو الحياة.
وبلغنا الحدود وازدحم رصيف المحطة بالفادين والفاديات بأكسيتهم الثقيلة وهى من فراء، واختلطوا اختلاطا
كبيرا وفى وسط الزحام الثقيل عرفنا أن نتسلل إلى حجرة التفتيش. وقام بالتفتيش جند مسلحون. فتحوا كل حقيبة، وحلوا كل لفافة، وداروا على الأمتعة صغيرها وكبيرها بعناية لا تفوقها عناية. ثم ساروا بنا إلى صف من حجرات صغيرة تقوم عليها نساء، طلقتهن النظافة، وطلقهن حسن الهندام زمانا طويلا. فهؤلاء فحصوا أجسامنا. عريننا من الرأس إلى القدم، وفعلن مثل ذلك بابنتى، وهن بين كل هذا يوزعن الكلمات اللواذع علينا بأقساط متساوية.
ومرقنا من كل ذلك سالمات. ودب ابنتى لم يتهم. ولبن الزجاجة لم تتطلع إليه عين بريبة.
وجئنا بعد ذلك إلى موظف يفحص أوراقنا وجوازات السفر. وكان وجهه متجهما، وعيناه قاسيتين وقد علمنا أن له الحق الذى لا يدفع فى أن يتشكك فى أى ورقة يشاء، وأى جواز يشاء، باعتبار أن الشك أسلم عاقبة للدولة. ولكنا جزنا هذا الدور أيضا بسلام.
وعدنا إلى رصيف المحطة، فلقفتنا ريح باردة تقطع الوجوه، وأخذنا نرتعد، وزادنا ارتعادا ما كنا فيه من قلق وخوف. وامتقع لوننا وتثلجت أطرافنا. ودخلنا قطارنا من جديد نطلب الدفء، ولكنهم كانوا قطعوا الدفء عنه ، فصار باطن القطار كظاهره فلم تفدنا حمايته شيئا. ومع هذا، فما كدنا نجلس فى أماكننا نتنفس أنفاسا أطول وأروح.
ولكن الخطر لم يكن ذهب كله، ففى كل وقت يمكن أن يأمر أرباب السلطة بالتفتيش فيكون. ومن شدة جزعنا ظللنا ننظر من النوافذ ولا يقول بعضنا لبعض شيئا . وبثقة وقع المحذور .
جاء على صورة أصوات منتظمة لأقدام ثقيلة تمشى نحونا فى ممر القطار. إنها أقدام الجند يعودون للتفتيش، وسمعنا
الأبواب تفتح فى قوة، وتعود فتغلق فى قوة. وبلغوا الصالون المجاور، فسمعنا فيه حركة عنيفة، وخرجت منه أصوات.
وأخيرا جاء دورنا. فتح الباب جندى فى عنف شديد. ونظرناه فإذا هو رجل غليظ قد تدجج بالسلاح. ولم يتحرك، بل أخذ ينظرنا مليا نظرات كأنها الحراب، فى ثوان كأنها الساعات. وأردنا أن نصرخ لنفرج عن أنفسنا فلم نستطع. وأخذ يدور ببصره بطيئا فى كل شئ، فى، وفى صاحبتى، وفى ابنتى وقد احتضنتنى ، وفى الدب، وفى كل متاع. ووقع نظره أخيرا على زجاجة اللبن وكانت موضوعة على مرأى العين عند النافذة. فابتسم ابتسامة لا تكاد تخفى. ثم تحرك إليها.
كانت ساعة من آلم ساعات الحياة. ودق قلبى كما لم يكن دق أبدا. وفى بأسى قلت أحدثه فى نفسى: نعم نعم، إنه اللبن، وفى طيه ما فيه. افتح الزجاجة وصب اللبن وأخرج العقد، وافعل كل ذلك سريعا، ثم اقض بما تشاء، فالحياة لا تحتمل كل هذا الآلم. لقد سلبتمونى أيها القساة كل شئ، فلم يبق إلا الحياة فخذوها هى أيضا. وما بلغت السيدة هذا الموضع من حكايتها لنا، حتى اعتمدت بظهرها على كرسيها، وسكنت ساعة. لقد توالت عليها الذكريات وثقلت فلم تستطع للقصة مواصلة.
وسكتنا حينا. وبقصد التغيير قام قائم منا يدور علينا بالشاى مرة أخرى. ثم تشجع أحدنا فسأل السيدة وقد عاد إليها بعض اطمئنانها: - ثم ماذا حدث بعد ذلك ؟ . قالت فى خفوت : - لم يحدث شئ. فاللبن بالزجاجة كان من شدة البرد قد تجمد.

