أم
دخلت الأم إلي حيث يركع الناس ويعبدون . دخلت بقدم ثابتة وخطي متئدة ، وقلب طارد فيه الامل الغامر ما كان به من خوف مخامر . ففي هذا اليوم كانت قد ودعت ابنها الأخير ، ثالث ثلاثة ، ذهبوا جميعا يستجيبون لداعي الوطن المهدد ، ويدفعون في البر والبحر عن جزيرة كاد يهتك حماها
ركعت الأم تدعو للثلاثة أجمعين ، وخرجت بعين لم تبللها الدموع .
ومضى بعض عام ، والأم تكتب كل أسبوع ثلاثة كتب في مواعيد لا تختلف ابدا . وكانت كلما فرغت من كتاب أحست قلبها يخف ويذهب ثلث أثقاله .
بعد عام
وما كاد يستتم العام حتى دخلت الكنيسة كعادتها ، ولكن بخطى أقل اتزانا ، وبقلب أقل أملا . وأخذت تدعو الله لابنين اثنين أن يرجعهما إلي أمهما سالمين . وخرجت من بيت الله ، وقد تبلل عيناها بالدمع ولما تدمعا
ذلك أنه كان أتاها الخبر بأن أحد بنيها أصيبت سفينته وغرق فيمن غرق من رجالها
والكتب الأسبوعية الثلاثة صارت اثنين ، ضمنتهما كل ما يخفي به قلب الأم من رجاء ونصيحة وقلق .
بعد عامين عسيس
ويدور العام الثاني ، فإذا هذه الأم تدخل بيت الله على عادتها ، ولكن برجل تكاد تتعثر في عتباته . ومضت إلي حيث يركع الناس ، يسألون الخلاص والرحمة من رب الرحمة والخلاص . ولكنها سألتهما هذه المرة من أجل ولد واحد . فقد كانت وزارة الحرب أبلغتها ان ولدها الأصغر ولم تزد سنه على سبعة عشر لما التحق بالجيش - قد قتل في إيطاليا . وخرجت من الكنيسة تعصر منديلا كان أبتل حتى تشبع . وعند الباب مسحت به آخر دمعة ، فقد كانت تحب أن يري الله دمعها ، وتجزع ان يراه الناس .
وجلست من بعد ذلك إلي مكتبها مرة واحدة في الأسبوع ، وارسلت كتابها الواحد يتابع ابنها الواحد حيث كان من الأرض . ولم يكن بقي لهذا الواحد الطواف ما يعزيه في غربته ويثبته في محنته غير هذا الكتاب . فقد كان جاءه النبأ بأن زوجته التي خلفها وراءه قد انهدم عليها البيت في غارة . فذهبت إلي رحمة الله مع ولد له منها لم يكن بعد رآه .
عودة :
وتأتي الأخبار إلي الأم بأن ولدها قادم إليها . ولدها الوحيد الباقي . اي فرحة وأي سرور ولم تكن فرحة لواحد ، ولكن فرحة لثلاثة ، فقد احتوت فرحتها لهذا الولد الثالث ، فرحتيها لولديها الذاهبين
وأخذت تعد الأيام والليالي . وأخذت تعد شفتيها لتلك القبلات الحارة ، وتحدث نفسها عن هذه القبل : كيف تقبل ، واين تقبل ، وأي القبلات اكثر اشباعا وأذهب بأشواق الأمومة اللاذعة . وأخذت تعد أذنها لتسمع من ولدها الباقي ما فعل بنفسه وما لقي ، وتتخيل أحداثا مرت به مريعة ومواقف قضبي بها لولا رحمة الله . وأخذت تعد لسانها لتحمل إليه ما تحب أن تفيض به الأم من شوق ، شوق للثلاثة ، تريد أن تفيض به على واحد ، هو كل ما بقي لها من بنوة ومن أمل .
ومضي الزمن بطيئا ، حتى لم يبق على مقدم ولدها غير أسبوع ، فجرت في قلبها كل المعاني التي جرت بقلب الشاعر العربي حين قال :
لما بلغنا القادسية حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجاز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحسب بجمع شمل واتفاق
وبكيت من فرح اللقا . كما بكيت من الفراق
لم يبق لي إلا تجش م هذه السبع البواقي
حتي يطول حديثنا بصفات ما كنا نلاقي
وتلاحقت السبعة الأيام الباقية وكأنها الشهور . وحضر الولد وحصل العناق . وحصلت دموع اللقاء .
وتقدرون وتضحك الإقدار :
وإلى هنا شاء القدر لهذا المشهد الجميل الآليم ألا يتم . فقد زارت الدار في تلك اللحظة قنبلة طائرة .
وفي صباح الغد في مرج من مروج البلد ، كانت حفرة الجديدة ، بين حفر حولها قديمة ، قد فتحت فاها ، وجادت بجديد الثري . وكان قد دلي في هذه الحفرة تابوت وقف من حوله جماعة شخوصا صامتين ، لا يسمع فيهم إلا صوت القس يتلو عبارته الأزلية الأبدية المشهورة : من التراب وإلي التراب . .
فهذه الأم أدى بها المطاف إلي مرقدها الأخير . فلا قلب واجف ، ولا عين دامعة . ولعل لها الرحمة في كنف الرحمن
والأبن الواحد ؟ اين الابن الواحد ؟
نجده في المستشفى ، في سرير ، وقد ربطته الرباطات ، ولفته اللفافات فلا تعرف له وجها . للقدر وإياه خطتان : إما اللحاق به فالحاقه بركب الأحباب وراء الحدود ؛ وإما اعفاؤه إلى حين ، ليبدأ الحياة من جديد ، فيأخذ في طريق مقفرة . مقفرة ممن انجبوه وممن انجب ، ومن إخوة هم عون على النوائب ، ومن زوج هي الشراب البارد في اليوم الصائف . مقفرة من كل هؤلاء ، إلا من الامل الذي لابد كائن ولو هشيما ما كانت الحياة .
الفأر والانسان
يستخدم الفأر كثيرا في الطب لتجربة كثير من أمراض الإنسان ، ودراسة مجري هذه الأمراض ، ثم تجربة علاجها بشتي البدع . والمجرب بالطبع يستطيع أن يفعل بالفأر الأبيض ، وهو ذو نسل كثير ، ما لا يستطيع فعله في الإنسان دون ان يؤدى به هذا احيانا كثيرة إلى حبسة السجن إن هو افلت من حبل المشنقة
والاساس في هذا أن جسم الإنسان وجسم الفأر سواء في تقبلهما الداء ، وفي استجابتهما للدواء
ولم يكن يخطر لي في بال أن عقل الفار كعقل الإنسان ، وانهما سيان فيما يلحق العقل من خلل ، وفي
الطرق التي تستخدم في إصلاح هذا الخلل
ولكن هكذا يري علماء النفس
ففي سينما من سينماوات القاهرة عرضوا فلما ، والحق يقال ، بديعا في غرابته ، أو هو غريب في إبداعه . وهذا الفلم يصور بعض ما يقوم به الإخصائيون من تجارب في هذا :
محظوظ ومتعوس
فأران ، محظوظ ومتعوس ، حبساهما في خزانة صغيرة معلقة في الهواء في ركن من اركان الحجرة . فلما جاعا أطلقا من الخزانة . فوجد الفاران أمامهما طريقا ، شرائح رفيعة من الخشب ، مرفوعة بالطبع في الهواء ايضا ، وهي متشابكة في مربعات . ووضع في اخر هذا الطريق من شرائح الخشب صندوق به قطعة من الجبن الفواح
فكان لا بد للفأرين للوصول إلي الجبن من قطع هذا الطريق والجري على هذه الشرائح تحدوهما رائحة الجبن اللذيذ
ولكن مع الأسف لم تكن الطريق سهلة . فبعض هذا الشرائح كان لا يقود إلى طريق الجبن ، بل كان كالحارة المسدودة ، لا يؤدي إلي شئ
أما محظوظ ، وهو محظوظ في عقله ، فسريعا ما تعلم كيف يصل إلى الجبن دون ان يدخل تلك الحارات المسدودة . وأما متعوس ، وهو متعوس في فطنته ، فكان لا يكاد يمر على رؤوس هذه الحارات في طريقه حتى يدخلها
والمسألة ، علاج متعوس ؟
حاولوا علاجه عن طريق البصر ، بأن اضاءوا له الطريق - بأن أضاءوا له تلك الشرائح التي تؤدي إلي صندوق الجبن . ولكنه كان يضل
وحاولو علاجه عن طريق السمع ، بأن دقوا له ناقوسا كلما ضل . ولكنه ظل يضل
ثم حاولوا تخشين تلك الشرائح حتى يحس الهدي
ويحس الضلال . فنجحت هذه الطريقة . فعرف العلماء من ذلك أن طفل بني الإنسان كذلك يكون أهدي بحاسة لمسه منه بحاسة سمعه او بباصرته
وطبقوا هذا في تعليم الأطفال ، وأدخلوا ما أسموه بالآلعاب البدوية والحرف البدوية ، فكان النجاح المألوف المعروف
مركب النقص
وظهرت على الشاشة تجربة أخري ، عالجوا بها ما تحدث الخيبة المتكررة في نفس الصبي من خذلان النفس وضياع الثقة بها . اي اصابتها بما يسميه أهل هذا الزمان مركب النقص
وذلك أنهم جعلوا بين بيت الفأرين وصندوق الجبن لوحين مستقيمين من الخشب يجري عليهما الفأران سبقا إلى الصندوق . والصندوق لم يكن يتسع لغير فأر واحد . في كان من ذلك أن الفأر محظوظا ، كان يصل دائما قبل متعوس . وتكرر هذا ، فإذا بمحظوظ يخرج للجري وحده ، وإذا بمتعوس قد قبع من اليأس في ركن بيته . وكرروا التجربة إغراء له فلم يخرج . أصابه مركب النقص . فما العمل ؟
وضعوا متعوسا في بيت وحده . وكان بيتا عالي السقف . وفي هذا السقف ركبوا بكرة . ومن فوق البكرة جري حبل حتى وصل إلي حيث متعوس من ارض الحجرة . وفي نقطة من هذا الحبل ربطوا قطعة من الجبن . فكان متعوس يجر الحبل إلى اسفل ، حتى ينال الجبن . ومهر في هذا . ثم ضموا إليه محظوظا ليعمل مثل هذا . فكان متعوس اسبق بسبب تمرنه السابق . فعادت إليه الثقة بالنفس
فلما عادوا به إلي اللعبة الأولى لم يقبع يأسا في ركن بيته
) البقية على الصفحة التالية (
ثلاث بنات
وطبقوا هذا في الأطفال . فظهر على الشاشة ثلاث بنات صغار يرسمن . وساء رسم إحداهن فيئست واخذت تعبث بالفرشة والورق . فما رأت المعلمة منها ذلك ، حتى سارعت إلى إبعادها عن الاخريين . وفي مكتبها اجلستها وحدها إلى آلة الكتابة وأخذت تسلمها بعض الشئ . فنجحت . وبهذا النجاح ولو في شئ اخر عادت لها الثقة بالنفس .
المقصود من الحكاية
والدرس الذي يستفيده الآباء من هذه القصة ، انه إذا فقد ابنك ثقته بنفسه من تكرار الخيبة في عمل ، فأسرع في إبعاده عنه قبل ان يستفحل الداء - وانقله إلي ما ترجو له النجاح فيه ، ولو لم يكن من ورائه غاية ، بقصد واحد : أن ترد إليه العافية في نفسه ، كما يرد الطبيب له العافية في جسمه .

