الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 296الرجوع إلى "الثقافة"

بين المسموع والمقروء

Share

هدية  إلى الروحانى المصري ، الأستاذ أبو الخير

ليس التصديق السهل بموجود في مصر وحدها ، أو في الشرق وحده ، بل هو كذلك موجود ، أحيانا ، في كبرى عواصم الدنيا . ودليل هذا امرأة عجوز سبقت المحاكمة ، إلى محكمة بوليس في عاصمة بريطانيا ، لندن

أما تهمتها فيستدل عليها من قول النيابة إنها تريد تطبيق قانون احتراف السحر ، قانون عام ١٧٣٢

والمرأة المتهمة أتمت عامها الثاني بعد السبعين . وتهمتها أنها تعقد حلقات تستدعي فيها الأرواح لختل الناس وخداعهم عن أموالهم .

شهد جاويش بأنه حضر إحدي جلساتها . فقالت له المرأة العجوز إن أباء يريد التحدث إليه وما لبث أن دخلت في غيبوبة . وما لبثت أن قالت له بصوت غليظ ، هو صوت أبيه : " لا تحزن ! فأمك وأخوك يوسف معي . وكلنا سعداء هنا " .

قال الجاويش : " ولا يعب هذا الحديث الذي جاءني من وراء الغيب إلا أن أمى على قيد الحياة ، وأن أخى لا وجود له "

وتهمة أخري أنها في جلسة دخلت غيبوبتها المعتادة ، وقالت إن الروح التي تفتادها هذه المرة في عالم الأموات هي روح رجل من الزولو ، وهو شيخ قبيلة في أهله ، وإنه حاضر تلك الساعة بنفسه . وزيادة في الإقناع قالت إن اسمه أميا .

وتهمة ثالثة . أخذت من فتاة " شنطتها " لتمس بعض أشيائها ، وهو شرط لا بد من وفائه ، ثم قالت لصاحبة " الشنطة " : " إنك فقدت عزيزا . كان ذلك من ثلاث سنين . أليس كذلك ؟ "

فردت الفتاة تقول : " إني فقدت أمي منذ ثلاثة أسابيع "

قالت المرأة العجوز " نعم ! نعم ! هي أمك . وهاك

رسالة منها : بارك الله فيك يا وردة . اعتني بأبيك . إني سعيدة في عالم الأرواح "

قالت الفتاة : " ولكن اسمي ليس وردة "

قالت المرأة التي يري من وراء الحجب : " إن لم يكن اسمك وردة ، فاسمك بنفسج ، أو أسمك فلة أو زنبقة . هو على كل حال اسم زهرة . فان لم يكن كذلك فلا شك أنك ولدت في الفصل الذي يجود بهذه الأزهار "

محصول !

في مصر تظهر الشمس أكثر العام ؛ وفي الشمال من الكرة الأرضية تحتجب الشمس أكثر العام . وهي في مصر حارة شديدة ؛ وهي في الأقطار الشمالية ضعيفة باردة . وحيث الشمس حارة تجود الأرض بالزرع والتمر ؛ وحيث هي باردة تجود كما يجود البخيل . ومن أجل هذا يكون للأرض بأقطار الاستواء المحصولان والثلاثة والأربعة من المحاصيل ، ويكون للأرض في الأقطار الأوربية الشمالية محصول أو محصولان .

ولكن رجلا اسكتلنديا ، له بجوار إدنبرة ١١ فدانا ، استطاع أن يحصل من أرضه على ستة محاصيل وثمانية في العام وليس هذا كل شئ . فانظر لمحصوله من هذه الإحدي عشرة من الأفدنة في عام :

٣٤٣٦٩٥ رأس من الخس ، ٩٤٥٠٠٠ رأس من اللفت ، ١١٠٢٨٠٠ جزرة ، ٤٦٠٠٠ قرنبيطة ، 1500000 كراتة ذات شوشة ، ٢١٩٦٠ حزمة من الفجل الأحمر كل حزمة بها ٢٥ فجلة ، ٢٧١٣٢٠ كرفسة ، ٥٦٠ رطلا من البصل ، ٧٥١٧ قرعة ، ١١٧٠ رطلا خيارا ، ٥١٨ رطلا من الفصوليا ، ٤٨٠ حزمة نعناع ، ٢٢٨٠ رطلا من الطماطم ، 6 أطنان من الروبارب أو الراوند ، : ٢٨ كيسا من الكرنب الفرنسي الصغير وبكل كيس عشرون رطلا

فأي محصول هذا ! في بلد كهذا ! وكيف صنع هذا الرجل كل هذا ؟

السر

صنعه بشيئين : الحرارة والسماد

أما السماد : فهو يعطي الفدان الواحد ١٠٠ طن من الأسمدة والمواد المتحللة .

وأما الحرارة : فهو يسخن أرضه تسخينا . فقد ركب في أرضه ، على بعد قدمين من سطحها ، أنابيب شعرت الأرض كلها من رأسها إلى قدمها . وفي الأنابيب سير البخار، كثيرا أو قليلا . وهو يسيره كثيرا حارا إذا أراد أن يقتل ما في الأرض من حشائش ، وفي هذه الحالة ، ولهذا الغرض ، يستمر سير البخار ساعة ونصف الساعة

ولكنه يسير البخار هينا لتدفئة الأرض إذا برد الجو .

وقسم أرضه إلى مربعات تحدها عرائض من الخشب تحمل أغطية من الزجاج ، تحفظ على الأرض دفها عند الحاجة . وهو زيادة في تركيز زراعته لا يترك فنرا دون أن يقيم فيه ساقا أو جذرا . وهو يؤلف في البقعة الواحدة بين شئيت النبات . فتري الخس واللفت والجزر والفرنبيط تسكن جميعا منزلا واحدا ، وتسكنه معا . فهو يبذر بذور الجزر أولا ، ثم يبسط الأرض ؛ ثم يزرع الخس . وبعد ستة أسابيع يزرع اللفت  بين هذا وهذا . فلا يلبث الخس أن يقطع حتى يكون الجزر قد علا وطال نحو الشمس وفي هذا الوقت يزرع الفرنبيط. وعند تمام نمو الفرنبيط ينضج اللفت ، ثم يتبعه الجزر

إن الأرض تجود دائما ، ولا تقول لا أبدا ، ما أعطيها دفئا وطعاما ، ومع الدفء الضياء  . فهي في ذلك مثلي ومثلك

جارى الفلاح

لقد ذكرني بهذه القصة فاستطامتها فلاح أراء من شباك منزلي يعمل في أرضه . وهي ليست بالطويلة العريضة . فإني أحسبها فدانين ، ومع هذا يتغير وجهها تغيرا سريعا حير بصري . وأمعنت البصر ودققت الملاحظة فعرفت أن الرجل يفهم وظيفة السماد   وفي هذا الصيف آراء قسم أرضه قسمين . وتركيز على زراعة الذرة . ولكنه لا يترك الذرة

تستتم نموها . فهي لا تكاد تبلغ المتر طولا حتى يقصها قصا ، ثم هي تحمل على العربات لتعلف به الماشية . وبينما أحد النصفين يجود ، إذا بالنصف الآخر بعد ، وذرة بعد ، ولست أدري كم محصولا من هذه الذرة جني في فترة ثلاثة أشهر أو أربعة

وحصل مرة أن رأيته جمع الرجال وظلوا ينتثرون شيئا ، في جهد وفي مجلة ، كأنما يطاردون طاعونا ، وكان الزرع قد نما بحيث اخضرت به الأرض وسألت فعلمت أنه الكبريت بنثره دفعا لمرض ، فالرجل إذا علي جهله خبير بالنبات في صحته ومرضه ، وهو بما يقطف من ريح جدير .

إن الأرض خبرة طبيعة ، وهي خدوم ، ولكنها تطلب السيد الذي يحسن بالعلم سيادتها

كيف تنام

هل سألت نفسك مرة كم تنام وكيف تنام ؟ أنا

نفسي ممن لا يكادون يضعون رءوسهم على الوسادة حتى يغيبوا عن السكون ، ولكن زوجتي ليست كذلك . وسالت طبيب الصديق في هذا ، وقلت له إنا سواء في خلو البال ، أو على الأصح سواء في انشغاله . قال طبيبى . إن استويتما في الهم فالأم أحسن قلبا . فهي أبعد نوما من الرجل ، والنساء في عمومهن نوامون خيرا من الرجال .

قلت : فما الحامل على النوم غير هذا ؟

قال : التعب الجمسى أكثر حملا علي النوم ، فكثيرا ما نري الرجال تنام بعد استفراغ قواهم . فتلك نومة التعب ، وهي نومة العافية إلا بعد إجهاد مضبي .

قلت : فالذين يعيشون بأفكارهم ؟

قال : هؤلاء ، أقل نوما . وإنك لتري ، إذا استوت الطبائع ، أن الجهل أجلب للنوم من العلم ، والغباوة اجلب له من الذكاء .

مذاكرة النفس

قلت : فكيف لصاحب النوم القليل أن يكثره ،

وكيف لصاحب النوم المضطرب أن يطامته ؟

قال : يكون هذا ، أول شئ ، بالموازنة بين مجهود المرء الجثماني ومجهوده العقلي ، ثم بملاقاة أسباب القلق قبل دخول الليل ، وأن تلاقيها وجها لوجه .

قلت : وكيف يكون ذلك .

قال : عاود نهارك كله بالذكر : ما صنعت فيه ، وكيف صنعته ، وأين أحسنت فيما صنعت ، وأين أسأت ، وكيف تعمل حتى لا تعود إلى الإسامة مرة أخرى ؟ ومن الوجهة الجثمانية سل نفسك : كم تحركت وكم قعدت ، وعد نفسك بأن تريد من الحركة أو القعود في الغد . ومن وجهة العاطفة والمشاعر : حاسب نفسك عن غضبك ، ومقدار ما بذلت في يومك من كراهة ، ومن ذلة أو إذلال . واصدق نفسك في كل هذا ، ولا تواري عنها ، ولا تبالغ في إساءة أعطيت ، ولا إساءة أخذت . وإنك لواجد في هذه المواجهة الصريحة شفاء ، فهروب النوم أكثر ما يكون لهم منهم لم يقطع المرء فيه ، أو أمر مغلق تخوف كل الخوف في انغلاقه . فافتحه تجده فارغا .

الويل من متاعبات الليل

قلت : زدني بالله عليك

قال : ونصيحة أخري تنفع زوجك إذا أخذت بها . وتنفعك إذا أخذت بها زوجك : إذا جاءك خبر سوء ، فلا تطلع عليه أحدا بعد غروب الشمس أبدأ  أمهله حتى الصباح . وفي وضح النهار ، وفي أشعة الشمس التي تملأ الأرض والسماء ، اسكب الخير في أذن من تشاء ، تجد من شدة حسه بحقيقة الوجود والحياة ما ينفي عنه بعض حقيقة البلوي .

صوت حلو

مجلس صاحبه الوزير القاسم بن عبيد الله ، وفي مجلسه أبو إسحاق الزجاج ، وجارية تشلي:

أدل فأكرم به من مدل   ومن ظالم لدمي مستحل

إذا ما تعزز قابلته          بذل وذلك جهد المقل

وأسلمت خدي له خاضعا    ولولا ملاحته لم أذل

فاستحسن القوم الصنعة . وطربوا للصوت طربا شديدا .

خبر أحلى

فقالت الجارية لرب المجلس : هذا شعر حسن ، ولكن له خيرا أحسن منه . قال الوزير : فما هو ؟ قالت الجارية : إنه لأبي حازم القاضي .

فأخذ المجلس العجب ، وجرت فيه ابتسامات ، ذلك أن القاضي أبا حازم كان معروفا بزهده وبتقشفه ، فهو أبعد الناس عن الحب ، وأبعدهم من الشعر .

قال الوزير : يا أبا إسحاق بالله عليك إلا ذهبت إلى أبي حازم فسألته عن خير هذا !!

ويمضى أبو إسحاق إلى أبي حازم فيأتيه في الصباح الباكر - ويدخل عليه وقد خلا مجلسه إلا من شاب في زي القضاة . قال أبو إسحاق : يابن حازم ، بيني وبينك شئ أقوله على خلوة . وأومأ إلى الفتى الجالس . فقال ابن حازم : قل ما تريد فليس هذا ممن أكتمه شيئا .

وقص أبو إسحاق خبر المجلس وما ذكر فيه ؛ فتبسم ابن حازم وقال : هذا شيء قلته في الحداثة في والدة هذا - وأشار إلى القاضي الشاب ، وقد كان ابنه - واستطرد بقول : كنت أصبو إليها ، وكانت لي مملوكة ولقلبى مالكة ، فأما الآن فلا عهد لي بمثل هذا الشعر منذ سنين ، وإنى أستغفر الله ، مما مضي .

خجل :

عند ذاك وجم القاضي الفتى ، وتصبب عرقا

الحب في كل قلب

وعاد أبو القاسم إلى الوزير فأفضى إليه بالذي جري . فضحك لخجل الابن من حب أنجبه ، ثم قال : يا للحب ! إنه في كل قلب ؛ لو سلم أحد من العشق لكان أبا حازم مع تقبضه وتزهده .

اشترك في نشرتنا البريدية