العفريت عندنا وعندهم
وأقصد بعندنا نحن الشرقيين . وأقصد بعندهم اقوام أوروبا
فالعفريت عندنا ملؤه الخبث ، والخبث يستوجب الذكاء أما العفريت عندهم فمن أغبي الخلائق .
وهم يحكون أن فلاحا من فلاحيهم فرغ من عمل ومه واستعد للرواح . وبينما هو اخذ في سبيله إلى بيته ، رأي فوق حقله كومة متقدة من كتل صفراء تشبه نارا . فلما اقترب منها وجد على الكومة عفريتا .
قال الفلاح : إنك أيها العفريت تجلس على كنز من ذهب .
قال العفريت : نعم ، نعم . وهو كنز لم تقع عينك على مثله قط وان تقع أبدا .
الفلاح : إن الكنز على أرضي فهو لي .
العفريت : إنه لك ، لو أعطيتني نصف ما تنبت ارضك عاما وعاما . إن الذهب عندي كثير ، ولكن بي شوقا إلي ثمرات هذه الأرض
الفلاح : حسن ، حسن . ولكن لا أود النزاع . فلنتفق من الأن على أي النصفين تأخذ ، ما فوق الأرض أو ما تحتها ؟
العفريت : أنا لم أتعود أن آخذ إلا الأعلي .
الفلاح : حسن ، حسن . سيكون لك النصف الأعلى الذي تعودته .
ولما جاء وقت الزرع ، زرع الفلاح الخبيث لفتا . وجاء وقت الحصاد ، وظهر العفريت ، فلم يجد من نصيبه غير ورق ذابل لا نفع فيه .
وحفر الفلاح عن رؤوس اللفت ، وفاز بثمر الأرض . فاغتاظ العقريث ، ثم قال :
العقرب : لقد خدعتني أيها الفلاح هذه المرة ، ولن تخدعني مرة بعدها أبدا ، ففي العام سيكون لك ما فوق الأرض وسيكون لي ما تحتها .
الفلاح : قد اتفقنا
ويحين وقت الزرع ، فيزرع الفلاح قمحا ويحين . وقت الحصاد ، ويظهر العفريت ، فيجد الفلاح قد جمع ما فوق الأرض من قمح ولم يترك له إلا ما تحت الأرض جذورا لا فائدة فيها ولا عائدة !
تحت السياسة وقمحها
وهكذا سياسة العالم ، في أي ركن خبيء من أركانه ، أو مسرح ظاهر واضح من مسارحه . إنها تدور دائما على عفاريت كهذا العفريت ، يملؤها الغباء والغرور ، وعلى فلاحين كهذا الفلاح ، يمؤهم الذكاء ، والدهاء ، وتلك المعاهدات التي كانت وتكون بين الامم ، إن هي إلا ضروب من أمثال هذا العهد الذي جرى بين عفريتنا هذا وفلاحه ، بل فلاحنا هذا وعفريته . والمعاهدات ما أملأها بالفت والقمح ، وما أملأها بشرط ما تحت الأرض وما فوقها . وويل للامم التي يخرج ساستها في النضال القادم بأوراق اللفت أو بجذور القمح
مائدة السلام
وإنما اقصد بالنضال نضال الأفكار حول مائدة السلام . فالناس تقول إن مائدة الصلح قريبة القيام . وانا اقول إني أراها قد قامت فعلا ، فليت الناس تدري أنها قائمة !
إن مائدة الصلح في هذه الحرب لا تطول مدتها لأني أري ضيوفها خالفوا العرف وآداب اللياقة ، فذهبوا إلى المطبخ بأخذون من هذه الحلة مضغة ، ويلعقون من
هذه الصينية لعقة ؛ فلن يحين افتتاح المأدبة حتى تكون قد شبعت بعض البطون .
حديث البابا
كنا نحسبه حديثا ، كحديث الشيخ المراغي ، دينيا ، فإذا هو حديث يذاع على العالم فيكشف عن اتجاه هو أول اتجاهات السلم في السياسة قبل أن يحين السلام
تحدث فضرب أول نغمة لا تتوافق مع انغام الدور الشهير ، دور " بحار الفلجا "
تحدث فإذا به يحاضر الناس في الملكية الفردية وضرورتها نظاما للمجتمع النصراني ، ويعرض بمن لا يرضون هذه الملكية نظاما . ويخشى أن يكون قد غالي فيدفع عن نفسه بأنه لا يناصر الأغنياء على الفقراء وما كان له ان يدفع وموقف المسيحية من الاغنياء معروف مشهور . ولكن الذي كان له الا يخالف فيه ما أجمع عليه الحلفاء ، فقد قالوا : إن الروس أحرار في اختيار انظمتهم داخل حدودهم ، كحرية هذه الأمم في اختيار انظمتها داخل حدودها . وقالوا : إنه ليس في اختلاف النظم في الداخل ، ما يبعث على اختلاف بين الأمم في الخارج
إن البابا مقره روما ، وروما تطل على البلقان وعلي أوربا الوسطى ، وللبابا سفراء في كل هذه البلاد ؛ فهل بلغه ما اراعه فاستل سيفه قبل الاوان ، وقد ظل في غمده حتى صديء خمسة من الأعوام ؟
الدين في أوربا
ولست أذكر حديث البابا لأناصر ملكية فردية ، او ادافع عن شيوعية ، فالعلم بصلاح هذه او هذه عند الله ، وعند تجربة الأجيال . ولكني اذكر به مظهرا من بعض مظاهر بعض رجال الآديان . يصمتون حيث يجب الكلام
دهرا ، فإذا نطقوا نطقوا . . بهذا
وأصاب قداسة البابا أو أخطأ ، فالذي نعلمه أن الدين أصبح ذا أثر ضعيف جدا في أوروبا . وهو أكثر ضعفا في غربها . وفي إنجلترا زاوجوا الدين بالوطن فولدا دينا وطنيا لا يزال يسمي بالمسيحية . أما في شرقها ، في البلقان وفيما يلي البلقان من اوسط القارة ، فالدين قوي في النفوس ما جاري الحياة وضروراتها . والحياة شبع وري أولا ، ثم هي عقيدة . والعقيدة يمكن إنامتها ثم إيقاظها ، والمعدة إذا نامت طويلا لا يمكن إيقاظها .
وليس أدل على صحة هذا مما يجري اليوم - حين أكتب - عند البلغار . فهم قوم بالجنس سلاف ، وبالعقيدة ارثوذكس . أي أنهم هم والروس سواسية جنسا ودينا . وكنائسهم لها مظهر كنائس الروس . وقساوستهم كقساوسة الروس قلبا وقالبا . ولكن أسواقهم المانية ، واقتصادهم الماني . من أجل هذا وقفوا إلي جانب المانيا في الحرب الماضية وفي الحرب الحاضرة . حتى بعد ان ضعفت ألمانيا في هذه الحرب ، وكان للبلغار من ضعفها حجة في الخروج عليها ، تشبثوا بموقفهم القديم على رغم الجنس ورغم الدين .
قاتل الحشرات : الديدي
هكذا سميناه ، ما دام أنه لا بد لكل مولود من تسمية ، وما دام ان غيرنا لم يتطوع بعد لتسمية تكون أصح وأوفق .
توء مان
وهو مولود من مواليد الحرب ، بل هما مولودان توءمان ، اولدتهما هذه الحرب ، وسيكون لهما بعد الحرب عمر طويل مديد نافع كأعمار بعض الخيرين من ابناء الناس . إلا أن خيرهما لن يقصر على أهل وطن دون
سائر الأوطان ، ولا علي أهل دين دون سائر الأديان ؛ ولكنه سيكون للاقوام البشرية جميعها ما بلغت تلك الأقوام ذلك الحد من الثقافة الذي يلزم لاستبانة الخير من الشر ، والنور من الظلام
وهذان التوءمان هما : الديدي والبنسلين
أما البنسلين ، فقد تحدثنا عنه فيما سلف . وأما الديدي فقد تحدث عنه غيرنا ، ورمزوا له كما رمز الإفريج بالأحرف د . د . ت
وكلاهما مركبان مما تركب الكيمياء ؛ ولكن أحدهما ، وهو البنسلين ، ركبته في تكاثرها بعض الاحياء النباتية - الفطر - ولم يصل بعد الإنسان إلى محاكاتها بتركيبه في المعمل ؛ والأخر وهو الديدي ركبه الكيماويون اصطناعا في المعمل ، لا محاكاة عن الطبيعة
والبنسلين عقار كبعض العقاقير ، ينفذ في الجسم ، فيكافح المكروب فيه ؟ أما الديدي فيمنع المرض قبل ان يصل إلى الإنسان . وذلك بمنع أسبابه . وهو يمنع أسبابه ، وهي مكروبات ، بقتل الحشرات التي تحملها إلي الإنسان
وناقلات المرض إلي الإنسان حشرات عديدة ، من اشهرها : القمل ، والبعوض ، والذباب ، والبق ، والبراغيث ، والصراصير ، والديدي يقتلها جميعا على ما وردت بذلك الأخبار .
فالديدي سيرفع عن البشر نقما قديمة عديدة منها : التيفوس ، والتيفود ، والملاريا ، والدوسنطاريا ، والحمي الصفراء ، والكوليرا ، وأوبئة أخري غير هذه .
الديدى والتيفوس
والديدي نال سمعته الكبرى إلى اليوم بالذي صنع في إيطاليا ، وعلى الأخص في مدينة نابلي ، عند ما حسم التيفوس حسما بين أكثر من مليون نسمة في اقل من
ثلاثة أسابيع ، وبالذي صنعه في حملة نورمانديا لجيوش الخلفاء . فالقمل ، وهو حامل التيفوس ، اسرع ما يأتي للجند . والقمل شيء لا بد منه في كل حرب ، ولكن الجنود في نورمانديا تحصنوا بالديدي ، يرشونه سحيقا في ثيابهم ، وفي أكمامهم ، وعند مداخل ارجلهم من الثياب ، ومخارج اعناقهم . فهبطت إصابات القمل إلي ستة أشخاص في المليون . بينا إصابات القمل بلغت في الألمان خمسة في المائة ، على الرغم من أنهم يلبسون أقمصة خاصة لا تشجع القمل على ارتيادها .
ابتسامة
إنك ايها القارئ لو طالعتني هذه الساعة لوجدتني ابتسم . اتدري لماذا ؟ لأن هذا القاتل الجديد للحشرات - هذا الديدي - أول من ركبه الألمان .
وهو ليس بجديد على ما زعم الكتاب . إنه أسن مني ، ولا شك منك أيضا . إنه ولد عام ١٨٧٤ . وأبوه شاب ألماني اسمه أتمار زيدار . ولده ؛ ولما لم يجد له نفعا سجله في سجلات العلم تسجيلك ابنا مات بعد أيام من ولادته !
ثم جاء بعد ذلك من كشف أنه يقتل الحشرات على النبات ببذره فوقه . إذن فلنجربه في هذه الحشرة ، ثم في هذه ، ثم في تلك . حتى انفتح الباب على مصراعيه . وهو فتح لا يقاربه فتح باريس أو فتح برلين ، حتى ولا فتح ذخائر قارون ! فبالذهب تشتري النعم . ولا نعمى لجسم مريض . فإن كنت في شك من هذا ، وكنت في عافية ، فسل مريضا ، يكشف لك عما خبأت عنك العافية
الديدي في المطبخ
والديدي مسحوق كبدرة الوجه . ولكنه كذلك
يذوب في المحاليل العضوية كالبنزين . فهو علي هذا بذر كالبدرة ، أو يرش كما يرش الفلت وأضرابه
وإذا انت رششت بمحلوله حوائط مطبخ استحال بقاء الحشرات فيه . وهو لا يقتلها توا ، ولكن في غضون ٢٤ ساعة ويبقي آثره على الحائط ستة أشهر - هكذا قالوا ، فهو لم يرد إلي مصر بعد . وهو يقتل كل الحشرات التي تغشي المطابخ في مصر . وكذلك تلك التي تغشي مجاري المياه في المنازل . وكذلك البق .
الديدي في المعمل
وهم يركبونه من بنزين الفحم ومن مشتقاته ، ومن غاز الكلور . فهو لهذا رخيص لرخص مصادره . وتصنع منه الاطنان دفعات واحدة . وهو سهل التحضير ، فهو لن يجتمع علي تحضيره وكيل وزارة ومدير مصلحة وجمهرة من الإخصائيين ، كالذين سمعنا انهم اجتمعوا في القاهرة
على إعادة تحضير البنسلين إنه مادة متواضعة ، تتطلب لتحضيرها كيماويا من الدرجة الخامسة أو السادسة ، في معمل متواضع . على الا يطلب إلي الكيماوي المسكين تحضير الأطنان . أطلبوا منه رطلا أو بعض رطل . ومونوه بالأصول التي ذكرنا .
بهذا حدثنا عارف بالكيميا . والله اعلم
كان خفيف الروح
ذلك أبو بكر بن عياش . وقل أن يجتمع العلم والخفة . ومات هو والرشيد في عام واحد .
حدث العباس بن بنان قال : كنا عند أبي بكر ابن عياش ، يقرا علينا كتاب مغيرة ؛ فغمض عينيه ، فحركه أحدنا وقال له : " افي الدرس تنام يا ابا بكر ؟ ! " فقال : " لا ، ولكن مر ثقيل فأغمضت عيني " !

